العنوان نساء مجاهدات في العصر الحديث.. فاطمة البدري.. أم الفقراء
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 23-مايو-2009
مشاهدات 69
نشر في العدد 1853
نشر في الصفحة 42
السبت 23-مايو-2009
- ولدت بمدينة بلبيس عام ١٩١٩ م وكان والدها شيخًا يمتهن التجارة.
- رفضت الزواج من الفقيه الشيخ سيد سابق للتفرغ للدعوة.
- تميزت بالزهد والتبتل وأحبت العمل الدعوي ووهبت حياتها كلها لله.
يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: «إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها. وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة الإيمان والإخلاص، والحماسة، والعمل من خصائص الشباب؛ لأن أساس الإيمان القلب الذكي، وأساس الإخلاص الفؤاد النقي، وأساس الحماسة الشعور القوي وأساس العمل العزم الفتي» .... من هذا المنطلق عاشت ضيفتنا في هذه الحلقة السيدة فاطمة البدري التي ينطبق عليها بحق لقب أم الفقراء لرعايتها لهم، وعطفها عليهم.
هي فاطمة محمد البدري حسنين ولدت في ١٦ مارس ۱۹۱۹م، وكان والدها شيخًا، يمتهن التجارة فقد كان يمتلك محلا لبيع الأعلاف، وكانت وحيدة أبويها بعد وفاة أخيها الذي توفي صغيرًا حيث لم يكن عمره يتجاوز ثلاث سنوات، فأحاطها والدها بالرعاية والحب والحنان.
نشأت وكبرت في مدينة «بلبيس» بمحافظة الشرقية وتلقت تعليمها بين مدارسها حتى حصلت على كفاءة المعلمات، فقدت إحدى رجليها في حادثة، غير أنها كانت صابرة محتسبة، وبعد تخرجها عملت بوزارة الشؤون الاجتماعية بالقاهرة وكانت من الوزارات الجديدة التي أنشأها على ماهر باشا في حكومته عام ۱۹۳۹م غير أنها فوجئت بما رأته من سرقات ورشاوى ومحسوبيات، وكانت هذه أول الصدامات، وعندما كشفت هذه السرقات سعى وراءها أصحاب الشهوات وضعاف القلوب حتى فصلت من عملها في أبريل ١٩٤٩م، فالتحقت كداعية بوزارة الأوقاف بمسجد أحمد بن طولون، وفي ذلك الوقت من عام ١٩٤١م تعرفت على دعوة الإخوان المسلمين (۱).
ومما جاء في مذكرة رفعت بشأن فاطمة البدري: إن الآنسة المذكورة انحدرت من أسرة عريقة، وعملت في الجمعيات الإسلامية الكبيرة من عام ١٩٣٨م حتى ١٩٤٣م، ثم عملت من أبريل ١٩٤٣م حتى أبريل ١٩٤٩م في الشؤون الاجتماعية ملاحظة ثم باحثة اجتماعية وقد كانت مثال الجد والنشاط رغم ما تعرضت له من اضطهاد وخصم المرتبهابسبب محاربتها للفساد، كما كان لها دور كبير في خدمة لاجئي فلسطين؛ حيث كانت تعمل معهم من الساعة 8 صباحاً حتى الساعة ١٢ مساء دون تعب أو كلل غير أنها تعرضت لمزيد من الاضطهاد بعد حل جماعة الإخوان المسلمين بسبب انتمائها للجماعة حتى حجز مرتبها لمدة ثلاثة شهور، ومن ثم أطالب برفع الضرر عنها وتعيينها على الدرجة السادسة الفنية وضم مدة الخدمة السابقة لها (۲).
العمل وسط دعوة الإخوان
تميزت فاطمة البدري بصفات العبودية والزهد والتبتل لله، وأحبت العمل الدعوي ووهبت حياتها كلها لله، حتى أنها رفضت الزواج كثيرًا من أجل التفرغ للدعوة. وبسبب قرب عملها من السيدة زينب تعرفت على الأخوات من خلال الدروس الذي كان يعطيها الأستاذ محمود الجوهري والسيدة زوجته في شعبة السيدة زينب فالتحقت بهذه الدعوة لما علمته من سمو مبادئها، وانخرطت فيها ووهبتها كل وقتها، حتى أنها انتخبت ضمن اللجنة التنفيذية للأخوات المسلمات عام١٩٤٤م.
وقد تشكلت لجنة إرشاد عامة للأخوات منبثقة عن اللجنة التنفيذية ضمت كلا من:
1- آمال عشماوي «رئيسة».
2-فاطمة عبد الهادي «وكيلة».
3- أمينة علي «أمينة الصندوق».
٤- فاطمة توفيق «سكرتيرة أولى».
5- منيرة محمد نصر «سكرتيرة ثانية».
6-زينب عبد المجيد.
7-هانم صالح
8-سنية الوشاحي.
9- فاطمة عبيد.
۱۰ - زهرة السنانيري.
۱۱- محاسن بدر
۱۲- فاطمة البدري (۳).
وعندما اجتمعت الهيئة التأسيسية للأخوات المسلمات لانتخابات لجنة الإرشاد العامة للأخوات في رمضان من عام ١٣٦٧هـ الموافق يوليو ١٩٤٨م في المركز الرئيس للقسم بالمنيرة انتخبت اثنتي عشرة أختًا واختير من بينهن رئيسة، ووكيلة وأمينة صندوق، وسكرتيرة، وكانت فاطمة البدري إحدى العضوات (٤).
وعندما تعرضت الجماعة للمحنة بعدما بعد حلها في ١٢ ديسمبر ١٩٤٨م واعتقال عدد كبير من أعضائها وقياداتها، سارعت فاطمة البدري بمشاركة أخواتها في رعاية الإخوة المسجونين وذويهم، فقسمن أنفسهن منهن من كان يرعى السجناء، ومنهن من يرعى ذويهم ويقوم على متطلباتهم، وظل الحال هكذا حتى تم الإفراج عن الإخوان وعادت الجماعة مرة أخرى، وعادت فاطمة للعمل مع الأخوات حتى تعرضت الجماعة المحنة أخرى في عام ١٩٥٤م.
وعندما تتبعنا تاريخها بعد ذلك وجدناها انخرطت في العمل الدعوي والتطوعي ورعاية الفقراء، ولم يعد لها صلة بدعوة الإخوان.
لم تقبل فاطمة البدري الزواج قط ورغم الضغط عليها من قبل أهلها، إلا أنها كانت ترفض لحبها للعمل الدعوي، حتى ظن أهلها بها سوءًا، وأن بها علة فوافقتهم على الزواج الذي لم يستمر أكثر من ستة أشهر بسبب عدم التوافق بين الطرفين بسبب كثرة صلاتها وصومها، وكان ذلك على غير طبيعة زوجها الذي آثر الطلاق، فرحبت بذلك للتفرغ للدعوة، وإن كان هذا التصرف لا يتفق مع تعاليم الإسلام كما ورد عن رسول الله حول هذا الشأن فقال: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (رواه الشيخان والنسائي).
غير أن هذا الفهم سيطر عليها، ولم تقبل بالزواج من أحد حتى توفاها الله، ويذكر هنا أن الفقيه الشيخ سيد سابق - يرحمه الله- تقدم للزواج منها، غير أنها رفضت بأدب بسبب رغبتها في التفرغ للدعوة.
وتذكر إحدى أخواتها وأقرب صديقاتها رفضت الإشارة إلى اسمها موقفًا من مواقف الحاجة فاطمة في الدعوة وحرصها عليها، فتقول: «كانت تستقل سيارة بعد أن أنهت عملها كواعظة في مسجد أحمد بن طولون، فوجدت شابة ترتدي «الميكروجيب» قطعة من الثياب تظهر ساقي المرأة فسارت وراءها حتى صعدت إلى بيتها فخرج لها زوج الشابة، فأخذت تعاتبه على رجولته بأسلوب حسن وعلى تركه زوجته ترتدي هذه الملابس، والرجل واقف مذهول من تصرفها، ثم ذكرته بأنه سيقف أمام الله وسيسأل عنها، وكيف أنه لم يكن يغار على أهله، ويجعلهم سلعة تلتهمها عيون الذئاب في الشوارع، كما ذكرته بأنه سيأخذ الوزر على كل ما تقوم به زوجته إن تركها على ذلك ... ثم تركته في ذهوله وغادرت...» (٥).
لم تخش في الله لومة لائم
لم تخش فاطمة البدري في الله لومة لائم، بل لم تخش أحدا إلا الله، ومن خلال خطاباتها التي حصلنا عليها من إحدى صديقاتها القديمات نجد شجاعتها وقوة شخصيتها .
ففي أثناء اعتقال الإخوان أرسلت إليهم خطابًا قالت لهم فيه: «أيها الإخوان، كم أنا مسرورة بجهادكم العظيم وثباتكم على المبدأ.
أيها الإخوان «أرجو» أن تكون المعتقلات والسجون صفت نفوسنا جميعًا وطهرتها النضرب المثل العليا للعالم، ولتكون من الذين أوفوا بعهدهم مع الله.
وايم الله إن نفسي لتحدثي دائمًا بأن أقدم طلبًا إلى الحكومة لتعتقلني لأنال شرف الجهاد مثلكم وأحظى بالمتعة الروحانية التي تمتعتم بها، وأدعو الله ألا يحرمني من الجهاد والاستشهاد في سبيله ونصر دعوته.
فيا أيها الإخوان، تقدموا للأمام دائمًا وتمسكوا بدعوة الرحمن، ونحن وراءكم نحمي ظهوركم، ونشد أزركم نحن لكم في الشدة والرخاء، ونحن معكم في السراء والضراء، ولو قذفوا بكم في النيران فإنا معكم، ولا أشعر بأنها نيران بل جنات الرحمن».
وفي خطاب آخر أرسلته إلى عبد العزيز كامل القيادي بجماعة الإخوان في /١٩٤٩/١١م قالت له: حضرة الأستاذ عبد العزيز كامل.. السلام عليكم.. أرجو أن تجمع جميع الإخوان الأفاضل أعضاء مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية وتقرأ عليهم خطابي هذا:
حضرات الصابرين جميع الإخوان المسلمين. لا تخشوا بأس أحد إلا الله فأنتم الأعلون فاثبتوا على مبدئكم، ولا تنسوا أنكم بايعتم الله على الجهاد والموت في سبيله. أيها الإخوان، تأكدوا واعتقدوا أن النصر حليفكم بعون الله وتوفيقه.. أيها الإخوان لا تيأسوا من رحمة الله فإن النصر آت لا محالة، وتأكدوا أن هذه منحة من الله وليست محنة .. إخواني لقد أخبرنا الله بالبلاء فقال: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)﴾(سورة البقرة: الآية 155)، ثم بعد ذلك بشر الصابرين فقال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾(سورة البقرة: الآية 157).
وفي خطاب أرسلته إلى رئيس الوزراء قالت فيه:
«إلى حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس الوزراء.. السلام عليكم .. وبعد:
هل تعلم يا رفعة الباشا أن مقبرة المغفور له بإذن الله الشيخ حسن البنا شبيهة بالميدان الحربي؟ هل سيقوم من المقبرة يطالب الحكومة بدمه ويرفع شكوى على الحكومة المصرية أمام الحكومات الأخرى؟ أم تخشى الحكومة بأسه وهو في القبر، كما كانت تخشى بأسه وهو في الدنيا، رغم أنه كان رجلاً مسالمًا طيب الخلق؟ هل من العدل أن يُحرم أهله وبنوه وذووه من زيارته حتى في القبر؟ نريد أن نعرف الأسباب التي جعلت الحكومة تسلك هذا المسلك ضد الأموات!»
وفي خطاب آخر أرسلته إلى حسين سري رئيس الوزراء عام ١٩٥٠م نددت بما حدث ضد بعض المرشحين من تزوير وخطف من قبل رجال البوليس، وأوضحت أن ذلك لا يدل على حرية الانتخابات كما كانت تزعم الوزارة.
وفي رسالة أرسلتها للشعب على هيئة نداء في مساء الثلاثاء ١٩٥٠/١/٣م بمناسبة الانتخابات تذكره بأمانة الصوت، وأن المرشحين يسعون لجمع الأصوات بالخداع والعصبية، فقالت حول هذا المعنى: «أيها الناخبون، لا تعطوا أصواتكم إلا لمن تثقون أنه سيمثلكم خير تمثيل، بشرط أن تأخذوا عليه كتابة أنه إن لم يخدم الوطن خدمة فعالة يلمسها الشعب بنفسه فإنكم ستسحبون منه ثقتكم، ولا تعترفون به کتائب، وتطالبون بسقوطه فورًا ..».
وفي خطاب أرسلته في ٢٢ / ٤ / ١٩٥٢م إلى وزير الإرشاد القومي الإعلام والثقافة حاليًا الأستاذ فتحي رضوان قالت له فيه: «یا حضرات المسؤولين كيف تظهرون مصر العزيزة بالمظهر غير اللائق بها، والذي خدش كرامتها، وذلك بسبب إهمالكم في أداء واجباتكم، وترك القاذورات في الأماكن الأثرية، خاصة الطريق المؤدية إلى القلعة من جهة المحجر، فلقد صاحبت بعض السياح من باكستان والسودان إلى القلعة عدة مرات بین آونة وأخرى، وفي كل مرة يرون جيوش الحشرات والذباب يزاحم بعضها بعضًا على جانبي السلم، فهل يرضى المسؤولون أن تلوث سمعة مصر بهذا الشكل، وتوصف بالقذارة ؟!».
وفي خطاب أرسلته إلى وزير الأوقاف بتاريخ ۱۹۷۳/۱۲/۲۳م قالت له فيه: «لقد عينت ملاحظة ثم باحثة اجتماعية بوزارة الشؤون الاجتماعية في أبريل عام ١٩٤٣م، حيث قاومت الفوضى الخلقية والسرقات فكان سلوكي هذا لا يرضي أصحاب النفوس الضعيفة، غير أنهم تخلصوا مني وفي نوفمبر ١٩٥٤م عينت من جديد بوزارة الأوقاف ولم يحتسبوا لي المدة السابقة وفي مارس ١٩٥٩م استغنى عني الأستاذ البهي الخولي فهل هذا عدل؟ ورفعت صوتي حتى تم تعييني مرة ثالثة في يونيو ١٩٦٤م. وها نحن في عام ١٩٧٣م ويريدون تعييني على الدرجة التاسعة بالرغم من أنني كنت عام ١٩٤٨م في الدرجة الثامنة.... السيد الوزير أرجو رفع هذه الشكوى إلى رئيس الجمهورية وشكرًا ....فاطمة البدري».
وعندما كبر سنها وتعب جسدها طلبت من الأستاذ أبو الفتوح أبو موسى المدير العام لمنطقة سنترالات القاهرة أن يرسل لها عاملاً أمينًا يركب لها التليفون فتقول: «أرجو أن تتكرم باختيار العامل الذي سيقوم بتركيب التليفون في الشقة على أن يكون شديد الخوف من الله، لأني وحيدة، كما أرجو أن تصدر أمركم بمنع أي عامل من المجيء لي بالشقة من وقت لآخر بحجة التليفون إلا العامل الذي ستختاره سيادتكم ولا يأتيني إلا بأمر سيادتكم».
ولقد أرسل لها الأستاذ عبد الرحمن البنا برسالة يستأذنها فيها في إلقاء الكلمة مكانه بسبب ظرف قوي طرأ لديه، وكتب عنوانه ۱۷ شارع أحمد تيمور بالحلمية الجديدة بالقاهرة (٦).
وكانت تكتب في صحيفة الإخوان المسلمين في الأربعينيات سلسلة مقالات تحت عنوان السعادة الزوجية.. كيف تكون؟).
فاطمة والفقراء
جبلت منذ أن كانت صغيرة على عمل الخير وحب الفقراء، وكبرت معها هذه الصفات فكانت لا تجد فقيرًا إلا عطفت عليه حتى لو كان على حساب نفسها بل أنفقت أكثر ثروتها التي ورثتها عن أبيها وأمها على الفقراء، فنجدها في مسقط رأسها بمدينة بلبيس تأخذ الأرض التي تنازلت لها والدتها عنها وتشيد مركزًا إسلاميًا باسم مركز الحاجة فاطمة البدري الخيري للسيدات، كما جاء في حيثيات أوراق المركز مسجد ومكتبة عامة ومكتبة للأطفال ومستوصف، ومكان الضيافة المسنين من الجنسين ومبيت للطالبات المغتربات) (۷).
ولم تكتف بها بل تبرعت بشقتها الواقعة بميدان فيكتوريا (أحد أحياء القاهرة) إلى الشؤون الاجتماعية - لتجعلها مكاناً للأيتام، وكان ذلك في حياتها - واشترطت أن تتسلمها الوزارة بعد وفاتها غير أن الوزارة حاولت التعجيل باستلامها مما اضطرها إلى إلغاء هذا التنازل واسترجاع ملكيتها للشقة، غير أنها سرعان ما ناشدت الجمعية الشرعية في بلبيس باستلام الشقة فوافقت الجمعية على شروطها، وفعلا بعد وفاتها تسلمتها الجمعية الشرعية وقام سكرتيرها بالإنفاق على تجهيز هذه الشقة لتكون مكانًا للأيتام.
هذا غير مواقفها التي تعطي نموذجا للمرأة المسلمة حقًا، فتذكر إحدى صديقاتها أنها كانت تزورها في أحد الأيام وبعد انتهاء الزيارة خرجت لتوصيلها حتى تستقل سيارة أجرة، وحاولت هذه الصديقة إيقاف سيارة، غير أن الحاجة فاطمة أبت ذلك وقالت لها: «إن العشرة قروش التي سأدفعها لسيارة الأجرة أولى بها أحد الفقراء» بالرغم من ثرائها وأمرتها أن تستوقف لها الأتوبيس العام مضحية بتعبها الصالح الفقراء.
ويروى أنها كانت تعيش وحدها، ولا يقوم أحد على خدمتها، وكانت تسكن في شقتها الكائنة في ميدان «فيكتوريا» في الدور الأرضي، وذات يوم كانت تجلس بجوار النافذة وكان بائع برتقال يقف خارج النافذة فكان ينتقي البرتقال السليم ويرمي بالعاطب، ثم نظرت فوجدت فتاة يدل على هيئتها الاحترام وجدتها تجلس بجوار الحائط وتأخذ البرتقال العاطب، فتكسر البرتقالة فتأكل السليم وتقذف بالعاطب دون أن يراها أحد ! حيث كانت تتوارى في ثيابها فما كان منها إلا أن نادت عليها، وقالت لها: خذي هذا المال يا ابنتي واشتري لي كيلوين من هذا البرتقال، فذهبت الفتاة واشترت لها البرتقال، وعادت لها، فما كان من الحاجة فاطمة إلا أن مدت يدها وأخذت برتقالة واحدة فقط، وقالت لها: هذه تكفيني يا ابنتي، وخذي أنت الباقي لك».
لقد سرخت كل حياتها لخدمة الفقراء وكان الجميع يعرفونها ، فكانت الأموال تأتيها لتنفقها على الفقراء والأيتام.
وفاتها
أصيبت في آخر حياتها بمرض شديد، ومع ذلك لم يمنعها مرضها من رعاية شؤون الفقراء غير أن كبر السن وتكالب الأمراض عليها دفع سكرتيرها الخاص لأن يصطحبها إلى إحدى دور الجمعية المصرية لصحة المسنين، لتقيم فيها بقية حياتها، غير أنها لم تمكث سوى ستة أشهر في هذه الدار، ووافتها المنية في من ذي الحجة ١٤٢١هـ الموافق ۲۰۰۱/۲/۲۷م وحمل الجثمان ودفن في مظاهرة حاشدة في بلبيس بمقابر طريق المعاهدة بجوار مسجد النمر وعمارات الأوقاف.
-------------------------------
الهوامش
(۱) حوار أجراه عبده مصطفى دسوقي مع سكرتيرها الخاص يوم ٧/١٠ ۲۰۰۸م.
(۲) من حيثيات مذكرة رفعها محامي فاطمة البدري في ٢٤/ ١ / ١٩٥٠م إلى مدير الشؤون الاجتماعية.
(۳) جمعة أمين عبد العزيز أوراق من تاريخ الإخوان الكتاب الخامس دار التوزيع والنشر الإسلامية القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥م.
(٤) محمد عبد الحكيم خيال ومحمود الجوهري الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، دار الدعوة الإسكندرية۱۹۸۰م.
(5) حوار أجراه عبده مصطفى دسوقي مع إحدى أخواتها وأقرب صديقاتها في يوليو ٢٠٠٨م.
(6) خطابات حصل عليها عبده دسوقي من سكرتيرها الخاص.
(۷) ورق مركز بلبيس من مكتب المهندس جلال مؤمن وأولاده الواقع في 7 شارع الحجاز المهندسين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل