; فتاوي المجتمع (العدد 1403) | مجلة المجتمع

العنوان فتاوي المجتمع (العدد 1403)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 76

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 06-يونيو-2000

زوجتي.. وزكاة مالي!

رجل زكاة ماله كثيرة، ويريد أن يعطي زوجته بعضًا من هذه الزكاة لتنفقها على نفسها، وتعطي منها أهلها، فهل يجوز له ذلك؟

 - لا يجوز أن يدفع الزوج زكاة ماله إلى زوجته، لأن القاعدة في دفع الزكاة أنها لا تدفع لمن تجب نفقته على المزكي، فالزوجة تجب نفقتها على زوجها، وما تنتفع هي به، ينتفع به الزوج، فإعطاؤها الزكاة كأن الزوج دفع عن نفسه، لأنه يسقط عن نفسه نفقتها.

لكن لو كان دفعه الزكاة لها لتدفعها إلى أهلها وكانوا مستحقين فيجوز، كما يجوز أن يعطي الزوج زوجته زكاته لتسد بها دينًا لزمها، لأن إعطائها حينئذ لا بوصف الفقر، وإنما بوصف الغرم، فالممنوع أن يعطيها بوصف الفقر، والمسكنة.

سب الدين من الكبائر

ما حكم من يلعن الدين أو الله تعالى في حال الغضب أو الخطأ أو زلة اللسان؟ وهل يعتبر خارجًاعن الإسلام؟ وهل تصبح زوجته طالقًا في هذه الحالة حتى لو لم يلفظ كلمة الطلاق؟

- اللعن أبلغ من السب، فيأخذ حكم السب من باب أولى، واللعن منهي عنه، وهو من الكبائر لقوله ﷺ: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه»، قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه «(البخاري ١٠/ ٤٠٣، ومسلم ١/ ٩٢).

ومن سب الله تعالى عالمًا باللفظ قاصدًا له فقد كفر والعياذ بالله فإن كان مسلمًا فهو مرتد، ولو كان مازحًا أو مستهزئًا، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٦٥- ٦٦).

ويجب على قائل هذا اللفظ أن يتوب إلى الله، وتقبل توبته في الدنيا فلا يقام عليه الحد بل يؤدب، وأمره إلى الله في الآخرة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء عدا الشافعية.

فإن كان من قال تلك الكلمة مخطئًا في اللفظ أو كانت زلة لسان لا يقصد اللفظ ولا معناه، وإنما سبق لسانه إلى ذلك، فلا يُعد ذلك، ردة لأنه مما رفع القلم عنه.

وأما سب أو لعن الدين فهو من الكبائر أيضًا، فإن قصد سب ولعن شرائع وأحكام الإسلام فيما شرعه مما هو مقطوع به كحكم القصاص والحدود وحرمة الربا، ونحو ذلك فهو كافر، فإن كان مسلمًا فهو مرتد، وحكمه ما سبق فيمن سب الله عز وجل.

أما بالنسبة لزوجة المرتد، فإن الفقهاء مختلفون هل تبين منه فينفسخ العقد حالًا وهو قول الحنفية، أو هو طلقة بائنة، فإن رجع إلى الإسلام ترجع إليه بعقد جديد، وهو مذهب المالكية، أو هو فرقة فإن انقضت العدة قبل أن يرجع إلى الإسلام بانت منه زوجته بطريق فسخ عقد النكاح لا بالطلاق، وإن رجع إلى الإسلام بتوبته قبل أن تنقضي العدة فهي زوجته، وهو قول الشافعية وقول عند الحنابلة، ولعل هذا هو الأرجح.

صارحوه.. ولا تغشوه

امرأة ذهبت مع ابنتها -قبل أن يتم عقد الزواج- إلى طبيب مختص لرتق غشاء البكارة، علمًا بأن هذا الغشاء قد تمزق بسبب ممارسة البنت رياضة عنيفة، ولأن الزوج إذا اكتشف أن الفتاة ليست بكرًا، فربما يطلقها ويشك في سلوكها قبل الزواج.. فهل هذا العمل جائز شرعًا؟

- ينبغي أن تأخذ الأم هذا الموضوع بشيء من الحذر والتروي، فإنه وإن كان قصدها تحقيق منفعة ذاتية لابنتها، إلا أن القواعد الفقهية تأبى هذا العمل، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والضرر لا يزال بالضرر، فالمصلحة التي ستحققها الفتاة لنفسها توقع الطرف الثاني بالغش فيظنها كما يراها، وهي على خلاف ذلك، وهذا الفعل، وإن تم بحسن نية ولم يكن القصد منه بيان أنها بكر وهي ثيب، بل هي بكر حقيقة، لكن فتح هذا الباب يجعل أصحاب المقاصد السيئة الذين يخفون حقيقة قد تكون هي الزنا -والعياذ بالله- في منأى من التأثيم، والعقوبة.

وفي الحقيقة فإن المصلحة المعتبرة التي تريد أن تصل إليها الفتاة يمكن الوصول إليها بطرق أخرى كمصارحة الخاطب أو الزوج، وإن احتاج الأمر إلى الحلف بأن غياب غشاء البكارة كان بأثر حركة رياضية عنيفة، ويصلح هنا أن يكون لدى الفتاة وأمها تقرير موثق من طبيبة تبين فيه أن هذا الأمر إنما هو نتيجة الرياضة بدنية عنيفة..

وعلى كل حال ينبغي أن يكون واضحًا أن تمزق غشاء البكارة ليس دليلًا على عدم العفة، ولا وجوده دليل لازم على العفة، ولكن وجوده دليل على عدم الزنا في الظاهر لأنه لا يتم إلا بتمزقه لكن لا يمنع من أن تكون الفتاة لعوبًا منحرفة.

ولا شك في أن شهادة الطبيبة، أو بيان الأمر للزوج قبل الزواج أسلم مما لو عرف الزوج بعد ذلك، أو صرح له به بعد ذلك، فإن تصديقه قد لا يكون تامًا، ولدخوله الشك من عدم إخباره قبل ذلك.

www.islam –online .net الإجابة للشيخ يوسف القرضاوي من موقع:

نبقي شعلة الشوق مشتعلة إلى الصلاة في المسجد الأقصى

هل يجوز للمسلم السفر لزيارة القدس والمسجد الأقصى في الوقت الراهن؟

- يفرض الإسلام على المسلمين أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، لاسترداد أرضهم المغصوبة، ولا يقبل منهم أن يفرطوا في أي شبر أرض من دار الإسلام، يسلبها منهم كافر معتد أثيم، وهذا أمر معلوم من الإسلام للخاصة والعامة، وهو مجمع عليه إجماعًا قطعيًا من جميع علماء الأمة، ومذاهبها كافة، لا يختلف في ذلك اثنان، ولا ينتطح فيها عنوان كما يقال.

وهذا الحكم في أي جزء من دار الإسلام، أيًا كان موقعه، من بلاد العرب أو العجم، فكيف إذا كان هذا الجزء هو أرض الإسراء والمعراج، ومربط البراق، ودار المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله أولى القبلتين في الإسلام، وثالث المساجد العظيمة التي لا تشد الرحال إلا إليها؟!

وهذا يؤكد وجوب الجهاد والقتال في سبيل الله، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

وإذا قصر المسلمون في الجهاد للذود عن أوطانهم، والدفاع عن حماهم، واسترداد ما اغتصب من ديارهم، أو عجزوا عن ذلك لسبب أو لآخر، فإن دينهم يفرض عليهم مقاطعة عدوهم مقاطعة اقتصادية واجتماعية وثقافية لأسباب عدة:

أولها: أن هذا هو السلاح المتاح لهم والقدر الممكن من الجهاد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا استطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠)، فلم يأمرنا الله إلا بإعداد المستطاع، ولم يكلفنا ما لا طاقة لنا به، فإذا سقط عنا نوع من الجهاد لا نقدر عليه، لم يسقط عنا أبدًا ما نقدر عليه، وفي الحديث الصحيح: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» «متفق عليه».

ثانيها: أن تعاملنا مع الأعداء -شراء منهم وبيعًا لهم، وسفرًا إلى ديارهم- يشد من أزرهم، ويقوي دعائم اقتصادهم، ويمنحهم قدرة على استمرار العدوان علينا بما يربحون من ورائنا، وما يجنونه من مكاسب مادية، وأخرى معنوية لا تقدر بمال، فهذا لون من التعاون معهم، وهو تعاون محرم يقينًا، لأنه تعاون على الإثم، والعدوان، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢).

ثالثها: أن التعامل الأعداء المغتصبين -استقبالًا لهم في ديارنا، وسفرًا إليهم في ديارهم- بكسر الحاجز النفسي بيننا وبينهم، ويعمل -بمضي الزمن- على ردم الفجوة التي حفرها الاغتصاب، والعدوان، التي من شأنها أن تبقي جذوة الجهاد مشتعلة في نفوس الأمة، حتى تظل الأمة توالي من والاها، وتعادي من عاداها، ولا تتولى عدو الله وعدوها المحارب لها، المعتدي عليها، وقد قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (الممتحنة: ١)، وهذا ما يعبرون عنه بـ«التطبيع» أي جعل العلاقات بيننا وبينهم «طبيعية» وسمنا على عسل، كأن لم يقع اغتصاب ولا عدوان! وهم لا يكتفون اليوم بالتطبيع الاقتصادي، إنهم يسعون إلى التطبيع الاجتماعي، والثقافي، وهو أشد خطرًا.

ورابعها: أن اختلاط هؤلاء الناس بنا، واختلاطنا بهم، بغير قيد ولا شرط، يحمل معه أضرارًا خطيرة بناء وتهديدًا لمجتمعاتنا العربية والإسلامية، بنشر الفساد والرذيلة والإباحية التي ربوا عليها، واتقنوا صناعتها، وإدارة فنونها، وما وراءها من أمراض قاتلة فتاكة، مثل «الإيدز» وغيره.. وهم قوم يخططون لهذه الأمور تخطيطًا ماكرًا، ويحددون أهدافهم، ويرسمون خططهم لتحقيقها بخبث وذكاء، ونحن في غفلة لاهون، وفي غمرة ساهون.. لهذا كان سد الذرائع إلى هذا الفساد المتوقع فريضة وضرورة: فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع.

في ضوء هذه الاعتبارات نرى أن السفر أو السياحة إلى دولة العدو الصهيوني -لغير أبناء فلسطين- حرام شرعًا، ولو كان ذلك بقصد ما يسمونه «السياحة الدينية» أو زيارة المسجد الأقصى، فما كلف الله المسلم أن يزور هذا المسجد، وهو أسير تحت نير دولة يهود، وفي حراسة حراب بني صهيون، بل الذي كلف المسلمون به هو تحريره، وإنقاذه من أيديهم، وإعادته وما حوله إلى الحظيرة الإسلامية، وخصوصًا أنه يتعرض لحفريات مستمرة من حوله، ومن تحته لا ندري عواقبها، إنما يدري بها اليهود الذي ينوون أن يقيموا هيكلهم على إنقاضه قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠).

إننا جميعًا نحن إلى المسجد الأقصى، ونشتاق إلى شد الرحال إلى رحابه المباركة، فإن الصلاة بخمسمائة صلاة في المساجد العادية، ولكننا نبقي شعلة الشوق متقدة حتى تصلي فيه، إن شاء الله بعد تحريره وما حوله، وإعادته إلى أهله الطبيعيين وهم أمة العرب والإسلام.

ويستطيع المسلم الذي يريد أن يكسب أجر مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى، أن يشد رحاله إلى المسجد النبوي الشريف، فإن الصلاة فيه بألف صلاة في المساجد العادية، أي أن أجرها ضعف أجر الصلاة في المسجد الأقصى، بل يستطيع أن يشد رحاله إلى المسجد الحرام الذي هو أفضل بيوت الله على الإطلاق، وأول بيت وضع في الأرض لعبادة الله تعالى، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد النبوي، والمسجد الأقصى.

ومعنى هذا أن الصلاة في المسجد الحرام بمكة المكرمة تعدل مائتي صلاة في المسجد الأقصى، فمن اشتاق إلى المسجد الأقصى اليوم فليطفئ حرارة شوقه بالسفر إلى المسجد النبوي بالمدينة، أو المسجد الحرام بمكة، حتى يمكن الله الأمة من إعادة الحق إلى نصابه، ورد الأمانات إلى أهلها: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: ٤- ٥).

أما دعوى أن السلام قد حل محل الصراع بيننا وبين بني صهيون، فهي دعوى لا تقوم على ساقين، والقدس لم ترد الينا، بل لا يزال قادة الكيان الصهيوني يعلنون أن القدس في العاصمة الأبدية لدولتهم، ولا يزالون يزرعون المستوطنات من حولها، ويغيرون من معالمها، ولا يزال المسجد الأقصى تحت رحمتهم، ولا يزال اللاجئون الفلسطينيون مشردين في الأرض.. ولا يزال السلام المزعوم كله في مهب الريح، ولا يزال... ولا يزال!.

هذا لو قبلنا مبدأ السلام مع مغتصبي الأرض، فكيف وهو مرفوض شرعًا: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ (الأنفال: ٤٢). 

هذا ما أقوله للأمة في هذه الآونة الخطيرة التي يراد أن يغيب عنها وعيها بقضاياها، وأن تحقن بمخدرات من الأفكار تفقدها القدرة على الحركة، بل على التمييز بين الصواب والخطأ، لكن الأخطر من هذا كله أن يُجر بعض من ينتسبون إلى الدين -ممن فقدوا العلم الواسع أو التقى الرادع- ليفرخوا فتاوى تجيز للأمة أن تضع أيديها مختارة في أيدي قاتليها، ومغتصبي ديارها، مؤثرين المصالح الآنية الجزئية المحدودة المظنونة على المصالح الكبرى الأساسية الكلية الدائمة والقطعية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين.

الرابط المختصر :