العنوان فتاوى المجتمع (العدد 1865)
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر السبت 15-أغسطس-2009
مشاهدات 76
نشر في العدد 1865
نشر في الصفحة 48
السبت 15-أغسطس-2009
البرنامج العملي في رمضان
يعد شهر رمضان فرصة غالية في حياة المسلمين، وكما يقول
الشيخ ابن باز- رحمه الله -: «كان من هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، وكان جبريل
يدارسه القرآن ليلًا، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان
أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، وكان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة
القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف» هذا هدي الرسول ﷺ في هذا الباب وفي هذا الشهر الكريم (ا.هـ).
فرمضان
فرصة للتزود بتقوى الله تعالى وعمل الصالحات والتواصل الاجتماعي بين الناس، وتوطيد
العلاقة بينهم وبين ربهم؛ بارتياد المساجد وغشيان دروس العلم وحلق الذكر، والمكث
في المساجد، والابتعاد عما حرم الله تعالى.
استعداد
للشهر
والاستعداد
لشهر رمضان لا يبدأ مع رمضان، وإنما يكون قبله، ولهذا جاء في الأثر أن يدعو المسلم
أن يبلغه الله تعالى رمضان، كما جاء في الأثر: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان،
وبلغنا رمضان»، ومعنى هذا أن الاستعداد له يكون من بدء رجب على الأقل، بل ورد أن
الصحابة كانوا يستعدون لرمضان قبله بستة أشهر، ويتزودون منه للسنة التي بعده.
كما
يُسن إن رأى المسلم هلال رمضان دعا قائلًا: «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان
والسلامة والإسلام».
همة
عالية
ويحتاج
المسلم إلى الهمة العالية التي تدفعه إلى الإفادة من رمضان وما فيه من خير عميم،
وثواب جزيل، يقول الإمام النخعي يرحمه الله يصف يومًا من رمضان: «صوم يوم من رمضان
أفضل من ألف يوم، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة» «لطائف
المعارف».
وللصيام
فوائد اجتماعية منها كما يرى الشيخ ابن العثيمين- يرحمه الله: شعور الناس بأنهم
أمة واحدة يأكلون في وقت واحد، ويصومون في وقت واحد، ويشعر الغني بنعمة الله ويعطف
الفقير، ويقلل من مزالق الشيطان لابن آدم، وفيه تقوى الله، وتقوى الله تقوي
الأواصر بين أفراد المجتمع.
وينبغي
للصائم أن يكثر من الطاعات، ويجتنب جميع المنهيات، ويجب عليه المحافظة على
الواجبات والبعد عن المحرمات، فيصلي الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة، ويترك
الكذب والغيبة والغش والمعاملات الربوية، وكل قول أو فعل محرم، قال النبي ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه
وشرابه».
صحبة
القرآن
ولا بد
أن يكون للمسلم شأن وصحبة مع کتاب الله تعالى خاصة في شهر القرآن، كما يقول الشيخ
محمد صالح المنجد من علماء المملكة العربية السعودية:
ويستحب
للمسلم أن يكثر من قراءة القرآن في رمضان ويحرص على ختمه، لكن لا يجب ذلك عليه،
بمعنى أنه إن لم يختم القرآن فلا يأثم، لكنه فوت على نفسه أجورا كثيرة.
ومن
الاستعداد لرمضان الحرص على صلاة التراويح في المسجد، لقوله ﷺ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
اختيار
مسجد
ولا
بأس بأن يتخير بعض الناس مسجدًا معينًا للصلاة فيه، يقول الشيخ ابن عثيمين- يرحمه
الله: فمن المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرتادون المسجد النبوي ليصلوا
خلف النبي ﷺ، بل
كان معاذ رضي الله عنه يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم، مع تأخر الزمن.
وارتياد
الإنسان المسجد من أجل حسن القراءة، واستعانته بحسن قراءة إمامه على القيام لا بأس
به، اللهم إلا إذا خشي من ذلك فتنة، أو خشي من ذلك إهانة للإمام الذي حوله، مثل أن
يكون هذا الرجل من كبراء القوم، وانصرافه عن مسجده إلى مسجد آخر يكون فيه شيء من
القدح في الإمام، فهنا قد نقول: إنه ينبغي أن يراعي هذه المفسدة فيتجنبها.
برنامج
عملي
ومن
المستحسن أن يكون للمسلم ورد من الطاعة يحرص عليه في رمضان، ومن ذلك:
١ـ صلاة
التهجد ولو ركعتين قبل الفجر.
2ـ استصحاب
نية العبادة في التسحر قبيل الفجر مع تأخير السحور؛ اتباعا للسنة.
٣ـ الدعاء
والاستغفار حتى أذان الفجر.
٤ـ الذهاب
إلى المسجد مبكرًا، وصلاة تحية المسجد، وترديد الأذان مع المؤذن، وصلاة سنة الفجر،
والحرص على الصف الأول.
٥ـ الانشغال
بالدعاء أو الذكر أو قراءة القرآن حتى إقامة الصلاة.
٦ـ الجلوس
في المسجد للذكر والتلاوة حتى طلوع الشمس، وصلاة ركعتين بعد طلوعها بمقدار ثلث أو
نصف ساعة.
٧ـ النوم
قبل الذهاب للعمل مع استصحاب النية، ثم الذهاب إلى العمل مع استصحاب نية الصيام
طوال اليوم والمحافظة على الصلاة، وكثرة الذكر في أوقات الفراغ.
٨ـ طلب
العلم وحضور دروسه في المسجد مع المحافظة على الصلاة في جماعة.
٩ـ الأذكار
قبل المغرب وكثرة الدعاء.
١٠ـ تعجيل
الإفطار بتمرات ونحوها ثم صلاة المغرب ثم الإفطار، والاستعداد لصلاة التراويح
بالمسجد.
١١ـ صلة
الرحم والزيارات بعد صلاة التراويح، والقيام ببعض الأنشطة الاجتماعية والخدمية.
من
فتاوى العلماء
صيام
المرضع والحامل
سئل
الشيخ د. يوسف القرضاوي: هل يصح للمرأة الحامل أن تفطر في رمضان إذا خافت على
جنينها أن يموت؟
فأفتى:
نعم.. لها أن تفطر.. بل إذا تأكد هذا الخوف أو قرره لها طبيب مسلم ثقة في طبه
ودينه، يجب عليها أن تفطر حتى لا يموت الطفل، وقد قال تعالى: ﴿...وَلَا تَقْتُلُوا
أَوْلَادَكُم ﴾ (الأنعام: ١٥١)، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ (الإسراء: ۳۱)،
وهذه نفس محترمة، لا يجوز لرجل ولا لامرأة أن يفرط فيها ويؤدي بها إلى الموت،
والله تعالى لم يعنت عباده أبدًا، وقد جاء عن ابن عباس أيضًا أن الحامل والمرضع
ممن جاء فيهم ﴿...وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ﴾ (البقرة
: ١٨٤).
وإذا
كانت الحامل والمرضع تخافان على أنفسهما فأكثر العلماء على أن لهما الفطر وعليهما
القضاء فحسب.. وهما في هذه الحالة بمنزلة المريض.
أما
إذا خافت الحامل أو خافت المرضع على الجنين أو على الولد، فقد اختلف العلماء بعد
أن أجازوا لها الفطر بالإجماع، هل عليها القضاء أم عليها الإطعام تطعم عن كل يوم
مسكينًا، أم عليها القضاء والإطعام معًا؟ اختلفوا في ذلك، فابن عمر وابن عباس
يجيزان لها الإطعام وأكثر العلماء أن عليها القضاء، والبعض جعل عليها القضاء
والإطعام، وقد يبدو لي أن الإطعام وحده جائز دون القضاء، بالنسبة لامرأة يتوالى
عليها الحمل والإرضاع، بحيث لا تجد فرصة للقضاء، فهي في سنة حامل، وفي سنة مرضع،
وفي السنة التي بعدها حامل.. وهكذا.. يتوالى عليها الحمل والإرضاع بحيث لا تجد
الفرصة للقضاء، فإذا كلفناها قضاء كل الأيام التي أفطرتها للحمل أو للإرضاع معناها
أنه يجب عليها أن تصوم عدة سنوات متصلة بعد ذلك، وفي هذا عسر، والله لا يريد
بعباده العسر- والله أعلم.
من قرارات
المجامع والمؤسسات: المجمع الفقهي الإسلامي
بیان
توحيد الأهلة من عدمه
درس
المجمع الفقهي الإسلامي مسألة اختلاف المطالع في بناء الرؤية عليها، فرأى أن
الإسلام بني على أنه دين يسر وسماحة، تقبله الفطرة السليمة، والعقول المستقيمة،
لموافقته للمصالح، ففي مسألة الأهلة، ذهب إلى إثباتها بالرؤية البصرية لا على
اعتمادها على الحساب، كما تشهد به الأدلة الشرعية القاطعة، كما ذهب إلى اعتبار
اختلاف المطالع، لما في ذلك من التخفيف على المكلفين، مع كونه هو الذي يقتضيه
النظر الصحيح، فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف
لما جاء شرعًا وعقلًا.
أما
شرعًا فقد أورد أئمة
الحديث حديث كريب، وهو «أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال:
فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، فاستهل علي شهر رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة
الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبدالله بن عباس، رضي الله عنهما، ثم
ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟
فقلت: نعم ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا
نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت: أولًا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال:
لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ» (رواه مسلم في صحيحه).
وقد
ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في شرحه على مسلم بقوله: «باب بيان أن لكل بلد
رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم».
ولم
يخرج عن هذا المنهج من أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة« أبو داود والترمذي
والنسائي» في تراجمهم له.
وناط
الإسلام الصوم والإفطار بالرؤية البصرية دون غيرها، لما جاء في حديث ابن عمر، رضي
الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَصُومُوا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تَرَوْهُ، فَإِنْ
عُمَّ عليكم فاقدروا له» (رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما).
فهذا
الحديث علق الحكم بالسبب، الذي هو الرؤية، وقد توجد في بلد كمكة والمدينة، ولا
توجد في بلد آخر، فقد يكون زمانها نهارًا عند آخرين، فكيف يؤمرون بالصيام أو
الإفطار؟
وقد
قرر العلماء من كل المذاهب: أن اختلاف المطالع هو المعتبر عند كثير، فقد روی ابن
عبد البر الإجماع على ألا تراعى الرؤية فيما تباعد من البلدان: كخراسان من
الأندلس، ولكل بلد حكم يخصه، وكثير من كتب أهل المذاهب الأربعة طافحة بذكر اعتبار
اختلاف المطالع، للأدلة القائمة من الشريعة بذلك.
وأما
عقلًا: فاختلاف
المطالع لا اختلاف لأحد من العلماء فيه، لأنه من الأمور المشاهدة، التي يحكم بها
العقل، فقد توافق الشرع والعقل على ذلك، فهما متفقان على بناء كثير من الأحكام على
ذلك التي منها أوقات الصلاة، ومراجعة الواقع تطالعنا بأن اختلاف المطالع من الأمور
الواقعية- وعلى ضوء ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي: أنه لا حاجة إلى الدعوة
إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي؛ لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم، كما
يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد، وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى
دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية؛ لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية
العامة، وأن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها، هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله
وسنة رسوله ﷺ في
جميع شؤونهم. والله ولي التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.