; المجتمع التربوي (1170) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1170)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1995

مشاهدات 61

نشر في العدد 1170

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 10-أكتوبر-1995

  • فتنة الهموم الصغيرة (1 من 2)

من أعظم آثار الإسلام في نفوس من تستقر فيهم حقيقته، أنه يجعل أحدهم عالي الهمة، بعيد مرامي النفس لا يقنع بالدنية، ولا يرتضي المهانة، ويأنف الذل والذيلية، ولا يركن إلى سفاسف الأمور، ولا يشغل بها وقته الثمين إذ الوقت هو الحياة، والحياة أمانة من الله تعالى.

1- آثار التربية الإسلامية في النفوس:

وهذه الآثار والطباع التي تطبع شخصية المسلم الحق، وتجعل لها سمتها المتميز والمتفرد لا تكون إلا ثمار جهد يبذل بمنهجية خاصة، وفي أطر مرسومة، ولغايات واضحة محددة، وهو الجهد الذي نصطلح على تسميته بالتربية الإسلامية، تلك التربية الفريدة التي توقظ في الإنسان إنسانيته، وتبتعث من تحت ركام الزمن خصائص الفطرة النقية، وتعيد وضع الإنسان على الصراط المستقيم ليؤدي الوظيفة المنوطة به في هذا الكون وظيفة العبودية الحقة لله والخلافة عنه بأشراطها.

2- منابع هذه الآثار ومصادرها:

إن هذه الآثار والطباع هي ثمار للتربية الإسلامية كما أسلفنا إجمالًا، وعلى التفصيل هي آثار لعناصر أو معالم بارزة في محتوى هذه التربية ومنهجيتها.

فهي -أولًا- ثمار للإيمان بالله عز وجل -كما أمر- بأسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تفيض بمعانيها السامية على شخصية المؤمن الحق، وتجعله يرتقي بنفسه إلى أفاق الانتساب إلى هذا الخالق العظيم، فيستشعر استعلاء الإيمان لا استكبار الطغيان، ويستعذب لذة العيش لغايات كبار، وتطمح نفسه إلى المعالي وتأنف الاشتغال بالصغائر والتوافه التي تستهلك الأعمار في غير ما طائل.

ولعل ملاحظة هذه الحقيقة كانت سبب عناية علماء الإسلام الأوائل- والمربين منهم خاصة- على استكانة هذه الأسماء الجليلة، والاستفاضة في عرض دلالتها وفيوضاتها على النفس المؤمنة، وهذه الآثار- من جانب ثان- ثمار لامتلاء شعور المؤمن بدوره المقسوم له على وجه الأرض ألا وهو دور الخلافة عن الله -عز وجل- في القيام على أمور الخلق، وفي مقدمتها إخراج الناس من الظلمات، ظلمات الكفر والشرك والجهالات إلى نور التوحيد الخالص، ثم الشهادة باسم الله على هؤلاء جميعا من حيث أداؤهم للوظيفة التي خلقوا لها، أو نمولهم عنها- وهي- أي الشهادة – من أولى مقتضيات الخلافة ومسؤولياتها.

 إن يقين المؤمن بخلافته عن الله- عز وجل- في الأرض، وشهادته على الخلق يجعله ممثلنا بمشاعر العزة والاستعلاء الإيماني والتطلع إلى المعالي والترفع عن الدنايا في غير كبر أو غرور ومن جانب ثالث نرى أن هذه الآثار ثمار التوجيه القرآني السديد الدائب، والإرشاد النبوي الحكيم باعتماد الرؤية الأفاقية الرحبة لا السطحية الضيقة، وتجاوز الأشكال إلى الجواهر والأوهام إلى الحقائق، والميل إلى الناحية العملية دون النظرية، فحين سأل البعض رسول الله rعن سر تغير حالات القمر -على مدار الشهر- لم يخض القرآن في رده بالسائلين في بحوث علمية فلكية وما كان أيسر ذلك على العليم الخبير، وإنما وجههم مباشرة إلى الناحية التي ينبغي أن تضبط لحظات التأمل والتفكير، وتوجهها إلى غاياتها الصحيحة، فكثيرا ما أودى التأمل أو التفكر غير المنضبط بأصحابه في مهاو مهلكة.

 نعم، كان من الممكن ذكر الحقيقة العلمية التي تفسر هذه الظاهرة، والوصول منها إلى حقيقة علمية أخرى من حقائق الوجود والارتقاء من ذلك كله إلى الحقيقة المطلقة، حقيقة وجود الله -سبحانه وتعالى- وسعة قدرته، وعظمته إلا أن رعاية واقع العقول ومستوياتها حينئذ وطاقاتها في الفهم والاستيعاب في إطار الدور الحضاري الذي تمر به فضلا عن الانسجام مع المنهج العملي التربوي -السمة المميزة لهذا الدين- كان يقتضي ما جاء عليه السياق، وما أحكم هذا وما أجله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (البقرة: ۱۸۹) إن النفس الطلعة لن تمل التأمل والبحث والنظر، وسيقودها الكشف إلى كشف فلا بد أن تتربى على إيثار الجانب العملي في كل ما تأتي أو تدع لكي لا تستهلكها التأملات الفلسفية، فما أكثر ما استهلكت من طاقات، أما أصحاب الطبيعة العملية أو بالأحرى من ربوا على أن يكونوا عمليين فهم الذين تدين لهم البشرية في كل الميادين بالكثير وحسبك إنجازات الجيل القرآني الفريد -النموذج الأمثل في نزعته العملية- في كل مجالات الحياة دليل.

3- سياحة تاريخية مع نماذج عملية رفيعة:

لقد كان المسلمون الأوائل وعلى رأسهم الصحابة الكرام مثلا حية تكاملت فيهم جوانب هذه التربية الإيمانية الرفيعة، فارتقوا بنفوسهم إلى المعالي واستنكفوا الدونية والدنايا، وأحسنوا صرف أعمارهم في كل ما يجعل الحياة أرقى وأنقى، فها هو عمر الفاروق- رضي الله عنه- يستغرب موقفه والصحابة إثر صلح الحديبية، ولكن لأوجه للاستغراب، فلقد كان موقف منسجم مع هذه الآفاق العالية التي ارتقى الإسلام بهم إليها، انطلق عمر من هذه الحقيقة الكبيرة، والأصل الأصيل- استعلاء الإيمان- ليحاكم بنود تلك المعاهدة، وإن كان عمر أنسي للحظات حقيقة أخرى يتزن بذكرها ميزان التصور، وهي حقيقة مرجعية الوحي المطلقة، والمهيمنة على كل مبدأ غيرها.

 ومن هنا قابل النبي ثورة الفاروق العارمة، والتي نلمحها في هذا السؤال الاستنكاري الشديد: فلم نعط الدنية في ديننا؟ قابل النبي الله هذه الثورة النفسية المبررة في وجه ما بتلك الحقيقة الكبيرة بتذكيره بالحقيقة الأكبر والأصل الأرفع ذكره أن الأمر أبرم في هدي الوحي فلا مجال للمراجعة وإن بدا فيه ما يثير الغصص في النفس لعدم وضوح الرؤية البشرية القاصرة.

 إن نفس المؤمن مهم تعول، فإنها تتطامن أمام أمر الله ونهيه، وهذا مما يضيف إلى عزتها عزة فعزة المؤمن من عزته سبحانه، وخضوعه لله يزيده شرفا واستعلاء.

 وإن عجب الناس من الفاتح المسلم الذي امتلأ بما يظن في ظاهره تناقضا، فلا عجب هنالك، ولا تناقض، وإنما هي معالم نفس مؤمنة صيغت على منهج الله، وربيت على مأدبة القرآن. فالاستعلاء بالإيمان الذي يبلغ في وهم البعض حد الكبر والخيلاء، والتواضع الجم الذي يبلغ عند قصاري النظر حد الذل والخمول هما مجرد حالتين من حالات النفس المؤمنة تقابل كل منهما الظرف الملائم لها، ولا تجور إحداهما على الأخرى، فتفقد تلك النفس معنى التوازن والاعتدال، وفي عصر الصحابة مئات النماذج التي تقفينا على هذه الظاهرة الفريدة، حيث انفرد جيل كامل بهمم عالية، واستعلاء رفيع بعقيدتهم السامية، بدءًا من الصغير الناشئ، وانتهاء بالشيخ الجليل، ولا ننسى موقف ولدي عفراء معاذ ومعوذ من تسامي همتهما نحو تخليص البشرية من رأس الكفر أبي جهل في غزوة بدر وتسابقهما في ذلك حتى أدركا غايتهما معًا، ولا ننسى عبد الله بن عمر وحرصه على المشاركة في الجهاد صغيرًا لولا إرجاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له ولأمثاله، ولا ننسى عمرو بن الجموح وحرصه على المشاركة في الجهاد رغم عاهته، والقائمة طويلة لا تكاد تحصى، وكم من الضروري أن يتربى الجيل على هذا الزاد الزاخر المبارك.


آلام وآمال

الأسرة المسلمة في ضوء الكتاب والسنة (٢ من ٣)

د.جاسم المهلهل الياسين

قذف المحصنات

الذين يرمون المحصنات إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة والطهارة، وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها، بذلك تشيع الفاحشة في النفوس، لتشيع بعد ذلك في الواقع! من أجل هذا وصف القرآن الكريم الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: ۱۹).

غض البصر

غض البصر: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ(30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣٠-٣١) إن الإسلام حين يضع الإجراءات الوقائية في طريق تطهير المشاعر واتقاء الفتنة العابرة يأخذ على الفتنة الطريق كي لا تنطلق من عقالها، بدافع النظر المواطن الفتنة المثيرة وبدافع الحركة المعبرة، الداعية إلى الغواية، وغض البصر نموذج من تقليل فرص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله في الحديث القدسي عن الله تبارك وتعالى: «إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم من تركه مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه «أخرجه الطبراني بسنده»، إن غض البصر في هذا صريح سدًا للذريعة، ودرءًا للفساد لأن النظر يحمل خطرًا كبيرًا، وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر، وكما قال الإمام الغزالي: إن من لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ فرجه.

كل الحوادث مبداها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة فتكت في قلب صاحبها *** فتك السهام بلا قوس ولا وتر 

والمرء ما دام ذا عين يقلبها ** * في أعين الغيد موقوف على الخطر 

الحجاب

 لماذا؟ لن أتحدث عن وجوب الحجاب على المرأة فهو معلوم من الدين بالضرورة، ولكن ما هي عواقب التبرج وعدم الالتزام بالحجاب الشرعي من عواقب التبرج الوخيمة أن تتسابق المتبرجات في مجال الزينة المحرمة لأجل لفت الأنظار إليهن، مما يتلف الأخلاق والأموال ويجعل المرأة كالسلعة المهيئة الحقيرة المعروضة لكل من شاء أن ينظر إليها، ومنها فساد أخلاق الرجال خاصة الشباب المراهقين، ودفعهم إلى الفواحش المحرمة بأنواعها وأشكالها، ومنها تحطيم الروابط الأسرية، وانعدام الثقة بين أفرادها وتفشي الطلاق، والمتاجرة بالمرأة كوسيلة دعاية أو ترفيه في مجالات التجارة وغيرها، ومنها الإساءة إلى المرأة نفسها، والإعلان عن سوء نيتها، وخبث طويتها، مما يعرضها لأذية الأشرار والسفهاء، ومنها تسهيل معصية الزنا بالعين، قال: العينان زناهما النظر وتعسير طاعة غض البصر التي أمرنا بها إرضاء الله تعالى، ومنها انتشار الأمراض، قال: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضواء، ومنها استحقاق نزول العقوبات العامة التي هي قطعًا أخطر عاقبة من القنابل الذرية والهزات الأرضية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: ١٦)، وقوله: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب» «صحيح الجامع»، ونختم هذه المقالة بسؤال: ماذا يريدون من الأسرة؟

مهاجمة الإسلام عن طريق الأسرة

قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُواْ﴾ (البقرة: ۲۱۷)، فهذا «جلادستون» رئيس وزراء إنجلترا وقف في أواخر القرن الماضي في مجلس العموم وقد أمسك بيمينه القرآن المجيد وصاح في الأعضاء قائلا: لن تستقيم حالة الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة، ويغطى به القرآن أخذ أعداء الإسلام يبحثون عن الباب الذي يدفعون منه المدنية الغربية إلى المجتمع الإسلامي، فوجدوا أن أحسن باب يطرق باب الأسرة المسلمة، فالمجتمع يتكون من أسرات، فإذا تحللت الأسرة، تحلل المجتمع كله، وإذا زالت عن الأسرة مميزاتها التي ذكرناها من كتاب الله وسنة رسوله، زالت عن المجتمع المسلم جميع مميزاته الإسلامية! وفتح الكثيرون أبوابهم للمدنية الغربية، فدخلت بيوتهم تعبث بأعراضهم وكراماتهم وعقائدهم ومستقبلهم، لقد فتحوا أبوابهم للسفور والاختلاط والنزوات والشهوات، وضحوا في سبيل هذه المدنية الزائفة بالعفة والشرف والأخلاق، وهل يمكن اعتبار أمة التهمتها الشهوات والنزوات أن تحفل بدينها واستقلالها؟ وهل إذا فقد الرجال غيرتهم على أعراضهم -طبقًا لقانون المدنية الغربية الفاجرة- تثور فيهم حمية الغيرة على أوطانهم ودينهم لقد ميز الإسلام الأسرة المسلمة بميزات خاصة، تباين بها غيرها من الأسر، لذا اهتم المبشرون وأعداء الإسلام بالقضاء على جميع مميزات الأسرة المسلمة، بل القضاء على نظام الأسرة ذاته، وكثيرًا ما أشاعوا في مؤامراتهم أو مؤتمراتهم إلى وجوب الاهتمام بحركات تحرير المرأة، وإثارة المناقشات حول الطلاق وتعدد الزوجات حتى يشككوا المسلمين في كمال النظام الإسلامي!

إن التشكيك في كمال نظام الأسرة في الإسلام، هي النغمة المرذولة التي يرددها أعداء الإسلام وأنصارهم من المنافقين، لقد قال القسيس «زويمر»: ينبغي للمبشرين أن لا يقنطوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة، إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين وتحرير المرأة، وماذا أصبحت المرأة في المجتمع؟ أصبحن نساء سافرات لحضور حفلات الرقص نساء يجدن فن الماكياج وتلطيخ الوجوه والأظافر، نساء يقمن حفلات ويشربن الدخان والخمور، نساء خرجن عن الإسلام، نساء أعلن الحرب على الله ورسوله، الحرب على شريعته وقانونه، الحرب على أوامره ونواهيه، حربًا لابد أن ندفع ثمنها غاليًا في الدنيا قبل الآخرة، ولن أقول بعد هذا شيئًا، ولكن انظروا إلى البيوت اليوم كيف أحوالها، وإلى أين المصير؟﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ ﴾ (البقرة: ۲۷۹).


● حول قصة طالوت و جالوت (۱ من ۷) قراءة في أوراق جولة في التدافع الحضاري

  • الجهل بالواقع يؤدي إلى إصدار أحكام خاطئة و اختلال ترتيب الأولويات.
  • وسائل التربية ينبغي أن تتسم بالاعتدال والشمول والتكامل

وهي القصة التي وردت في سورة البقرة في الآيات من (٢٤٦-٢٥٢)، وتحكي عن مجموعة من ذوي الرأي والكبراء في بني إسرائيل، بعدما ضاع ملكهم ونهبت مقدساتهم، وذلوا لأعدائهم، وذاقوا الويل بسبب انحرافهم عن هدي ربهم، وتعاليم نبيهم، أن صحت نفوسهم، واستيقظت في قلوبهم العقيدة، واشتاقوا للقتال فطلبوا من نبيهم أن يعين عليهم ملكَا يقاتلون تحت إمرته في سبيل الله، فكان الأمر بعد هذه المبادرة الطيبة، والانتفاضة الحماسية، أن بدأ باختبار قوة رغبتهم فأكد على مدى قوة هذه الإرادة الفائرة، وبعد تعيين أحد القادة، والمختار من قبله سبحانه بدأ مسلسل النكوص والتراجع ودورات التصفية أمام عوائق وابتلاءات الطريق، حتى ثبتت الفئة القليلة المؤمنة منهم، فنصرها الله على عدوها.

وحول هذه القصة القرآنية الطيبة، نسأله سبحانه أن يعيننا على محاولتنا المتواضعة في معايشة أحداث تلك التجربة التغييرية التاريخية في النهوض الحضاري، واستجلاء بعض الملامح والقطوف التربوية، حول تلك المسيرة الواقعية لأمة نجحت في الخروج من مرحلة الوهن إلى مرحلة النصر والظهور والتمكين، وهي قراءة متواضعة لتجربة واقعية وتطبيق عملي، وترجمة فعلية لإحدى سنن الله تعالى في خلقه، وهي سنة «التدافع الحضاري»، ولتفتح بابًا لفقه سنن الله- عز وجل- في التغيير الاجتماعي للأمم والتي توضح عوامل السقوط والنهوض في الدورات الحضارية، آملين حسن العمل المبني على هذا الفقه في التعامل مع هذه السنن الكونية، والإفادة منها في جولتنا المعاصرة.

فقه الواقع ركيزة تربوية

تأتي هذه القصة في سياق سورة البقرة التي لها محور رئيسي يجمع موضوعاتها كلها وهو «محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطًا شديدًا: 

فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة واستقبالهم لها، ومواجهتهم لرسولها- صلى الله عليه وسلم- والجماعة المسلمة الناشئة، وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى.

وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها، وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها، ونقضهم لعهد الله بخصوصها، والملابسات التي نزلت آيات السورة لمواجهتها في عمومها هي الملابسات التي ظلت الدعوة الإسلامية وأصحابها يوجهونها- مع اختلاف يسير- على مر العصور وكر الدهور، وكانت معجزة القرآن الخالدة أن موقف اليهود وصفتهم التي دمغتهم بها هذه السورة هي الصفة الملازمة لهم في كل أجيالهم من قبل الإسلام ومن بعده إلى يومنا هذا، ومن ثم تبقى كلمات القرآن حية كأنما تواجه موقف الأمة المسلمة اليوم وموقف اليهود منها، وهذه الكلمات الخالدة هي للتنبيه الحاضر والتحذير الدائم تجاه هذه الحرب المنوعة المظاهر المتحدة الحقيقة». (۱)

أي أن التربية[1] القرآنية، كانت تقوم على ركيزتين تربويتين متوازيتين، ومتلازمتين:

الركيزة الأولى: داخلية لبناء الصف. والركيزة الثانية خارجية لدراسة الواقع المحيط بالدعوة للتعامل معه.

والقصة التي بين أيدينا تهدف إلى بناء الصف الداخلي، من خلال الواقع المحيط بالدعوة، ومن خلال فتح ملفات العدو الخارجي.

وكذلك كان منهجه- صلى الله عليه وسلم- التربوي، حيث كانت عينه على أصحابه وأتباعه يربيهم بتؤدة، وفي نفس الوقت لم يغب الواقع عنه، كيف وأن هذا الواقع هو حقل الدعوة، وتأمل كيف كان- صلى الله عليه وسلم- ثاقب النظرة، عندما أمر بالهجرة الأولى للحبشة وقال عن حاكمها فيما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه»، وكذلك عندما ظل الرسول- صلى الله عليه وسلم- القائد يترصد تحركات خالد بن سفيان الخطرة وتأليبه لقوى الشر فأرسل إليه عبد الله بن أنيس- رضي الله عنه- بعد أن رسم له خطة قتله بدقة، كل هذا وهو لم يغادر المدينة.

وأيضًا في حديث عائشة- رضي الله عنها- الصحيح أنه- صلى الله عليه وسلم- قال لها: لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم أي أنه- صلى الله عليه وسلم- ترك فعل ما يرى أنه مطلوب خشية أن يثير فتنة بهدم الكعبة وبنائها من جديد عند قوم حديثي الإسلام.

وكذلك كانت مهمة جميع الرسل عليهم السلام تجمع بين التوازن، وبين البعد الداخلي والخارجي، بين الأصالة والمعاصرة، فرغم أن ثوابت قضيتهم كانت واحدة، وهي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه، فإن كل دعوة كانت لها متغيراتها الخاصة من منظور العصر الذي جاءت فيه، ومن منطلق البعد المحيط والانحرافات المعاصرة للدعوة- فمثلًا دعوة موسى-عليه السلام- وجهت إلى الطغيان المادي والاستبداد السياسي، ودعوة شعيب- عليه السلام- وجهت إلى الانحراف الاقتصادي ودعوة لوط- عليه السلام- ركزت على الانحراف السلوكي والأخلاقي.

وهو الملمح التربوي، الذي يعطي المربين مغزى عميقًا، وهو أن التربية لا تستقيم إلا بفقه شامل يهتم بالبناء الداخلي ولا يهمل الواقع الخارجي، ولذلك فإن إهمال ذلك البعد الخارجي ومعرفة المحلية والدولية والعالمية التي تحيط بالدعوة، لا يؤدي إلى إهمال إحدى ركيزتي التربية فقط، بل قد يؤدي إلى خطر على الدين نفسه، وتأمل الفقه العمري العميق «تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية».

ولا عجب أن نرى البعض ممن جهل هذا الباب، وقد تقوقع على نفسه وضيق عليها دوائر التربية، فكانت النتيجة أن انشغل بقضايا قد ماتت وأهمل قضايا عصره، واختلت مراتب أولوياته، وهو السفه والسذاجة، وقصر النظر الذي قد يصيب البعض فلا يرى إلا مصلحته، ولن يشفع له إخلاصه من أن يؤخذ على يده، حتى لا تغرق السفينة: «مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي بأسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي ولابد لي من الماء! فإن أخذوا على يديه، أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم.»[2] 

و«ظاهرة الانغلاق على الذات»، سمة لسفهاء كل أمة، وتدبر ما رواه ابن القيم- رحمه الله- في «إعلام الموقعين» عن رواية الإمام أحمد في المسند من حديث عبد الله ابن عمر- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلًا كان فيمن قبلكم استضاف قومًا فأضافوه، ولهم كلبة تنبح، قال: فقالت الكلبة والله لا أنبح ضيف أهل الليلة، قال: فعوى جراؤها- أي صغارها- في بطنها فبلغ ذلك نبيًّا لهم أو قيلًا لهم- أي ملكهم- فقال: مثل هذه أمة تكون من بعدكم يقهر سفاؤها حكماءها، ويغلب سفهاؤها علماءها.[3]

تأتي هذه القصة في نهاية الجزء الثاني وهو الجزء الذي يركز على عملية إعداد الجماعة المسلمة لحمل الأمانة الكبرى- أمانة العقيدة وأمانة الخلافة في الأرض باسم هذه العقيدة- وإعطاء الجماعة المسلمة خصائص الأمة المستخلفة، وشخصيتها المستقلة، ومن ثم نجد حديثًا عن تحويل القبلة، ثم نجد بيانًا وجلاء لبعض قواعد التصور الإيماني، حيث يقرر أن البر هو التقوى والعمل الصالح لا تقليب الوجوه قبل المشرق والمغرب، ثم يأخذ السياق في تقرير النظم العملية والشعائر التعبدية- وهما العنصران اللذان تقوم عليهما حياة هذه الأمة، فنجد شريعة القصاص، وأحكام الوصية وفريضة الصيام وأحكام القتال في الأشهر الحرام وفي المسجد الحرام، وفريضة الحج، وأحكام الخمر والميسر ودستور الأسرة، مشدودة كلها برباط العقيدة والصلة بالله، وفي نهاية الجزء وبمناسبة الحديث عن الجهاد بالنفس والمال، تأتي قصة من حياة بني إسرائيل من بعد موسى- عليه السلام- عندما قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله، وما فيها من عبر للجماعة المسلمة الوارثة للرسالات قبلها.[4] 

وهذا يعطي المربين، ملمحًا تربويًّا طيبًا، ألا وهو أن وسائل التربية، يجب أن تتميز بالاعتدال أو التوازن والوسطية، فلا يهمل جانب على حساب الآخر، وكذلك تتميز بالشمول والتكامل «ذلك أنها تربية للإنسان كل الإنسان عقله وقلبه روحه وبدنه خلقه وسلوكه، كما أنها تعد هذا الإنسان للحياة بسرائها وضرائها، سلمها وحربها، وتعده لمواجهة المجتمع بخيره وشره حلوه ومره، لهذا كان لابد من العناية بالتربية الجهادية والتربية الاجتماعية، حتى لا يعيش المسلم في واد والجماعة من حوله في واد آخر، إنه التكامل والشمول الذي تميز به الإسلام في مجال العقيدة، وفي مجال العبادة، وفي مجال التشريع يتميز به أيضًا في مجال التربية»[5].

عندما يستريح المجاهد

٣-«ألم تر؟» كلمتان توحيان بالود والأنس الذي يبدأ به سبحانه القصة على الحبيب- صلى الله عليه وسلم- ومن تبعه إلى يوم الدين فبعد جولة طويلة طافت حول الإجابة عن بعض الأسئلة حول الإنفاق، وعن القتال في الشهر الحرام، وعن الخمر والميسر، وعن اليتامى، ثم تلتها رحلة حول دستور الأسرة وأحكام الزواج والمعاشرة، والإيلاء والطلاق والعدة والنفقة والمتعة، والرضاعة والحضانة، تأتي هذه القصة، وتأمل هذا المطلع الودود الرخي الأنس، وكأنه استراحة إيمانية يلتقط فيها المجاهد أنفاسه، ويستشعر قربه من ربه الكريم، ثم يواصل طريقه، ورغم ذلك يظل برنامج الاستراحة مرتبطًا بحياة ودور وهدف المجاهد العامل.

وهذا له مغزى عميق، وهو أن المربي يجب أن لا ينسى أن أتباعه بشر لهم نفوس تحتاج إلى مدخل طيب للكلام، فيجب أن يتميز بالود حتى يشعر كل منهم أنه وحده له المكانة في قلبه، وأن النفس البشرية تحتاج إلى الراحة والاستجمام وهذه الراحة لا يجب أن تخرج بهم عن دورهم وأهدافهم العظام، وهذه الاستراحة الإيمانية قد تكون جماعية، أو على انفراد، فالداعي يحتاج إلى شيء من العزلة والوحدة، والانفراد بنفسه لأنه كما قال ابن تيمية- رحمه الله-: لابد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وتفكره ومحاسبة نفسه، وإصلاح قلبه، وقد تكون في أوقات ندب الشرع فيها كالاعتكاف في رمضان والصلاة فيه، وقيام الليل، والجلوس في المساجد انتظارًا للصلاة، وقد تمتد لأوقات أخرى للاستجمام والمراجعة والراحة، ومراجعة الحساب مع نفسه، حسب حاجة وظروف الداعي، وهي كاستراحة المجاهد، حتى يظل قلبه معلق بالجهاد، ونيته الرجوع إليه من قريب.[6]


الهوامش

[1] ١- في ظلال القرآن سيد قطب (۲۸/۱– ۳۳ بتصرف).

[2] - ٢- البخاري ٢٢٥/٣.

[3] - قصص الحيوان في الحديث النبوي عبد اللطيف عاشور ۹۹.

[4] - في ظلال القرآن سيد قطب (١٢٣/۲ – ١٢٤٣ بتصرف).

[5] - التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا د. يوسف القرضاوي ۳۳.

[6]   أصول الدعوة د. عبد الكريم زيدان- ۳۸۰- ۳۸۹ بتصرف.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 800

87

الثلاثاء 13-يناير-1987

فقه التمكين