العنوان فتاوى (838)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1987
مشاهدات 94
نشر في العدد 838
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 13-أكتوبر-1987
يجييب عن الأسئلة والاستفسارات في هذا العدد: الدكتور (أحمد الشرباصي) حفظه الله.
الحلف بغير الله
هل يجوز للمسلم أن يحلف بغير الله تعالي، كالأولياء أو ما أشبه ذلك؟
- المفهوم من تعاليم الدين الإسلامي أن المسلم لا يجوز له أن يحلف بغير الله عز وجل، أو صفة من صفاته، لأن الحلف يدل على التعظيم، ومستحق التعظيم هو الله وحده في الحقيقة والواقع، وقد جاء في السنة المطهرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». وكذلك جاء في حديث آخر قوله صلوات الله وسلامه عليه: «من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله» وجاء في حديث ثالث أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا تحلفوا بآبائكم».
ولقد روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما سمع رجلًا يحلف فيقول: لا والكعبة، فقال له ابن عمر: «لا تحلفوا بغير الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك». وهذا وارد مورد التغليظ والتنفير، أو على أساس أنه إذا اعتقد الحالف تعظيم الشيء الذي حلف به كتعظيم الله سبحانه فإنه يكون قد عرض نفسه للكفران والإشراك.
هذا وقد جاء في كتاب «مختصر الفتاوي المصرية» لابن تيمية هذه العبارة: صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت، ومن حلف بغير الله فقد أشرك».. فليس لأحد أن يحلف: لا بسلطان ولا نبي ولا غير ذلك من المخلوقات ولا يحلف إلا باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته، وقد روي: «من حلف بالأمانة لا يدري ما حلف به، أو عنى به مخلوقًا فقد أساء وإن أراد بها صفة من صفات الله، نحو وأمانة الله، أو عصمته جاز ذلك». وهل الحلف بغير الله محرم أو مكروه؟ على قولين، الأول أصح، وكان السلف يُعذِّرون من يحلف بالطلاق، وكل ما سوى الله يدخل فيه مثل الكعبة والكرسي والملائكة والنبيين ونعمة السلطان أو الشيخ وتربة أبيه ونحو ذلك، ولكن في الحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة نزاع، وكثرة الحلف مكروه، ص ٠٥٤٨
ومن هذا نفهم أنه لا يجوز للمسلم أن يحلف بالولي، بل عليه إذا أراد أن يحلف في مواطن الحلف أن يحلف بالله تعالى، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته.
المجالس بالأمانة
طالعت في بعض الكتب هذا الحديث «المجالس بالأمانة» فما معناه؟
- قال ابن الأثير عند ذكره لهذا الحديث ما نصه: «هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس من قول أو فعل، فكان ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه».. وكان يريد أن يقول أن المرء يحسن به، إن لم يجب عليه إذا حضر مجلسًا من المجالس، وسمع فيه كلامًا أو رأى فيه شيئًا، أن يستر ذلك ويطويه، فلا يطلع عليه الناس ولا يفشيه، لأن هذه هي شرعة الوفاء والأمانة، ومن قول الأدباء: إن مجالس الإخوان كبساط الشراب يطوى على ما فيه.
لكن هناك مواقف يجوز لك فيها إن لم يجب أن تتحلل من هذا القيد وأن تذكر ما
جرى بالمجلس لما يترتب على ذكره من إصلاح أو دفع ضرر أو نصرة مظلوم أو حفظ دعاء، وإلى مثل هذه المجالس أشار الحديث الشريف: «المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: مجلس يسفك فيه دم، ومجلس يستحل فيه فرج حرام ومجلس يستحل فيه مال من غير حله. والله تبارك وتعالى أعلم.
طاعة الوالد وطاعة الزوج
اختلف الوالد والزوج في الرأي والمشورة، والزوجة حائرة بينهما، أتطيع أباها أم تطيع زوجها فما هو حكم الله في ذلك الموضوع؟
_ المرأة ما دامت في بيت أبيها فوليها أبوها يأمر فتطيع، ويرشدها فتستجيب، أما حين أصبحت زوجة فقد انتقلت الولاية عليها إلى زوجها، إذ أصبحت فردًا في أسرة جديدة، وزوجها حينئذ أحق بالطاعة ممن سواه كأبيها أو أمها، وأئمة الدين يرون أن الزوجة يجب عليها أن تطيع زوجها في كل ما يأمر به، ما لم يأمر بمحرم، وأن تعصي أبويها إذا أمراها بمخالفة زوجها، وحسبنا في هذا المقام أن نتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها».
فيا أيتها الزوجة الحائرة ما سبب الحيرة؟ الطريق أمامك واضح، فأطيعي زوجك، والله الهادي إلى سواء السبيل. والله تبارك وتعالى أعلم.
المهر في الزواج
هل يعتبر المهر ركنًا أساسيًّا في الزواج؟
وإذا لم يؤدِّ الزوج مهرًا فهل يكون الزواج باطلًا ؟
- المهر هو مقدار المال الذي يقدمه الزوج إلى زوجته مقابل زواجها، وهذا المال يجب في ذمة الرجل لزوجته سواء أسمَّاه واتفق عليه أم لم يسمه ولم يذكره، حتى ولو اشترط عدم دفعه، فإن هذا المهر واجب في ذمة الزوج يلزمه أن يؤديه حالًا أو مستقبلًا.
فإن كان المهر مقدرًا وجب عليه دفع ما قدره ووافق عليه وإن كان غير مسمى فإنه يدفع لها مهر المثل، أي مهر مثلها من قريباتها أو قريناتها ممن هن في مستواها. وهذا المهر قد يسقط، كما في حالة ارتداد الزوجة عن الإسلام، وقد يسقط نصفه إذا طلق الزوج زوجته قبل الدخول عليها.
و يدفع هذا المهر عند الدخول، ويجوز دفعه قبل ذلك، ويجوز دفع بعضه وتأجيل بعضه، وإذا تأخر منه شيء، فإنه يجب دفع هذا المتأخر بحلول أقرب الأجلين: الطلاق أو الموت، ولا تبرأ ذمة الزوج من المهر إلا بأدائه أو بإبراء الزوجة له.
والله تبارك وتعالى يقول في سورة النساء ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة﴾ (النساء: 4) أي ادفعوا إليهن مهورهن فريضة واجبة. والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق، دخل بها أم لم يدخل).
والمهر في الوقت نفسه ليس ركنًا من أركان الزواج، بل هو أثر من آثاره، فلو أن رجلًا عقد على امرأة، دون أن يحدد لها مهرًا، صح الزواج، ووجب على الزوج أن يدفع لها مهر المثل، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (البقرة: 236) فهذا معناه أنه يصح للرجل أن يطلق زوجته قبل الدخول ودون تحديد مهر، والطلاق لا يكون إلا بعد الزواج.
ولكن الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه يقرر أن الزواج لا يصح ولا ينعقد دون مهر.
المسامحة في التوبة
أنا شاب يعذبني ضميري عذابًا أليمًا، أن أوقعني الشيطان في جريمة إغراء، وها أنذا نادم تائب، ولكنهم يقولون لي: لا بد من المسامحة وذلك إن حدث يضاعف الفضيحة ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه فما المخرج؟
مثل هذه الحالة الموجودة في هذا السؤال نرى- والله أعلم- أنه ما دامت قد صحت نية السائل النادم المعذب الحائر على الإقلاع الصادق عن المعصية مع الندم الصحيح على ما فرط منه، والتوبة الكاملة عنه، والعزم العازم على عدم الرجوع إليه، والاستقامة في سبيل الفضيلة والدين، وما دام يوقن بأن طلب المسامحة ممن وقع عليهم السوء سيفضي إلى سوء محقق أو اتساع في الشر، نرى أن يعاهد الله على دوام الاستقامة ومحاسبة النفس، وإن استطاع أن يحصل على مسامحة عامة بتعريض لا يمس الموضع بذاته، في حكمة وإتقان، فليفعل، وعلى كل حال فالدين يسر ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ والله تبارك وتعالى أعلم.
شفاعة الرسول
حين يتجلى غضب الله يوم القيامة، هل يشفع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للأمة كلها؟ وإذا كان لا يشفع للكل فمن هم الذين يحرمون من شفاعته؟
- يقول الله تبارك وتعالى مخاطبًا رسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79) وقال أكثر المفسرين إن «المقام المحمود» هنا هو مقام الشفاعة، لأن أبا هريرة رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما المقام المحمود يا رسول الله؟ فأجابه النبي: «أرجو أن يكون هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي».
وجاء في الحديث الصحيح أن الناس يوم القيامة يسألون الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام الشفاعة، فيتخلصون منها حتى ينتهوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيقول: أنا لها ثم يسجد سجدة، ويلهمه الله ثناء يثني به على ربه، فيقال له: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تُشفع فيقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: (أمتي أمتي) ثم يخرج بهذه الشفاعة من النار من لا يشرك بالله شيئًا، ويقول فريق من العلماء إن الشفاعة تكون لمن يستحقون الثواب أو رفع الدرجات، وليست لأهل الكبائر والذنوب، وفريق آخر يقول: إن الشفاعة ستكون للأمة كلها، بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ادخرت دعوتي، فجعلتها شفاعة لأمتي يوم القيامة». وهذا الفريق يقول: إن الشفاعة تكون لأهل الكبائر والصغائر معًا واستدلوا على هذا بالحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود بسند حسن: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» وفضل الله واسع وتكريمه لنبيه كبير.
ويقول المحققون من العلماء إن الشفاعة لا تزيد أعمال الإنسان بل إن الإنسان يكافأ بعمله ويزيد الله جزاءه بالشفاعة، فهي زيادة في الجزاء، وليست زيادة في العمل.