; فتاوي المجتمع (العدد 1488) | مجلة المجتمع

العنوان فتاوي المجتمع (العدد 1488)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1488

نشر في الصفحة 58

السبت 09-فبراير-2002

محرمك ما زال صغيرًا

  • سيدة تريد أداء حجة الفريضة لكنها لا تجد معها محرمًا غير ابنها وهو لم يبلغ الحلم بعد، وعمره في حدود ۱۱ سنة فقط، فهل يعتبر محرمًا لها؟

  • اشترط جمهور الفقهاء في المحرم أن يكون رجلًا بالغًا عاقلًا، وأن يكون محرمًا بمعنى أنه محرم عليها الزواج منه على التأبيد سواء كانت الحرمة بسبب القرابة أو الرضاعة أو المصاهرة لكن المالكية لا يشترطون في المحرم أن يكون بالغًا، بل يكفي عندهم أن يكون مميزًا، وهو من كان في سن بعد العاشرة، ويميز بين الأمور.

وعلى هذا، فإن الأحوط هو الأخذ بما ذهب إليه جمهور الفقهاء في اشتراط أن يكون المحرم بالغًا، فلا يجب عليها الحج في هذه الحال حتى يبلغ هذا المحرم إن لم يكن لها محرم غيره.

وبالمناسبة، فإن نفقة المحرم تجب على المرأة إذا كان لا يرافقها إلا بدفع أجرة أو نفقة ولا يجوز لها إن وجدت المحرم أن تذهب مع رفقة من النساء بحجة أن المحرم يريد منها نفقة أو أجرة.

الحج ليس مشروعا استثماريًّا

  • هل يجوز اتخاذ حج الإنابة مشروعًا استثماريًّا يتم تسويقه والاستفادة منه بتحقيق عائد مادي من ورائه؟

  • الإنابة في الحج مبني جوازها على وجود أعذار لمن وجب عليه الحج، ولم يستطع القيام به بنفسه لمرض مزمن أو كبر سن لا يقوى معه على الحج، فهؤلاء وجب لعذرهم أن يدفعوا نفقة الحج لمن ينوب عنهم في أداء الحج، وهذا الوجوب عند الشافعية والحنابلة، وأما أبو حنيفة ومالك فلا يوجبون الحج على هؤلاء لا بأنفسهم، ولا بإنابة غيرهم، ومرجع ذلك إلى اختلافهم في تفسير الاستطاعة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً ﴾ (آل عمران: ۹۷)، فمن أوجبوا الإنابة فسروا الاستطاعة بالزاد والراحلة أي النفقة الكاملة، فمن عجز بنفسه واستطاع بغيره وجب عليه الحج بالإنابة، ومن لم يوجبها فسر الاستطاعة بمن يستطيع بنفسه، والعاجزون غير مستطيعين، فلا يجب عليهم الحج لا بأنفسهم ولا بغيرهم، وهذا هو الراجح لظاهر دلالة اللفظ وهذا الخلاف في صحة البدن هل هي شرط الأصل الوجوب أم هي شرط للأداء بالنفس.

أما أصل مشروعية الإنابة عن الغير في الحج، فجمهور الفقهاء من المالكية يرون مشروعيته للأحاديث الصحيحة في ذلك، ومنها حديث ابن عباس -رضي الله عنه- قال: «جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع وقالت: يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه قال: نعم» (البخاري ٦٦١٤ ومسلم۲/۹۷۳) وإذا كان وجوب الإنابة بالحج للمعذور فيناسب النائب الرفق به والتبرع في تحمل شيء من السفر ابتغاء رضوان الله والأجر والمثوبة، وحصول فضل الدعاء بما يتهيأ له من أماكن الدعاء في عرفة وغيرها مع الدعاء لمن يحج عنه ولنفسه ويجب النظر للحج باعتباره فريضة عظيمة، وعبادة خالصة لله تعالى، فلا يجوز جعلها محلًا للمتاجرة، مع أن التجارة في الحج أي في أثنائه جائزة، لكن هنا متاجرة بالحج ذاته، فهذا ما لا تقبله النصوص ولا قواعد الشرع، وهو من تدخلات الشيطان في قلوب أصحاب المال أن يستثمروا من احتاج إلى الإنابة في زيادة كسبهم وهو أقرب إلى السحت من المال الحلال.

التمتع.. أفضل أنواع الحج

  • هل صحيح أن أفضل أنواع نسك الحج.. التمتع وإذا كان هو أفضلها فما الدليل على ذلك؟

  • الحج أنواع: القرآن والإفراد والتمتع، فالقرآن هو أن يحرم الحاج بالعمرة والحج معًا ولا يحل منهما الحاج إلا يوم النحر أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طواف العمرة.

والثاني: الإفراد وهو أن يحرم بالحج من الميقات أو من مكة إذا كان مقيمًا بها أو بمكان آخر دون الميقات ثم يبقى على إحرامه إلى يوم النحر إذا كان معه هدي فإن لم يكن معه هدي شرع له فسخ حجه إلى العمرة، فيطوف ويسعى ويقصر ويحل. 

والثالث: التمتع وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ويؤدي أعمال العمرة ثم يتحلل، ثم يحرم بالحج يوم التروية.

أما عن أفضل أنواع الحج، فقد اتفق الفقهاء على جوازها كلها، واختلفوا في أفضلها ولعل أفضلها هو التمتع، وذلك لأن النبيﷺ تمناه فقال: لولا أني سقت الهدي لأحللت، ولا يتمنى النبي ﷺ إلا الأفضل، قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قام النبي ﷺ فينا فقال: «قد علمتم أني اتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحللنا وسمعنا». (صحيح مسلم ١٦٣/٨).

وعلى هذه فأفضل النسك التمتع، لو لم يسق الحاج الهدي.

حج المدين

  • رجل يتمتع بالقدرة على الحج لكن عليه دينًا لشخص، وإذا لم يحج فإنه يستطيع أن يسد دينه، وإذا سافر فإنه لن يستطيع الوفاء بالدين، علمًا بأنه سيحل في شهر ذي الحجة، والسؤال: هل يجب عليه أداء الدين أم الحج أولًا؟ وإذا أدى الدين ولم يحج... أيكون عليه إثم لتأخيره الحج؟

  • من شروط وجوب الحج أن يكون الحاج عنده القدرة على توفير الحاجات الضرورية له ولعياله، فيجب أن يوفر عند سفره للحج نفقة أهله، ومن تلزمه نفقتهم مدة غيابه في الحج. ومما يجب عليه أن يؤدي ما عليه من دين سواء أكان لشخص آخر أو كان حقًا لله تعالى، وحق العبد مثل الدين، وحق الله مثل الزكاة أو الكفارات التي وجبت عليه ولم يؤدها، ودين العباد مقدم على دين الله، فيجب على هذا السائل أن يؤخر الحج ويقدم الدين، فيوفي بالدين ولا إثم عليه في تأخير الحج ما دام غير مستطيع بعد أداء الدين.

الإنفاق في هذه الأبواب أولى من حج النافلة وعمرة التطوع

الإجابة للشيخ يوسف القرضاوي

  • يحرص بعض المسلمين على أن يحجوا كل عام، وربما حرصوا -مع ذلك- على أن يعتمروا أيضًا في كل رمضان، مع ما في الحج في هذه السنين من زحام شديد، يسقط معه بعض الناس صرعى من كثافة التزاحم وخاصة عند الطواف والسعي ورمي الجمار، أليس أولى بهؤلاء أن يبذلوا ما ينفقونه في حج النافلة، وعمرة التطوع، في مساعدة الفقراء والمساكين، أو في إعانة المشروعات الخيرية والمؤسسات الإسلامية، التي كثيرًا ما يتوقف نشاطها، لعجز مواردها، وضيق ذات يدها؟ أم تعتبر النفقة في تكرار الحج والعمرة أفضل من الصدقة والإنفاق في سبيل الله ونصرة الإسلام؟

  • ينبغي أن يُعلم أن أداء الفرائض الدينية أول ما يطالب به المكلف، وبخاصة ما كان من أركان الدين، كما أن التطوع بالنوافل، مما يحبه الله تعالى ويقرب إلى رضوانه.

وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري: «ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به....» ولكن ينبغي أن نضع أمام أعيننا القواعد الشرعية التالية:

أولًا: أن الله تعالى لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، وبناءً عليه نرى أن كل من يتطوع بالحج أو العمرة وهو -مع هذا- يبخل بإخراج الزكاة المفروضة عليه كلها أو بعضها، فحجه وعمرته مردودان عليه وأولى من إنفاق المال في الحج والعمرة أن يطهره أولًا بالزكاة.

ومثل ذلك من كان مشغول الذمة بديون العباد من التجار وغيرهم، ممن باع له سلعة بثمن مؤجل فلم يدفعه في أوانه أو أقرضه قرضًا حسنًا، فلم يوفه دينه. فهذا لا يجوز له التنفل بالحج أو العمرة قبل قضاء ديونه.

ثانيًا: أن الله لا يقبل النافلة إذا كانت تؤدي إلى فعل محرم، لأن السلامة من إثم الحرام مقدمة على اكتساب مثوبة النافلة.

فاذا كان يترتب على كثرة الحجاج المتطوعين إيذاء لكثير من المسلمين من شدة الزحام مما يسبب غلبة المشقة، وانتشار الأمراض، وسقوط بعض الناس هلكى حتى تدوسهم أقدام الحجيج وهم لا يشعرون أو يشعرون ولا يستطيعون أن يقدموا أو يؤخروا. كان الواجب هو تقليل الزحام ما وجد إلى ذلك سبيل.

وأولى الخطوات في ذلك أن يمتنع الذين حجوا مرات عدة عن الحج ليفسحوا المجال لغيرهم ممن لم يحج حجة الفريضة. ولا معنى لقول القائل: إن ذلك يؤخذ مني وأنا مضطر. فإنه لو قعد في البيت أو رجع من الطريق لم يؤخذ منه شيء، فهو الذي ساق نفسه إلى حالة الاضطرار. (انظر: الإحياء ج ١ ص ٢٣٦ط الحلبي). (وانظر أيضًا كتابنا «العبادة في الإسلام»، ص ٣٢٤ وما بعدها ط ثانية أو ثالثة). 

والشاهد هنا أن التنفل بالحج إذا كان من ورائه ارتکاب محرم، أو مجرد معاونة عليه، ولو غير مباشرة فهو غير محمود ولا مشروع، وتركه أولى بالمسلم الذي يسعى لإرضاء ربه، وهذا هو الفقه النير.

درء المفاسد..

وأبواب التطوع واسعة

ثالثا: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وخصوصًا إذا كانت المفاسد عامة، والمصالح خاصة.

فإذا كانت مصلحة بعض الأفراد أن يتنفل بالحج مرات ومرات وكان من وراء ذلك مفسدة عامة للألوف ومئات الألوف من الحجيج، مما يلحقهم من الأذى والضرر في أنفسهم وأبدانهم -حتى هؤلاء المتنقلون أيضًا يتأذون من ذلك- كان الواجب منع هذه المفسدة بمنع ما يؤدي إليها وهو كثرة الزحام.

 رابعًا: أن أبواب التطوع بالخيرات واسعة وكثيرة، ولم يضيق الله على عباده فيها، والمؤمن البصير هو الذي يتخير منها ما يراه أليق بحاله وأوفق بزمانه وبيئته. 

فإذا كان في التطوع بالحج أذى أو ضرر يلحق بعض المسلمين، فقد فسح الله للمسلم مجالات أخر يتقرب بها إلى ربه دون أن تؤذي أحدًا.

فهناك الصدقة على ذوي الحاجة والمسكنة، ولا سيما على الأقارب وذوي الأرحام. فقد جاء في الحديث «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة» (رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم عن سلمان بن عامر الصيفي بإسناد صحيح). وقد تكون نفقتهم عليه واجبة، إذا كان من أهل اليسار وهم من أهل الإعسار.

وكذلك على الفقراء من الجيران، لما لهم من حق الجوار بعد حق الإسلام، وقد ترتفع المساعدة المطلوبة لهم إلى درجة الوجوب الذي يأثم من يفرط فيه.

ولهذا جاء في الحديث «ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع». (رواه الطبراني وأبو يعلي عن ابن عبد وراء الحاكم عن عائشة والطبراني والبزار عن أنس مع اختلاف في اللفظ).

 وهناك الإنفاق على الجمعيات الدينية، والمراكز الإسلامية، والمدارس القرآنية، والمؤسسات الاجتماعية والثقافية التي تقوم على أساس الإسلام، ولكنها تتعثر وتتخبط لعدم وجود من يمولها ويعينها على حين تجد المؤسسات التبشيرية مئات الملايين من الدولارات أو الجنيهات أو غيرها من العملات ترصد لها، ولإنجاحها في سبيل التشويش على الإسلام، وتمزيق وحدة المسلمين، ومحاولة إخراج المسلم عن إسلامه، إن لم يكن إدخاله في النصرانية المهم زعزعة إسلامه، وإن بقي بغير دين وإخفاق كثير من المشروعات الإسلامية ليس لقلة مال المسلمين، فمن الأقطار الإسلامية اليوم ما بعد أغنى بلاد العالم، ولا لقلة أهل الخير والبذل فيهم، فلا يزال في المسلمين الخيرون الطيبون ولكن كثيرًا من البذل والإنفاق يوضع في غير موضعه بغير دين.

ولو أن مئات الألوف الذين يتطوعون سنويًّا بالحج والعمرة، رصدوا ما ينفقون في حجهم وعمرتهم لإقامة مشروعات إسلامية، أو لإعانة الموجود منها، ونظم ذلك تنظيمًا حسنًا، لعاد ذلك على المسلمين عامة بالخير وصلاح الحال والمال وأمكن للعاملين المخلصين للدعوة إلى الإسلام أن يجدوا بعض العون للصمود في وجه التيارات التبشيرية، والشيوعية، والعلمانية، وغيرها من التيارات العميلة للغرب أو الشرق التي تختلف فيما بينها، وتتفق على مقاومة الاتجاه الإسلامي الصحيح، وعرقلة تقدمه، وتمزيق الأمة الإسلامية بكل سبيل. 

هذا ما أنصح به الإخوة المتدينين المخلصين الحريصين على تكرار شعيرتي الحج والعمرة أن يكتفوا بما سبق لهم من ذلك، وإن كان ولا بد من التكرار، فليكن كل خمس سنوات، وبذلك يستفيدون فائدتين كبيرتين لهم أجرهما:

الأولى: توجيه الأموال الموفرة من ذلك لأعمال الخير والدعوة إلى الإسلام، ومعاونة المسلمين في كل مكان من عالمنا الإسلامي، أو خارجه حيث الأقليات المسحوقة.

الثانية: توسيع مكان لغيرهم من المسلمين الوافدين من أقطار الأرض، ممن لم يحج حجة الإسلام المفروضة عليه. فهذا أولى بالتوسعة والتيسير منهم بلا ريب. وترك التطوع بالحج بنية التوسعة لهؤلاء، وتخفيف الزحام عن الحجاج بصفة عامة لا يشك عالم بالدين أنه قربة إلى الله تعالى لها مثوبتها وأجرها وإنما لكل امرئ ما نوى، هنا يذكر أن جنس أعمال الجهاد أفضل من جنس أعمال الحج، وهذا ثابت بنص القرآن يقول تعالى: ﴿۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (التوبة: ١٩-٢٠).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

165

الأربعاء 01-أغسطس-2018

حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

نشر في العدد 2122

146

الأربعاء 01-أغسطس-2018

الحج.. وهموم الأمة

نشر في العدد 2181

177

السبت 01-يوليو-2023

الحـج.. ووحـدة الأمــــة