; فتيل المواجهة بين المسلمين والمجتمع الأوروبي | مجلة المجتمع

العنوان فتيل المواجهة بين المسلمين والمجتمع الأوروبي

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1987

مشاهدات 58

نشر في العدد 833

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 08-سبتمبر-1987

حملات الإيقاع بين الجاليات المسلمة في الغرب والمجتمع الأوروبي تتسارع خطواتها لإيجاد مبررات تنتهي باضطهادهم أو إجلائهم، والمسلمون في الغرب اليوم مدعون لاستيعاب اللعبة وتفويت الفرصة. فمن يدري فقد تتكرر مأساة القرن الخامس عشر إذ نرى تشابهًا في عناصر هذه المأساة إلى حدة بعيد.

فالمسلمون اليوم في بلاد الغرب يحتملون قضاياهم لوحدهم والحكومات الإسلامية لا يهمها الصراع الحضاري بقدر ما يهمها المكاسب السياسية أو الاقتصادية.

 والغرب الذي كان يخشى القوة الاقتصادية العربية استطاع بطريقة أو بأخرى تحييدها وكبح جماحها.

والغرب الذي كان يحتاج لليد العاملة المسلمة لبناء بلده واقتصاده غرق في البطالة العالمية بفعل التقدم التكنولوجي.

والغرب الذي كان يحتاج للأسواق الإسلامية لتصريف منتجاته يفضل اليوم إتلاف إنتاجه الزراعي والعلمي والاكتفاء بتصدير آلات الحرب والدمار لمزيد من الاقتتال بين المسلمين وجمع ما في أيديهم من ثروات بأبخس الأثمان.

الغرب اليوم يسعى بمفكريه وسياسييه واقتصادييه إلى التراجع عن القيم الإنسانية السامية واختزالها على سكن القارات الغربية كما كان العهد عليه في القرنين الماضيين.

للوصول إلى هذه الغاية لم يعتمد الغرب أسلوب المسرحيات المعهودة في طرد مواطني مالي من الجزائر ونيجيريا، ولا طرد السكان الأصليين من جنوب أفريقيا ولا حتى تهجير الفلسطينيين من بلد إلى آخر، بل اعتمد النفس الطويل وسياسة التحضير والمراحل.

- الغرب اليوم يقدم المسلمين- من خلال صحفه وإذاعاته- على أنهم غزاة جدد، دفعهم الجوع والتضييق على حرية الفكر والممارسة إلى ترك بلادهم والالتجاء إلى بلاد الحرية والخير- أوروبا وأمريكا- وبالتالي فهم عالة على المجتمع الأوروبي لأنهم يشاركون ثرواته وينعمون بما لم ينعموا به في بلادهم.. فاستساغ الأوروبيون التضييق على دخول المسلمين بلادهم بل واستساغوا محاولات الطرد الجماعية التي قامت بها فرنسا لأكثر من مرة.

- والغرب اليوم يبرز رأس المال العربي المهاجر على أنه رأس مال محتال همه الربح السريع والفرار به وليس رأس مال مستثمر كما هي رؤوس أموالهم، وبالتالي فقد شجعت محاولات الاحتيال والسرقة والسلب بكثير من رؤوس الأموال العربية في الغرب.

- والغرب اليوم ينسب كل عملية إرهابية أو متاجرة بالمخدرات إلى المسلمين بقصد عزلهم عن المجتمع الغربي ووضعهم في خانة المنبوذين.

- والغرب اليوم يؤكد على أن ثقافة المهاجرين استعصت على الذوبان في الثقافة الغربية، فهي إذا ثقافة نشاز تؤثر على تطور المجتمع الأوروبي وتحد من نموه، فهو ذو ثقافة نصرانية يهودية.

- والغرب اليوم زرع في كل منطقة نشطة «جمعية إسلامية» تحمل كل خزعبلات المهووسين في فكرهم وممارساتهم وساندهم في مواجهة المنظمات الإسلامية الفاعلة.

- والغرب اليوم يضيق على المنظمات الإسلامية المعروفة بطرق شتى، تارة باسم المجالس البلدية وأخرى تحت ستار الأمن وغيرها باسم العمل السياسي... وقد اتخذت سبل التشكيك في رموز العمل الإسلامي آفاقًا جديدة على أيدي الصحافة الموجهة أو الجمعيات التي أطلقت عليها أسماء إسلامية التي أقامتها لهذا الغرض لنقض العمل من الداخل ولمزيد من الأسف فإن كثيرًا من أعوان السفارات تساعدهم للإيقاع بالخارجين عن «التطويع السياسي أو الحزبي» فكم من شكوى قدمتها سفارات عربية تقول إن فلانًا من الناس له علاقة بمنظمة التحرير الفلسطينية لتقوم أجهزة الأمن بالمراقبة والملاحقة.

- والأحزاب السياسية العنصرية اليوم تجد نجاحًا لم تعهده في السابق إذ هي تعتمد على استثمار شعور العداء للمهاجرين المسلمين.

- وأخيرًا تأتي المنظمات «الإنسانية» الغربية لجر المسلمين إلى الالتحاق بفكر منحرف كما هو حال منظمات «الإسلام والغرب»، «البهائية»، «أنصار الإسلام» والمطلوب اليوم أن يكون المسلمون أشد حذرًا من هذه الجمعيات المشبوهة.

يا هذا! العلماء ورثة الأنبياء

لقد انعقد لساني مندهشًا من ذلك السب والشتم الذي وجه إلى العالم الجليل الشيخ صلاح أبو إسماعيل، في قاعة مجلس الشعب المصري، إذ لا يجوز أن يوجه ذلك السباب إلى شخص عادي فضلًا إلى عالم جليل القدر مثل الشيخ صلاح، الذي اشتهر بسمو أخلاقه، وحسن أدبه، وعفة لسانه وهل يستسيغ أحد يعرفه الشيخ صلاح أبو إسماعيل أن يسمع مثل هذا السباب فيه، وهو الرجل الذي يقابل الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم بكل أدب واحترام، وأحاديثه كلها نصح وإرشاد ودعوة إلى الخير.

عرفنا الشيخ صلاح أنه ضد العنف، ويدين التطرف، ولكنه يقف مع المظلوم، ومع الحق، ولا يخشى في الحق لومة لائم، فهو يريد أن يفرق بين البريء والمذنب، وألا يؤخذ أحد بجريرة غيره، ويؤمن بقوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ (الأنعام: 164) ويؤمن بالمبدأ القائل «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» فهو يدعو إلى العدالة، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، ويضطلع بمسؤولية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يفعل كما يفعل كثير من الناس يتشدقون بحقوق الإنسان ويصمون آذانهم عن استغاثات المستغيثين، وصرخات المظلومين، والذين يقولون للأعمى والأعور مفتح وقوي البصر، كأنه زرقاء اليمامة، ويصفون الجاهل بأنه سقراط زمانه، فالشيخ صلاح من أولئك الذين سخرهم الله ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، فوليه الله الذي يكلأه ويحميه، وما يصيبه من سوء في الدنيا فهو في سبيل الله، يجعله الله إن شاء في ميزان حسناته يوم القيامة، وإذا جهر بما يسيء إلى أحد مدافعًا عن نفسه وعن الحق فذلك مباح له بنص القرآن ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (النساء: 148)، وقد أوضح القرآن الكريم منهج الدعاة في مثل هذه المواقف في آيات بينات، وهي قوله تعالى في سورة الشورى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ، وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ، وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ، اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ، فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (الشورى: 39-48).

والشيخ صلاح في ميدان جهاد بالكلمة الطيبة، والنصيحة المخلصة، ويدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن ممتثلًا قول الله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125)، ولو ترك له المجال فإنه يستطيع أن يكبح جماح كثير من الشباب المتحمس ويرشدهم إلى الطريق السوي، طريق  الحوار الهادف الهادئ، والشباب مستعد لقبول نصائحه والاستماع إليه لأنه يثق فيه، وفي إخلاصه، وليس كبعض العلماء الدجالين، الذين كل همهم السعي إلى المادة والجاه، والذين يميلون مع الريح حيث مالت، ولا يمحضون النصح لأولي الأمر، ولعل مما يدعم جانب الشيخ صلاح ويظهر صدق ما يقول أن تصدر في هذه الأيام الأحكام من محكمة أمن الدولة في مصر بحق بعض الضباط، بعد أن أدينوا بتهمة القتل العمد، والتعذيب بقصد الحصول على اعترافات من بعض جماعة الإخوان المسلمين سنة «1969» بأوامر من شمس بدران، وزير الحربية في ذلك الوقت كما جاءت هذه الأحكام لتؤكد حيدة القضاء المصري ونزاهته، وإنه ما زال هناك رجال يقولون للأعور أعور، وإن المرء ليعجب كيف يقدم إنسان على تعذيب أخيه الإنسان حتى الموت، بعد أن جعلته الظروف بين يديه، وفي قبضته، ولا يملك الدفاع عن نفسه، كيف نطالب الشباب أن يؤمنوا أن هؤلاء من البشر فضلًا أن يكونوا من المسلمين؟ وكيف لا ننتظر ردود فعل عنيفة من الشباب وهم يرون هذه الأفعال الإجرامية أمام أعينهم ومنهم أب وأخ وصديق وزميل، وأناس ضعفاء من مواطنيهم، فمن يدعو إلى التطرف إذًا، الشيخ صلاح أبو إسماعيل الذي يريد أن يمنع التعذيب ويحول دون ردة الفعل، أو الذين يباشرون التعذيب فيسببون التطرف ودعاوي التكفير؟

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (الأحزاب: 58).

إن التصرفات الطائشة تقابلها أشد طيشًا، وكيف نسمي ما يحصل في الشارع إرهابًا، ولا نسمي ما يحصل في السجون والمعتقلات إرهابًا؟

إننا نرفض الإرهاب أيًا كانت مصادره ولقد درجنا أن نقصر التطرف على الشباب المتدين، بينما الواقع أن التطرف المتسم بالإرهاب يأتي أكثره من غير المتدينين، ومن عصابات قياداتها خارج العالم الإسلامي، وأحيانا يكون من مخابرات دول أجنبية.

وحماية الوطن والمواطنين لا يأتي بالتعسف والظلم وملء المعتقلات والسجون بالأبرياء، فهذه الولايات المتحدة اغتيل فيها كيندي، وجرت محاولة لاغتيال ريغان، وهذه بريطانيا حاولوا فيها قتل تاتشر ووزرائها بتفجير قنبلة في مقر مؤتمر حزب المحافظين، وهذه الهند اغتيلت فيها أنديرا غاندي رئيسة الوزراء، وفي كل هذه الدول لم تجرد حملة صليبية ضد طوائف بأكملها، بل وهذه الكويت جرى فيها ما جرى من إرهاب، ومحاولة اغتيال الأمير، ولم يلق القبض إلا على المسؤولين عن الحادث، ومن لهم علاقة به.

لقد أخبرني الطبيب الذي كان يعالج شمس بدران، عندما كان في السجن كيف أن الرجل في حالة نفسية سيئة، ويستعطف كل من يمر أمامه، والناس في المستشفى ينظرون إليه بازدراء واحتقار، ولم يتصور أحد أن هذا الرجل هو الذي كان في يوم من الأيام يتحكم في رقاب العباد.

فالله سبحانه وتعالى سمى نفسه الحكم العدل، وقد تكفل بإنصاف المظلومين من الظالمين، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (إبراهيم: 42-43).

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 257).

إننا نعتقد أن الشيخ صلاح أبو إسماعيل هو من أولئك الذين عناهم الحديث الشريف «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين» نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

147

الثلاثاء 31-مارس-1970

لقاءات المسؤولين

نشر في العدد 36

117

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

ساعة مع وزير العدل..

نشر في العدد 113

100

الثلاثاء 15-أغسطس-1972

محليات (113)