العنوان فرنسا تكيف سياستها الإفريقية مع المنافسة الأمريكية
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997
مشاهدات 61
نشر في العدد 1263
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 19-أغسطس-1997
منذ انتهاء الحرب الباردة خف الصراع بين القوى الكبرى حول النقاط الساخنة في العالم عدا القضية الفلسطينية، ومنطقة الشرق الأوسط لخصوصيتها.
وتعتبر القارة السوداء من أهم المناطق التي شهدت تحولات في موازين القوى الدولية؛ باعتبارها كانت ميدانًا للصراع بين القطب الأمريكي الغربي والقطب السوفيتي الشيوعي.
وبعد سقوط جدار برلين، وتصاعد موجة المطالبة بالحريات وحقوق الإنسان، أضحت سياسة مساندة الأنظمة على حساب الشعوب في الميزان، ومن أكبر القوى المتضررة من هذه السياسة تلك التي تعاملت بعقلية استعمارية مع البلدان المتخلفة أو النامية.
وتعتبر سياسة فرنسا الإفريقية النموذج الحي للتحولات في ميزان القوى في القارة السمراء، فقد أثارت المنافسة الأمريكية لبقية القوى في هذه القارة إشكالات كبرى بالنسبة لهذه القوى التي اضطرت إلى التكيف مع الواقع الجديد.
في هذا الإطار تندرج زيارة آلان ريشار وزير الدفاع الفرنسي إلى كل من الجابون، وتشاد، وجمهورية إفريقيا الوسطى، والتي تنتمي إلى الكتلة الفرانكفونية في إفريقيا، وقد سعت الحكومة الفرنسية إلى التخفيض في التواجد العسكري الفرنسي، مع الإبقاء على مصالح حيوية فرنسية بهذه القارة، علمًا بأن فرنسا تمتلك هناك ست قواعد عسكرية قائمة باستمرار، يتواجد بها ثمانية آلآف جندي.
ويتمثل مشروع الحكومة الاشتراكية الفرنسية الجديدة برئاسة ليونال جوسبان في إغلاق القاعدة العسكرية بمنطقة «بوار» غربي جمهورية إفريقيا الوسطى والتخفيض التدريجي في عدد الجنود بقاعدة «بياف» بالعاصمة بانغي.
والملاحظ أن هذه الإجراءات تتركز على جمهورية إفريقيا الوسطى لتدهور الأوضاع الأمنية في هذا البلد، وباعتبار أن الفرنسيين هم أكثر الأطراف الأجنبية استهدافًا في المنطقة، فإن التحويرات القائمة تأخذ بعين الاعتبار بدرجة أولى أمن الجنود الفرنسيين.
وفي نفس الوقت تكون الحكومة قد سايرت رئيس الدولة جاك شيراك -صاحب الكلمة العليا في الملفات الخارجية والعسكرية- في مشروعه الهادف أساسًا إلى تخفيض العدد الإجمالي للجنود الفرنسيين من (500) ألف إلى (350) ألف في إطار سياسة تحديث الجيش الفرنسي التي تقوم على أساس الحرفية، وتطوير أدائه بأقل تكاليف وأقل نسبة عددية، لكن هذه الاستجابة تبقى قاصرة على الأهداف الكبرى المتفق عليها بين طرف السلطة التنفيذية «رئاسة الدولة والحكومة» اللذين يعرفان تجربة تعايش جديدة منذ فوز اليسار بأغلبية المقاعد في البرلمان خلال الانتخابات التشريعية في يونيو الماضي.
فالحكومة الجديدة لها تصوراتها الخاصة بشأن تنزيل وتنفيذ السياسية الإفريقية المتفق عليها بين رئيس الدولة والحكومة من حيث التوجهات الكبرى، ومعلوم أن الاشتراكيين كانوا -وهم في المعارضة- يطالبون بشدة بإعادة النظر في هذه السياسة التي لا تخدم في نظرهم المصالح الفرنسية، والمقصود بذلك مراجعة مسألة المساندة غير المشروطة لأنظمة إفريقية، ولو كانت دكتاتورية بحجة وجود اتفاقيات تعاون عسكري بين فرنسا وهذه البلدان، مع الإشارة إلى أن البلدان التي تتواجد بها قواعد عسكرية فرنسية، تربطها بفرنسا اتفاقية تسمح للقوات الفرنسية باتخاذ هذا البلد كمحطة.
وكانت الحملة الانتخابية الأخيرة فرصة للاشتراكيين لنقد سياسة شيراك في الكونغو الجديدة (زائير) بسبب مساندته القوية لموبوتو إلى نهاية المطاف، في حين كانت الأمور تسير في هذا البلد نحو انقلاب موازين القوى لصالح كابيلا وقواته الزاحفة على العاصمة، الشيء الذي جعل هذا الأخير يرتمي في أحضان الأمريكان الذين وظفوا التحولات في هذا البلد الإستراتيجي لفائدتهم من أجل تعزيز حضورهم في القارة الأفريقية، ومنافسة فرنسا في أهم مناطق نفوذها.
كما انتقد الاشتراكيون سياسة اليمين الفرنسي في الجزائر ومساندته للمؤسسة العسكرية دون مراعاة الأطراف الأخرى من أجل إحداث نوع من التوازن المطلوب للحفاظ على المصالح الفرنسية في هذا البلد المغربي الذي تربطه بفرنسا علاقات تاريخية وسياسية واقتصادية هامة.
وكان خطاب الاشتراكيين مركزًا على ضرورة احترام إرادة الشعوب وحقوقها، وبالطبع فإن هذا الخطاب ينزل في إطار الحملة الانتخابية، والواقع إما يصدقه أو يكذبه بتغير الحكومات، مثل حماية المصالح الفرنسية في القارة الإفريقية وخارجها، ولذلك تسعى الحكومة اليسارية الفرنسية الجديدة إلى إحداث إصلاحات جوهرية فيما تمتلكه من صلاحيات، مثل التخلي عن وزارة الدولة للتعاون باعتبارها أصبحت تمثل «رمزًا للعلاقات الفرنسية الإفريقية تم تجاوزه» حسب غاي لابرتيت الموفد الوطني لإفريقيا، ومقابل ذلك تنوي الحكومة الفرنسية استحداث وزارة للتنمية والتضامن الدولي، تحت الإشراف المباشر للوزير الأول (جوسبان) وتدخل في إطارها كل عمليات التعاون التي تكلف بها وكالة كبرى تكون تحت رقابة البرلمان.
ثم إن الحكومة الفرنسية تواجه تحديات جمة بشأن العجز في الميزانية، وهي ملتزمة بإجراءات تقشفية واسعة النطاق لتغطية النسبة الكبرى لهذا العجز من أجل الاستعداد للدخول في نظام العملة الأوروبية قبل عام 2000، والإجراءات التقشفية تمس أيضًا العلاقات الخارجية، وضبط المصاريف المقدمة باسم التعاون والتنمية، والتي تحول في كثير من الأحيان إلى مصادر ثراء فاحش لطبقة من السياسيين وحاشيتهم في بعض البلدان النامية في إفريقيا على وجه الخصوص، ولا تستفيد منها شعوبهم، الأمر الذي يشجع العاطلين عن العمل والشباب في هذا البلدان إلى التفكير في الهجرة إلى البلاد الغنية أو المعروفة بتطورها الحضاري المادي؛ من أجل البحث عن مورد رزق، وفرنسا هي إحدى البلدان الغربية التي يقصدها المهاجرون لأسباب اقتصادية أو لأسباب سياسية (طلب اللجوء السياسي هربًا من الظلم والدكتاتورية).
من هذا المنطلق تعمل الحكومة الفرنسية على ترشيد المصاريف عمومًا ومصاريف التعاون والتنمية خصوصًا في إطار معالجة ملفات اجتماعية واقتصادية كبرى، والعلاقات الفرنسية الإفريقية تكتسب هذا البعد الاجتماعي الاقتصادي؛ لأن طبيعة السياسة المتبعة لها آثارها في كل المجالات على المستوى الفرنسي والإفريقي.
المعادلة الصعبة:
لكن يبقى هاجس السياسيين الفرنسيين هو منافسة الأمريكان لهم في مناطق نفوذهم، وبناء عليه فإن السياسة الإفريقية لفرنسا تقوم مستقبلًا على محاولة التوازن بين متطلبات الحضور الفرنسي في إفريقيا والتحولات التي تشهدها هذه القارة؛ أي تعزيز الكتلة الفرنكفونية والمناطق التي تهم المصالح الفرنسية (مثل شمال إفريقيا) أخذًا بعين الاعتبار مصالح الأنظمة والشعوب في نفس الوقت، وهذه المعادلة الصعبة هي الضامن الوحيد لاسترجاع المصداقية التي اهتزت لدى الطرفين (الأنظمة والشعوب).
فالطرف الأول يريد ضمانات عن عدم تخلي فرنسا عنه في الفترات الحرجة، وإلا فإن بعض هذه الأنظمة يوحي بإمكانية التوجه إلى الأمريكان كبديل عن الفرنسيين، والطرف الثاني يريد احترام كرامته وحريته؛ ذلك أن موجة الديمقراطية وصلت إفريقيا، ولا يمكن التغاضي عن تصاعد المطالب الشعبية في الحرية والديمقراطية، وبين طرفي المعادلة، تجد فرنسا نفسها في موقف حرج أمام تنامي التنافس الأمريكي في المنطقة.
ولعل التحفظ الذي تعاملت به فرنسا مع الأزمة الأخيرة في جزيرة أنجوان التابعة لجزر القمر- يعكس هذا التوجه الجديد في عدم رغبة باريس في بروزها كطرف مباشر في الأزمات الداخلية، إذ لم تستجب إلى مطالب الانفصاليين في هذه الجزيرة بالانضمام إلى فرنسا، ودعت الأطراف الإقليمية والدولية (منظمة الوحدة الإفريقية مثلًا) إلى التدخل لحل هذه الأزمة.
والسؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن لفرنسا أن تحافظ على هذه المعادلة الصعبة، في ظل المنافسة الأمريكية المتصاعدة، وفي ظل تجربة تعايش سياسي هشة بين اليمين واليسار؟
الأزمة في الكونغو برازفيل:
جهود مترددة تثير الإحباط.
يؤكد وسطاء الصراع الكونغولي بين حين وآخر وجود بوارق أمل في الحل، لكنها سرعان ما تتلاشى الآمال خلف أزيز الرصاص ودخان المعارك، التي لا تكاد تهدأ حتى تنفجر في طرف من أطراف العاصمة برازفيل.
فقد تجددت المعارك العنيفة في الأسبوع الماضي في وقت أعلن فيه مبعوث الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية- محمد سحنون عن إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية في الكونغو برازفيل، بعد أن وافق طرفا النزاع على ذلك بشروط قابلة للمساومة والنقاش.
وكانت نهاية الأسبوع الأول من شهر أغسطس الحالي قد حفلت بسلسلة لقاءات عقدها سحنون مع طرفي النزاع؛ وذلك لتجاوز العراقيل والصعوبات التي اعترضت ممثليهما في مفاوضات العاصمة الجابونية «ليبرفيل» وبارقة الأمل الأخيرة هذه التي لا تستند إلى ضمانات واضحة تمنحها الصمود، أكدها رئيس لجنة الوساطة الوطنية برنار كولباس، حيث نسبت إليه تصريحات أدلى بها للإذاعة الرسمية الكونغولية قال فيها: إن الرئيس الكونغولي باسكال ليسوبا وافق على اقتراح لجنة الوساطة الدولية بتشكيل حكومة وحدة وطنية لحل الأزمة في الكونغو، وذكر كولباس وهو عمدة بلدية برازفيل إنه نقل ذلك إلى كل من المبعوث الدولي محمد سحنون، والرئيس الجابوني عمر بونغو.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يدعو فيها الرئيس ليسوبا إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية؛ فقد دعا إلى ذلك غداة الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية التي عقدت في شهر يوليو من سنة 1992م، حين اقترح أن تشكل حكومة وحدة وطنية من الأحزاب الخمسة المسيطرة على مقاعد البرلمان.
وكانت تصريحات منافس الرئيس سيسوانغيسو وقتها لا توحي بالموافقة على ذلك؛ إذ قال أكثر من مرة إنه سيدخر كل جهوده للانتخابات الرئاسية المقررة عام 1997م، والتي كانت الاستعدادات لها سببًا مباشرًا -ضمن أسباب أخرى- في تفجر الأزمة الحالية في الكونغو.
ولا شك أن الكونغو لن تسلم من شرارات الصراع المتقد في منطقة البحيرات الكبرى منذ سنوات، مع كونها مثقلة بالمعاناة الذاتية منذ دخولها في المنعطف الديمقراطي في ديسمبر من سنة 1991م، عندما أعلن ساسوا نغيسو تخليه عن الأيديولوجية الماركسية كخطوة تجاوب مع المناخ الدولي السائد حينئذ، وأشرف على تنظيم مؤتمر الحوار الوطني سنة 1991م، والذي تمخض عنه الاستفتاء على الدستور سنة 1992م، وفي نفس السنة أجريت الانتخابات التشريعية والرئاسية من دورين، وشارك في الانتخابات الرئاسية ستة عشر مرشحًا، وتنافس في دورها الثاني باسكال ليسوبا البالغ من العمر (66) عامًا، وبارناركوليلاس، وفاز الأول بنسبة (61%) من الأصوات، فيما أبعد سيسوانغيسو في الدور الأول من الانتخابات ليكون بذلك ثالث رئيس إفريقي يتخلى عن منصبه ديمقراطيًا، حيث سبقه ماثيو كيركو رئيس بنين، وكينث كاوندا رئيس زامبيا.
ورغم تعثر التجربة الديمقراطية في الكونغو وتفاقم الولاءات العرقية، ورغم الضغط الهائل الذي واجهه باسكال، فما زال المهتمون بالشؤون الكونغولية يرشحونه للقيام بأدوار مهمة للخروج من الأزمة الراهنة؛ باعتباره صاحب تجربة علمية ونضالية كبيرة، فقد ألف حول قضايا الديمقراطية والتنمية، ومارس المعارضة السياسية، ودخل السجن عدة مرات، وحكم عليه بالإعدام سنة 1968م حتى تدخل عمر بونغو لإنقاذه.
ومهما تكن نتائج جهود لجان الوساطة في الأزمة الكونغولية وبوادر الأمل التي تظهر وتخبو، فإن البلاد تعيش مرحلة خطر حقيقي؛ حيث حصدت المعارك -منذ بداية يونيو حسب تقديرات المراقبين- نحو أربعة آلآف قتيل في برازفيل، وعاد آلآف المواطنين إلى قراهم ومناطقهم الأًصلية هربًا من الحرب والمنافسات، في وقت مازالت فيه الجهود الدولية متباطئة ومترددة. - محمد سالم الصوفي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل