العنوان فتح مكة ثمرة لجهاد طويل.. الفتح درس في الصبر وعظة بليغة للمسلمين في كل عصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1978
مشاهدات 96
نشر في العدد 410
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 29-أغسطس-1978
إن طريق النصر طريق شاقة وعرة وطويلة، لا يدركها إلا الصابرون، وفتح مكة عاصمة الشرك في الجزيرة العربية ليس إلا نتيجة لصبر طويل وجهاد عنيف ومقارعة قاسية لكل فنون الباطل وأشكاله، لم يصل رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم إلى النصر في مكة وهو قاعد في بيته أو متبتل في مسجد أو صومعة، فعندما أينعت روح الجهاد في النفوس، أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد ورفع راية الحرب في المجتمع الجاهلي، لإحقاق الحق وإبطال الباطل، لم يتقاعس المسلمون لنداء الجهاد ولم يدعوا رسول الله عليه السلام بمفرده يلبي نداء الرب، فالإسلام لا يقوم بيد رجل واحد، وإنما تلقى تبعة قيام الإسلام على أكتاف الجماعة المسلمة المنضوية تحت إمرة قائد واحد، ولقد كان فتح مكة ثمرة يانعة آتت أكلها عندما أصرت الجموع المسلمة على إعلاء كلمة الله. فكان أن مرت بجهاد طويل متحلية بالصبر، متذرعة بالإيمان، متبعة القدوة الحسنة والأمر الإلهي النافذ، وهنا يستطيع الإنسان أن يقدر قيمة الجهاد السابق لفتح مكة، ويعرف سر الحكمة الإلهية التي قادت المسلمين إلى هذا النصر العظيم والفتح الكبير.
لقد دفع المسلمون الصابرون الأوائل ثمن فتح مكة من نفوسهم.. من أموالهم.. من أولادهم وديارهم لقد وضعوا الراحة والأنس والطمأنينة والسكون وكل ما تصبو إليه النفس البشرية ثمنًا لهذا الفتح، وليس هذا يعني أن الفتح جاء بمعركة واحدة فحسب. لا، إن جهادًا طويلًا سبق هذا النصر الوطيد، وامتد من ساعة نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ( سورة المدثر: ١، ٢) ثم ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) ثم الاضطهاد الطويل الذي لقيه المسلمون على أيدي عتاة قريش وطواغيها وفراعنتها، وضيق الحال بهم وهجرتهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة، إن فتح مكة جاء نتيجة لهذا الجهاد المستمر الذي مر بعد ذلك ببدر ومعركتها الكبرى ثم بأحد، ثم بالمعارك المستمرة مع اليهود والمنافقين وما لحق ذلك من غزوات كبرى كغزوة الأحزاب التي صمد فيها المسلمون أمام جيوش الجزيرة العربية الزاحفة إلى تحطيم الإسلام في المدينة المنورة.
إن الدماء المسلمة التي أريقت في هذه السلسلة من الغزوات، وهذا الحيز الزمني المتواصل من الجهاد، لم تذهب هباء منثورًا، ولم ترق في أرض الصحراء، إلا لترسم الخطوات وتفتح الطريق الواسع إلى هذا الفتح العظيم الذي حصل في مكة، وأدى بعد ذلك إلى دخول الجزيرة العربية في الدين الذي ارتضاه خالق البشر للبشر، بل إن أول ثمرة من ثمرات هذا الفتح الأكبر، دخول أهل مكة في دين الله أفواجًا، وهم الذين قادوا الحرب من أولها حتى اليوم الأخير ضد الإسلام ودعوته ودعاته وحملته، لقد أدهشهم صوت بلال بن رباح الحبشي الأسود، ذلك العبد الذي حرره الإسلام، لقد سحرهم صوته.. الله أكبر.. الله أكبر.. ينطلق من أعلى الكعبة -حرسها الله وزادها شرفا- ولقد حرك قلوبهم نداؤه وهو الذي عذبه عتاتهم وفراعنتهم في أيام الدعوة الأولى قبل الهجرة إلى المدينة لقد عذبوه في رمضاء مكة وحرها وقيظها، وسمعوا منه نداءه تحت العذاب.. أحد.. أحد.. وها هو اليوم يسمعون صوته ثانية بنداء جديد أشهد ألا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدًا رسول الله، وتمسح يد الرحمة والعناية قلوبهم باسم الله ويدخلون في دين الله أفواجًا، ويجيء النصر العظيم، وينحني رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغفرًا تائبًا قاتلًا مسارب الخيلاء والكبر، فالنصر نصر الله، والفتح بيد الله، وهذا يستوجب الشكران والاستغفار...
﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجا فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾ (سورة النصر)
هكذا توج جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم مع صحابته، ولم يكن هذا الفتح لقمة سائغة دونما تعب أو نصب كما أشرت بل كان ثمرة مجاهدة عنيفة وهذا شأن كل حركة قامت في الإسلام، وانقضت لترد كيد الباطل وتخمد جذوة الشرك وتحطم الطاغوت والشيطان. إن الشهادة التي أثنى الله على مقامها وجعل أصحابها في صحبة النبيين والصديقين ليست إلا الطريق إلى النصر والفتح وإقامة حكم الله، ودون الدخول بأنفسنا وأموالنا مضحين في سبيل راية الحق لا يأتينا النصر، فالنصر لا ينزل من السماء دونما سعي وجهاد ودونما دماء زكية وشهداء أبرار.
وفي يوم فتح مكة ترجع بنا الذكريات إلى رجال من المسلمين حاربوا وجاهدوا وقتلوا مستشهدين في سبيل الله، ولم يشهدوا الفتح الأعظم، ولم يسمعوا يومها صوت بلال وهو يؤذن ويتعالى فوق ظهر الكعبة بشعار التوحيد. لقد قدموا حياتهم رخيصة في طريق الدعوة وانتشارها ورد طغيان الشرك وعدوانه عليها، لكنهم لم يحضروا يوم النصر وتحطيم الأصنام في مكة، ولم يشاهدوها مكبوبة على وجوهها سواء بالرغام، ولم يروا عبادها الأقدمين وقد ألقوا السلم واتجهوا إلى الإسلام.. إنهم قتلوا أن ماتوا إبان المعركة الطويلة التي نشبت بين الإيمان والكفر، ولكن النصر الذي يجني الأحياء ثماره اليوم لهم فيه نصيب كبير، وجزاؤهم عليه مكفول عند من لا يظلم مثقال ذرة.
لقد قدم شهداء بدر حياتهم لتمهيد الطريق إلى النصر الكبير، وتلاحم شهداء أحد وما بعدها من الغزوات على نفس الطريق التي نحسبها الآن صعبة بل نظنها أحيانًا مستحيلة في هذا العصر، وهذا عين الوهم والخطأ فعلى الرغم من الصعوبة التي قد يجدها المسلمون في طريق الجهاد وتحرير الأمة مما هي فيه من طغيان واستعمار، فإن ذلك لا يعني استحالة السير في الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ولا يعني استحالة تحقيق الهدف الإسلامي في إقامة حكم التنزيل الحكيم في هذه الأرض، فالدعوات بدأت كلها ضعيفة، ثم قويت ونمت واشتد أزرها وكثر مؤازروها، ثم صمموا على النصر إلى الموت فكان لهم الوصول إلى ما يبتغون بإذن الله، وعلى كل فإن الذي يموت في سبيل الله قبل أن يشهد ثمرة جهاده وانتصار أمته، فإن الله كفيل بإبداله في الدار الآخرة المكانة العلية التي تغنيه عن هذه الدنيا، إنه ليس من الضروري أن يشهد كل جندي النتائج الأخيرة للكفاح بين الحق والباطل، فقد يخترمه الأجل في المراحل الأولى منه وقد يصرع في هزيمة عارضة كما وقع لسيد الشهداء حمزة ومن معه في معركة أحد.
إن هدف المسلم هو الآخرة منذ بداية طريقه في الجهاد، والقرآن الكريم ينبه أصحاب الحق إلى أن المعول في الحساب الكامل على الدار الآخرة، لا على الدار الدنيا، فهناك الجزاء الأوفى للمؤمنين والكافرين جميعًا، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ( غافر: 77).
إن النصر في فتح مكة درس طويل عميق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والعمل الإسلامي اليوم لا بد له من الاسترشاد بطريق فتح مكة الجهادي، ولا بد لدعاة الحركة الإسلامية من تمسك بالصبر في التربية والبناء الروحي والتكريس العقدي أولًا، ثم لا بد لهم من الصبر في تحمل كيد الأعداء والإعداد الكافي لمواجهة المجتمع الجاهلي بكل طبقاته وفنونه وقواه وأساليبه، لا بد لهذا الإعداد من تذرع بالصبر النبوي، ولا بد لمقارعة الباطل من صبر قرآني، ولا بد من الصبر في كل حركة وكل خطوة لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدروس البليغة في الصبر، وميز بين الصبر على العدو والاستكانة إليه فتلك تؤدي إلى الذل والائتمار والاستحكام بحكم الجاهلية ومبادئها الكافرة..
وشتان بين صبر رسول الله وصحابته على الجهاد، واستكانة بعض القادة المسلمين إلى عدوهم الغادر، وشتان بين السلام الذي حققه الرسول صلى الله عليه وسلم في الجزيرة العربية بعد فتح مكة وبين السلام الذي تركض إليه أطراف معروفة محسوبة على الإسلام ومعدودة من أبناء هذه الأمة، إن الاستكانة للعدو ورغابه ومخططاته لا تؤدي إلا إلى الذل، ولا تصل بصاحبها إلا إلى الخزي والعار، إن المسلم لا يعطي الدنية في دينه، ولقد وقف عمر بن الخطاب يوم الحديبية يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولسنا بالمسلمين.. ويرد عليه الرسول نعم فيقول: أو ليسوا بالمشركين -يقصد أهل مكة قبل الفتح- ثم يقول للرسول.. فعلام نعطي الدنية في ديننا. إن عمر يقول ذلك عندما تسرب شيء بسيط إلى ذهنه أوحى له أن شروط الحديبية تحمل بعض الإجحاف للمسلمين، علمًا بأن الحديبية فتحت الباب أمام انتصار الإسلام بين القبائل وفي أرجاء الجزيرة، وكانت الحديبية أيضًا هي المدخل الذي أوصل المسلمين إلى فتح مكة بعد عام واحد، وقد اعتبرها القرآن الموحى من الله العليم الخبير- فتحًا مبينًا – ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ( سورة الفتح: 1).
ومع ذلك ترى عمر بن الخطاب يتحسس الأمر، ويقلب أطرافه ووجوهه، ويدرسه بدقة ووعي خشية أن يصاب المسلمون بالدنية، نعم، إن المسلم لا يعطي الدنية في دنيه، ولا يسمح بأن تمس عقيدته بأي مساس ولو عرف المسلمون هذه الحقيقة وعاشوها في سيرة رسول الله بصدق وإيمان وإخلاص، لكانت حالهم -والله- غير هذه الحال، ولكانوا هم سادة الأرض وأساطين الدنيا وقادة العالم، بل لصار العالم جميعه لهم كما ملكه أسلافهم الصادقون في يوم ما، والله أسأل في الختام أن يلهم المسلمين إلى سبيل المعرفة به وطريق الجهاد في سبيله والله على ما يشاء قدير والله أكبر ولله الحمد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل