; فتاوى المجتمع (1381) | مجلة المجتمع

العنوان فتاوى المجتمع (1381)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1999

مشاهدات 77

نشر في العدد 1381

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 21-ديسمبر-1999

صيام المغمى عليه:

  ما حكم الشخص إذا نوى الصيام من الليل، وأمسك ثم طرأ عليه في أثناء النهار إغماء لأي سبب كان، ولم يفق من الإغماء إلا بعد الإفطار، ولم يأكل شيئًا في هذه المدة، فهل يعتبر صائمًا اليوم؟ 

   جمهور الفقهاء -فيما عدا الحنفية- ذهبوا إلى بطلان صومه؛ لقوله -تعالى- في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي» (مسلم 2/807) فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه، لكن لو أفاق من الغيبوبة أو الإغماء في أثناء النهار فيصح صومه على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.

الأكل مع الشك في طلوع الفجر:

  رجل أكل وهو يشك في طلوع الفجر، لا يدري هل طلع الفجر أم لا، فأكل ثم نوى الصيام، فما حكم صومه؟

 إذا أكل وهو شاك في طلوع الفجر ولم يترجح لديه طلوعه فصومه صحيح، ولا قضاء عليه عند جمهور الفقهاء، فيما عدا المالكية؛ لأن فساد الصوم محل شك، والأصل هو استصحاب الليل حتى يثبت طلوع الفجر، وطلوع الفجر مشكوك فيه وبقاء الليل هو الأصل.

الإسراف في الطعام خلال رمضان:

  في شهر رمضان يكثر الناس من أنواع الطعام، ويكون مصير غالبية هذا الطعام إلى القمامة، فهل يعتبر ذلك من الإسراف؟ وما الحكم الشرعي في هذا العمل؟

     الأصل في رمضان أن يكون شهر التخفيف من فائض الطعام والشراب، والتقشف الذي يشعر بمن حاله الجوع أغلب العام أو بعضه، وهذا من حكم هذا الشهر الكريم، لكن الأعراف المتبعة في سائر البلاد الإسلامية جعلت من هذا الشهر موسم التفنن في أنواع الطعام ولذيذ الشراب؛ حتى بلغ الناس في ذلك مبلغ السرف المذموم أو المكروه أو المحرم؛ إذ الشراب والطعام بقدر ما يندفع به الهلاك واجب، فإن كان بقدر الشبع المعتدل فهو مباح، وما زاد على الشبع فمكروه، وإن زاد في طعامه وشرابه بحيث أدخل الضرر على نفسه، أو عاقه ذلك عن أداء عباداته، أو تسبب في إضاعة ماله، أو منع عياله نفقتهم فهو محرم، ودليل ذلك قوله تعالى:﴿ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْ﴾ (سورة الأَعۡرَاف: 31)، فالأمر بالأكل والشرب مطلوب ليقيم الإنسان حياته، والإسراف محرم إذا أدى إلى خلاف للمقصود من الأكل والشرب مما سبق ذكره، وقال النبي ﷺ: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن أدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلت لنفسه»( الترمذي 7/51).

     وليتذكر المسلم في رمضان -خاصة- حاجة إخوانه المسلمين إلى ما يلقيه في صناديق الزبالة من طيب الطعام، مما لو وصل إلى المحتاجين إليه لأقام حياتهم أو دفع عنهم عائلة الجوع والهلاك، ولو اقتصد المسلم في مأكله ومشربه لاستطاع أن يرسل قيمة ما قد يزيد على حاجته إلى المستحقين له من الفقراء والمساكين، والمنكوبين وما أكثرهم.

من أفطر دون عذر:

  ما حكم الشخص الذي أفطر يومًا من رمضان بدون سبب وليس مريضًا، وماذا يترتب على هذا الفطر؟

   من أفطر مختارًا دون سبب تجب عليه الكفارة عند الحنفية والمالكية، واستدلوا بما ورد من حديث أبي هريرة قال: بينما نحو جلوس عند النبي ﷺ إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال مالك؟ قال وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ فبقينا نحن على ذلك، فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمرة، والعرق: هو المكتل أو القفة، قال أين السائل؟ فقال أنا قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي؟ فضحك النبي ﷺ له حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (البخاري 4/163 ومسلم 2/781).

 وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم وجوب الكفارة؛ لأن الحديث السابق ورد في الجماع وما عداه ليس في معناه، ولعدم وجود نص في وجوب الكفارة، ولا يصح قياس الأكل على الجماع للفارق بينهما، ولعل أدلة الشافعية والحنابلة أقوى من غيرهم.

قضاء الفرض مقدم على النفل:

 امرأة عليها أيام من رمضان، فهل يجوز لها أن تصوم الأيام الست من شوال قبل قضاء ما عليها؟

     المختار من أقوال الفقهاء في هذه المسألة هو كراهة أن تصوم تطوعًا وعليها قضاء فرض؛ لأن الفرض والواجب لا يجوز تأخيره وتقديم النفل والتطوع عليه، وهذا مذهب المالكية والشافعية، وذهب الحنفية إلى جواز ذلك من غير كراهة، وقال الحنابلة بحرمة التطوع قبل قضاء ما عليه من أيام.

نية الإقامة تقطع حكم السفر: إذا وصل المسافر في رمضان إلى البلاد التي يقصدها وهو مفطر، فهل يصوم بمجرد وصوله إليها، أو يستمر على فطره باعتباره مسافرًا؟

      هذا يعتمد على عدد الأيام التي يعزم المسافر إقامتها في البلاد التي وصلها، وهذه المدة اختلف الفقهاء في تقديرها فيشترط عند المالكية والشافعية لكي يفطر ألا يعزم الإقامة مدة أربعة أيام بلياليها، وعند الحنابلة يشترط ألا يعزم الإقامة أكثر من أربعة أيام، ونصف شهر أو خمسة عشر يومًا عند الحنفية، فإذا عزم في نيته الإقامة للمدد المذكورة فإنه يصوم مع أهل تلك البلاد، وإذا نوى المسافر الإقامة في تلك البلاد، ولم يحدد عدد الأيام التي سيقيم فيها، فإن الواجب عليه أن يصوم وحكمه حكم المقيم، كذلك في الصلاة؛ لأن نية الإقامة قطع أحكام وصفة السفر، وهناك حالة أخيرة هي أن يقيم في تلك البلاد لقضاء مهمة أو حاجة يقصدها، وليست نية الإقامة، ولا يعلم متى تنتهي تلك الحاجة والأيام التي تحتاجها، فلربما تنتهي بيوم أو يومين أو أكثر، ففي هذه الحال يجوز له الفطر إلى أن تنقضي حاجته، ولكن قد يترجح لديه من خبرة سابقة، أو كثرة أسفاره أن مهمته تنقضي بعد أربعة أيام أو بعد خمسة عشر يومًا، فإنه يعتبر مقيمًا، يصوم على رأي الجمهور في الأول، أو على رأي الحنفية في الثاني.

رؤيتا صاحبي يوسف حقيقية:

    قال -تعالى- في سورة يوسف: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (سورة يوسف: 39).

     هل كانت رؤيا الفتيين «الساقي والخباز»، رؤيا حقيقية في المنام، أم كذبة كي يختبرا يوسف -عليه السلام-؟ وهل هي قضية اختلاف في الآراء؟ وإذا كان هناك اختلاف ما الأدلة والمراجع؟ إذ إن الشيخ ذكر في تفسيره أنه تخيل وأكذوبة لاختبار يوسف عليه السلام، وما مدى صحة ذلك؟

اختلف المفسرون في حقيقة قول الفتيين: هل رأيا شيئًا، أم سألاه كذبًا من غير رؤيا ليجرباه؟

    قال ابن عباس ومجاهد -رضي الله عنهما- كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها، ولذلك صدق تأويلها، وفي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا»، وقيل: كانت رؤيا كذب، سألاه عنها تجريبًا له، وهذا قول ابن مسعود- رضي الله عنه، والسدي. وقيل: إن المصلوب منهما كان كاذبًا، والآخر صادقًا. 

     روى الترمذي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ قال: «من تحلم كاذبًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين، ولن يعقد بينهما» وقال هذا حديث حسن صحيح، والصحيح أنها رؤية حقيقية، قال ابن عباس: لما رأيا رؤياهما أصبحا مكروبين، فقال لهما يوسف: ما لي أراكما مكروبين؟ قال يا سيدنا إنا رأينا ما كرهنا، قال فقصا عليَّ، فقصا عليه، قالا نبئنا بتأويل ما رأينا، قال القرطبي وهذا يدل على أنها كانت رؤيا منام (القرطبي 9/19)، ولفظ القرآن الكريم «نبئنا بتأويله» صريح في أنها رؤيا منام، ولو كانت كذبًا لبين القرآن ذلك، فالصحيح أنها رؤيا منام وليست ادعاء وكذبًا.

عدة «المختلعة»:

ما مدة العدة في الخلع، وهل هي عدة خاصة، أم عدة مثل عدة المطلقة؟

     عدة المرأة المختلعة هي عدة المرأة المطلقة من حيث المدة، والأحكام لقوله -تعالی-: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖ﴾ (سورة البقرة: 228) والطلاق والخلع فرقة بين الزوجين في حال الحياة وبعد الدخول، فحكمهما واحد.

الفدية من تركة المتوفاة لصومها: امرأة كبيرة وجبت عليها الفدية لعدم قدرتها على الصوم، وتوفيت في رمضان، فهل يلزم أبناءها إخراج الفدية؟ وإذا لزمهم ذلك فهل يخرجونها من تركتها، أم من أموالهم الخاصة؟

     الواجب في هذه الحال إخراج الفدية من تركة الأم المتوفاة عن كل يوم من طعام،

أو ما يكفي لإطعام مسكين عن كل يوم، ويقدر بدينار كويتي واحد عن كل يوم فطر.

تبديل السيئات حسنات:

يقول الله -تعالى- عن الناس الذين ارتكبوا المحرمات ثم تابوا: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ (سورة الفرقان: 70)، فهل معنى هذا أن ما عملوه من سيئات سيتحول إلى حسنات؟ في تفسير هذه الآية قولان: أحدهما أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات، قال ابن عباس: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن السيئات، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات، وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، أبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم الله بالكفر الإسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالإنكار المعرفة، وبالجهالة العلم، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات، وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وبالفجور إحصانًا، وبالكفر إسلامًا، وقال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة، وقال ابن عطية: معناه يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة، فيكون ذلك سببًا لرحمة الله إياهم، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو زيد والحسن البصري كما سبق. 

     والقول الثاني: إن تلك السيئات الماضية تنقلب بالتوبة النصوح حسنات، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف -رضي الله عنهم- فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولًا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نحوا عنها كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال فيقال له: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول يا رب عملت أشياء لا أراها ها هنا، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. (أخرجه مسلم في صحيحه).

 وعن أبي هريرة قال: «ليأتين الله -عز وجل- بالناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات» (فتح البيان 6/478) وتفسير ابن عطية المحرر (11/77) ومختصر تفسير ابن كثير للصابوني (2/64).

الرابط المختصر :