العنوان فرصة للخدم والعبيد
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 29-مايو-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1904
نشر في الصفحة 66
السبت 29-مايو-2010
ليس ثمة كالحضارة الإسلامية منحًا للفرص المفتوحة للخدم والمستضعفين والعبيد.. لقد شكل هؤلاء دولًا في تاريخ هذه الحضارة، حكمت القرون الطوال.. ولم يقل أحد من أبناء الأمة وقادتها على السواء أن هذا لا يجوز!
ودائمًا كان بمقدور الحلقات الدنيا أن تتحرك، وأن تصعد إلى الأعلى، وأن تبلغ القمة، ليس في مجال الحكم فحسب، بل في مجال المال والإدارة والمجتمع والنشاط العلمي والثقافي وسائر مناحي الحياة.
إذا كانت البداية أن يصبح «بلال» الحبشي الأسود سيدًا للمسلمين، وأن يتم اختياره من بين سائر الصحابة والأتباع لكي يرفع أول نداء للصلاة على سطح الكعبة بعد تحريرها ونعلاه يخفقان فوق رؤوس السادة والكبار من طلقاء مكة... وإذا كانت البداية أن يقول الخليفة عمر بن الخطاب مخاطبًا أبناء أمته: «اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد أسود كان رأسه زبيبة»..
وكل ما سيتحقق بعد ذلك.. كل ما سيشهده مجرى التاريخ الإسلامي عبر تدفقه الصاخب من صعود الفقراء والكادحين والعبيد والمستضعفين إلى أعلى السلم.. إنما هو حالة طبيعية.. حالة طبيعية تمامًا، في ساحة حضارة فتحت صدرها للجميع، حتى أولئك الذين لم ينتموا للإسلام، وفي ضوء تعاليم دين لم يفرق مطلقا بين الأسود والأبيض، والسادة والعبيد، والأغنياء والفقراء..
ولا يزال اسم بلال، ينساب على ألسنة المسلمين مسبوقًا بكلمة «سيدنا»، ألا يحمل هذا دلالته الحاسمة فيما نحن بصدده؟ وعمر بن الخطاب عندما يقول: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا » يحكم على «بلال» بأن يصير سيدًا للمسلمين كافة بما فيهم أتباع رسول الله ﷺ من الصحابة الكبار.
والمماليك الذين كانوا يباعون ويشترون في الأسواق أقاموا في مصر والشام والحجاز دولتين كبيرتين أسهمتا بشكل واسع، ليس في مصائر عالم الإسلام فحسب بل في إبداعه الحضاري.. والكثيرون من علماء الأمة وقادة الفكر فيها قدموا من طبقة الموالي والعبيد وساهموا بكفاءاتهم المتميزة في بناء صرحها الحضاري، فيما هو معروف للقاصي والداني.
والأمثلة كثيرة، كثيرة جدًا، وليس بمقدور أحد من الباحثين أن يجد عشر معشارها في أي دين أو مذهب أو نظام في العالم على امتداده.
في الهند - على سبيل المثال - كان المنبوذ يظل منبوذًا مهما حاول، ومهما امتلك من طاقات وقدرات، أو قدم من عمل.. الأبواب موصدة أمام هذه الطبقة السفلى في المجتمع رغم كونها تعد بالملايين.
وفي روما كان كل غير الرومانيين محسوبين على طبقة الخدم والعبيد والأجراء..
هذان شاهدان - فحسب - من عمق زمني بعيد.. أما في العصر الحديث فيكفي أن نلقي نظرة على ما كان يجري في الولايات المتحدة الأمريكية حتى عهد قريب وأن نقرأ كتابًا كـ «الجذور» للكاتب الأمريكي الزنجي «ألكس هيلي» لكي نرى بأم أعيننا ما فعله البيض بالسود هناك مما تقشعر لهوله الأبدان.
وإلى زمن ليس ببعيد لم يكن بمقدور الزنجي في أمريكا أن يأكل في مطاعم البيض أو ينزل في فنادقهم.. بل إن المفارقة التي تدعو للسخرية أن هذه التفرقة نقلت عدواها هناك حتى إلى الشيوعيين الأمريكان الذين كان أبيضهم يرفض أن يبيت أو يأكل في مكان واحد مع السود.
والقرآن الكريم قالها بوضوح وحسم منذ اللحظات الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)، وقال رسول الله ﷺ بالوضوح والحسم نفسه: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، إلا بالتقوى والعمل الصالح».. «أيها الناس كلكم لآدم وآدم من تراب».
ومن هذا المنطلق الذي يقف فيه الإنسان إلى جانب الإنسان على قدم المساواة، بغض النظر عن لونه وعرقه وجنسه وطبقته، وما يملكه من مال، بل حتى عن دينه وعقيدته.. من هذا المنطلق تدفقت تقاليد حضارة فريدة منحت فرصها للجميع.