; فرص تصحيح العلاقات«المصرية-الأمريكية» | مجلة المجتمع

العنوان فرص تصحيح العلاقات«المصرية-الأمريكية»

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر الجمعة 16-مارس-2012

مشاهدات 69

نشر في العدد 1993

نشر في الصفحة 30

الجمعة 16-مارس-2012

كشفت الأزمة الأخيرة بين مصر والولايات المتحدة؛ بسبب قضية المنظمات غير الحكومية، وإصرار مصر على تقديم مواطنين أمريكيين يعملون في هذه المنظمات إلى القضاء المصري، كشفت الكثير من الأسئلة، ودفعت إلى السطح بشكل مفاجئ ملف العلاقات المصرية الأمريكية الحاكم لكل سياسات مصر الداخلية والخارجية.

كما ألقت هذه الأزمة إلى الرأي العام بهذا الملف من زاوية المعونات الأمريكية المصر، وهو ملف فتح مبكرًا، وكان لابد أن يفتح في سياق سياسات مصر الجديدة في المجال الخارجي، وهو البوابة الرئيسة التي تؤثر تأثيرًا كبيرًا على كافة الملفات الداخلية؛ ذلك أن استقلال مصر في علاقاتها الخارجية أو تبعيتها هو مركز الثقل في حياة مصر والمصريين، وبصرف النظر عما يحيط بقضية المنظمات غير الحكومية من اعتبارات، فإن القضية الملحة الآن هي ترتيب العلاقات المصرية الأمريكية بشكل جذري، أو تسوية هذا الملف الطارئ إلى حين عبور مصر من المرحلة الانتقالية حتى تتفرغ لهذ الملف الخطير.

خلفية تاريخية

لا يمكن فهم موقف واشنطن من الثورة المصرية، ودورها المزعوم فيها، إلا بفهم الأسس التي قامت عليها العلاقات المصرية الأمريكية منذ عام ۱۹۷۹م، وقد خلص الرئيس«السادات» إلى أن الولايات المتحدة هي التي تتحكم في«إسرائيل»، وأن معضلة مصر هي أساسًا مع«إسرائيل»؛ لذلك فإن تأمين مصر من«إسرائيل» وعدوانها المستمر عليها يقضي بأن تكون مصر و«إسرائيل» معًا في قبضة الولايات المتحدة، بل كان الرئيس «السادات» يحلم بأن يحل في قلب واشنطن محل«إسرائيل»، وهذا الحلم لا علاقة له بالواقع الذي لم يكن«السادات» قادرًا على استيعابه، وقد ظن«السادات» أن قبول«إسرائيل» كما هي يمكن أن يرفع سبب التوتر بين العرب و«إسرائيل»، وكان هذا العامل من أهم أسباب التوتر النسبي بين العرب والولايات المتحدة، أي أن«السادات» كان يريد أن يفصل العلاقة بين«إسرائيل» والولايات المتحدة.

في عهد المخلوع أصبحت علاقة مصر بواشنطن مرهونة برضا الكيان الصهيوني..وتحولت مصر من تابع إلى جلاَّب للأتباع

ترتب على ذلك أن«مصر السادات» قبل الكثير من صور الوصاية على مصر، ولكن«السادات» كان يعتقد أن مصر مستقلة، وهي التي تقبل أو ترفض، ويبدو أن طريقة«السادات» لم ترق لواشنطن و«إسرائيل»، أو أنه قدم كل ما لديه، وأنهما بحاجة إلى بداية جديدة.. فحدث الاغتيال وجاء«مبارك» مسلما تمامًا بأن مصر تابعة للولايات المتحدة، يؤكد ذلك عشرات الشواهد في علاقات البلدين مما لا يتسع له المقام، وتحولت مصر من تابع إلى جلاب للأتباع، ودفع الدول العربية جميعًا إلى الحظيرة الأمريكية، وهو يدرك أن«إسرائيل» تدخل حيث توجد للولايات المتحدة مصالح ووجود، ولذلك تطورت العلاقات المصرية الأمريكية ووصلت إلى حد أن واشنطن جعلت علاقاتها بمصر مرهونة برضا «إسرائيل» عن علاقاتها بها .

وصاية«إسرائيلية»

عندما كنت مسؤولًا في وزارة الخارجية، طالبت بضبط العلاقات بين مصر في الولايات المتحدة؛ اتهمت بأنني أخرج على الخط السياسي للدولة، وهو أمر كان يدعو حينها في بداية الألفية الثالثة إلى الدهشة قبل أن تتأكد الصورة الحقيقية لشكل العلاقات في ذلك الوقت.. بعبارة أخرى، فقد أصبح الأصل في علاقة مصر بالولايات المتحدة هو علاقتها بـ«إسرائيل»، وهذه نقلة خطيرة؛ لأن العلاقات المصرية الأمريكية لم تعد علاقات ثنائية، وإنما أصبحت هذه العلاقات أحد متغيرات العلاقات المصرية «الإسرائيلية» مما سمح بوصاية«إسرائيلية» كاملة على مصر، واختراق «إسرائيلي» كامل المفاصل الدولة المصرية حسبما أكد«عاموس يالدين» مدير المخابرات العسكرية«الإسرائيلية».

وكان استمرار هذا الوضع سببًا في تفاقمه وانتشار آثاره؛ وهو الذي دفع إلى قيام الثورة المصرية ضد«مبارك»-كنز«إسرائيل» الإستراتيجي-ولما كانت مصر في عهد«مبارك» ترى العالم وترى نفسها بعيون أمريكية و«إسرائيلية»، فقد عجبت الأبواق النظام السابق الذين لم يسلموا بانتهاء الدور الإقليمي الوطني لمصر، وتسخير مصر في أدوار تدعم المشروع الأمريكي الصهيوني في كل القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية.

مصر الثورة

والمسألة ببساطة هي أن الثورة تريد مصر دولة مستقلة، وليست دولة تابعة؛ ولذلك لا معنى لما تقوله الأطراف المصرية والأمريكية من أنها تلتزم بالمحافظة على نمط العلاقات مع واشنطن، ولا يهمها الشخص الذي يحكم مصر إسلاميًا كان أو غيره مادامت المصالح الأمريكية في مأمن، والأطراف المصرية التي ترى هذا الرأي إما أنها تصدر في ذلك عن إغفال المضمون المصالح الأمريكية، وإما أنها لا تريد الآن أن تبدأ صفحة جديدة قبل أن تتم المرحلة الانتقالية، علمًا بأن واشنطن تدس أنفها في كل شيء في مصر، خاصة في هذه المرحلة؛ حتى تضمن نتائج المرحلة لصالحها. 

والحق أن هذا المنطق لا يتفق مع الواقع ولو كان«مبارك» وحده هو الذي سجد لواشنطن وإسرائيل دون أن يجر مصر إلى هذه الأصنام لكان عمله مقبولًا، ولكن مبارك كان مطلوبًا بسبب مصر، وهو في ذاته دون مصر لا قيمة له، فلما انتزعته واشنطن و«إسرائيل» من صدر مصر سقط في سلتهم، وخرج الشعب المصري يبحث عن رأس يحقق له الاستقلال.. ولذلك، فلابد لواشنطن أن تستعد للتعامل مع دولة مستقلة بما يترتب على ذلك من آثار، وأن محاولاتها إغفال هذه الحقيقة سيعصف بمصالحها، وتسجل واشنطن أكبر هزيمة لها ولسياساتها في مصر والعالم العربي، وهذه نكسة كبرى لا تحتملها«إسرائيل»؛ ولذلك فإن«إسرائيل» قد تحث واشنطن على التريث في ترتيب الأوضاع في مصر، وألا تعتمد اعتمادًا تامًا على بعض التحالفات الفوقية لصالح أوضاع معينة فالمقطوع به أن فترة«مبارك» بكل ما تضمنته من مظاهر التبعية لواشنطن لن تعود، وأن صفحة جديدة منطقية يجب أن تكتب، وبدلًا من أن تكتبها مصر وحدها فمن الحكمة أن تشترك واشنطن بعقلية جديدة في كتابتها. 

فمن المعلوم أهمية مصر لكل من«إسرائيل» والولايات المتحدة، ولكن هذه الأهمية أغرت الدولتين باتباع عدد من السياسات التي أفرغت مصر من مصريتها وعروبتها وإسلامها وأفرغت المصريين من أخلاقهم، واستندت«إسرائيل» والولايات المتحدة إلى تشجيع الفساد، واطمأنت الدولتان إلى أنه قد تم إجراء عملية جراحية نهائية لمصر، بحيث قطعت صلتها تمامًا بمصالحها وعروبتها وإسلامها خاصة بمساندة القمع والاستبداد وإرهاق الشعب وإذلاله، وكلها سياسات تكفي عندهم للفراغ من مصر، وعدم أخذها في الاعتبار في أي قرار يخص المنطقة سوى أن تكون مصر ترسًا لسياساتها في المنطقة والمطلوب الآن أن تستقل مصر بتحديد مصالحها وأولوياتها وخياراتها وهويتها بحيث تعود دولة عربية إسلامية، وإلى ساحة حركتها في أفريقيا وغيرها من الساحات.

سيناريوهات للتعامل

أمريكا تسعى لتطويع الأوضاع في مصر بعد الثورة..حيث تتغير الوجوه دون المساس بالمصالح

وهناك ثلاثة مناهج الرسم العلاقة الجديدة بين مصر الجديدة وكل من «إسرائيل» والولايات المتحدة، على أساس أن الدولتين تتحكمان في مداخل مصر ومخارجها، ولهما أعوان وأتباع وعيون.. المنهج الأول هو تطويع الأوضاع في مصر؛ بحيث تتغير الوجوه والسياسات دون المساس بجوهر المصالح الأمريكية و«الإسرائيلية»، وهذا المنهج هو ما تفضله الولايات المتحدة و«إسرائيل»، ولكنه سوف يتصادم في أولى محطاته مع الشعب المصري وطموحاته، وقد يطيح بالحكومات المتعاونة في تنفيذ هذا المنهج.. المنهج الثاني هو تعديل الأهداف الأمريكية دون الأخذ في الاعتبار كل الأهداف«الإسرائيلية»؛ هذا المنهج يؤدي إلى الصدام مع «إسرائيل» من جانب مصر والولايات المتحدة، ويفترض أن المصالح الأمريكية تنفصل عن المصالح«الإسرائيلية»، وهذا وهمٌ كبير وقع فيه «السادات»، وأورثنا هذا الوهم كل هذا الواقع المرير.. المنهج الثالث هو أن تزرع الأشواك في المنطقة حول مصر، وتترك لنظامها الجديد فرصة الموازنة بين مصالحه مع واشنطن أو المواجهات المستمرة؛ فيلعن الشعب نظامه، ولا يتمكن الشعب من أن تقف مصر على قدميها بسبب هذه التحديات. 

وقد جربت واشنطن المنهج الثالث مع«مصر عبد الناصر»؛ فأسقطت نظامه وأسقطت مصر منذ ذلك اليوم البعيد، ولا شك أن الأوضاع اليوم قد تغيرت تغيرًا جذريًا، وأن الشعب المصري يثور ثورة شاملة لأول مرة، ولذلك فإنه لأول مرة أيضًا سوف يقرر مصيره في ضوء المتغيرات الأخرى، وعلى الأطراف جميعًا بما فيها«إسرائيل» والولايات المتحدة أن تستعد للتعامل مع الأوضاع الجديدة في مصر.

(*) أستاذ القانون الدولي-مصر.

الرابط المختصر :