العنوان فشل القمة بين الابتزاز ولعبة اللاسلم واللا حرب.
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1981
مشاهدات 62
نشر في العدد 552
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 15-ديسمبر-1981
وزير بريطاني سابق: لن تقوم مبادرة عربية بعد الآن لتجمع العرب في صف واحد.
العرب في سياسة (اللا سلم واللا حرب) التي تريد الدول الكبرى استمراراها في المنطقة.
الولاءات السياسية للدول الكبرى ترسم مواقف بعض الأنظمة العربية.
روسيا دفعت سوريا إلى إفشال المؤتمر لأنها لم تقبض 16 مليار دولار من القمة بحجة شراء السلاح الروسي.
عندما نادى بعض العرب بعيد حرب تشرين «أكتوبر» بطرح الحل السلمي وإبعاد البندقية ضمن سياسة غصن الزيتون.. وبعد أن وقف معظم العرب اليوم بانتظار مبادرة ما تنهي «الخلاف العربي الإسرائيلي» في إطار حل سلمي يضع ملف القضية الفلسطينية على الرف.. بعد كل هذا بتنا نعتقد بصحة ما ذكره «السير أنطوني ناتنغ» وزير الخارجية البريطاني إبان حرب السويس عام (١٩٥٦)، والذي ما زال يراقب السياسة الدولية في المنطقة العربية بآخر تطوراتها، فقد قال كتعقيب على مشاهداته قبيل انعقاد مؤتمر القمة الأخير في فاس: «لن تقوم مبادرة عربية ما بعد الآن لتجمع العرب في صف واحد، وإذا قامت فلن تنجح أبدًا؛ لأن العرب يرفضون التحرير العسكري، كما يعلنون رفضهم للحل السلمي الأكيد».
ولعل الوزير البريطاني الأسبق يقصد «بالمبادرة» محتوى سياسيًا عربيًا يدفع الأنظمة العربية الحاكمة من مرحلة اللا سلم واللا حرب، وينقلها إلى وضع آخر أمام دولة اليهود، سواء أكان الوضع الجديد هو الصلح أم الحرب. وإذا عدنا إلى الشق الأول من قول الوزير البريطاني المذكور؛ فإننا نجد مقولته واقعًا بل هو عنوان للسياسة العربية الحالية، التي أحجمت منذ مدة عن الإعداد لتحرير عسكري، بما في ذلك جبهة الدول التي تصف نفسها بالتصدي أو الصمود، وأما الشق الثاني وهو قوله: «يعلنون رفضهم للحل السلمي الأكيد»، فهو يقودنا إلى أسئلة كثيرة منها:
كيف نفهم مبادرة الأمير فهد السلمية التي كانت موضوعة في جدول قمة فاس الفاشلة؟
وكيف نفهم الخلاف العربي في القمة المذكورة أمام هذه المبادرة؟
وما هي حقيقة المواقف العربية من مسألة الحرب والسلم مع العدو اليهودي اللدود؟
على أن المراقب المسلم السيرورة الأحداث العربية الأخيرة لن يتمكن أن يستخلص الإجابة قبل أن يقف علىحقيقة المواقف الدولية من قضية حرب العرب وسلمهم مع الدولة اليهودية، وفهم المواقف الدولية في هذا المقام من مستلزمات فهم الموقف العربي الغامض، لسبب بسيط هو موضوع الولاءات لدى الأنظمة في العالم العربي.
الولاءات السياسية التي ترسم خطوط المواقف العربية في موسكو وواشنطن وباريس ولندن!!
الولاءات السياسية التي ما زالت تدخل الأنظمة العربية في صراعات محلية حول النهج السياسي للأمة إزاء القضية الفلسطينية!!
الولاءات والارتباطات بالمعسكرات الدولية التي صارت هي المفضلة لدى بعض الأنظمة على القيم العربية والمبادئ الإسلامية الأصيلة.
ومن السهولة بمكان أن يسرد المراقب المسلم عشرات الأمثلة والشواهد تبين أثر اختلاف ولاءات الأنظمة الحاكمة في العالم العربي على بروز التناحر السياسي على حساب إيجاد الموقف الموحد إزاء أية قضية، وليأخذ قارئنا مثلًا سريعًا على ذلك من حرب الخليج التي يقاتل فيها العراق، بينما البيانات السورية تقف إلى جانب الموقف الإيراني في هذه الحرب، وقد يتطور الخلاف العربي في بعض الحالات إلى مستوى الحشود العسكرية والحرائق الداخلية كما يحدث في لبنان، وكما حدث منذ شهور على الحدود السورية- الأردنية؛ لتبقى بعد ذلك القضية الفلسطينية ذات موضوع شبيه بقضية قميص عثمان يتمسح به كل ذي حاجة.
ولعلنا إذا أردنا بعد هذا تحديدات أخرى عامة للمواقف العربية من حقيقة الصراع العربي- الإسرائيلي، فإنه يحسن بنا أن نمر سريعا على المواقف الدولية الرئيسية من هذه الحقيقة من خلال السؤال التالي:
ما حقيقة المواقف الدولية من الصراع أو السلام العربي الإسرائيلي؟ هنا نصنف الإجابة في ثلاثة مواقف أساسية:
1- الموقف الروسي:
لقد أثبت الروس خذلانهم العرب فيقضية التحرير عبر الحروب الماضية، وأعلنوا أنهم انضموا إلى الفريق القائل بحل المشكل العربي الإسرائيلي من خلال أروقة مجلس الأمن والأممالمتحدة، لكن هذا الإعلان لا يعني أنهم يرغبون إنهاء المشكل العربي- الإسرائيلي نهائيًّا، فهناك حقيقة تفيدنا بأن الروس هم من أول الأطراف المستفيدة من حالة التوتر السائدة في المنطقة ضمن سياسة اللا سلم واللا حرب؛ لذا فإن كثيرين من المراقبين يجزمون بأن الروس في كثير من الأحيان هم الذين ينفخون عبر الأبواق العربية في دمشق وطرابلس الغرب وعدن معلنين رفضهم للتسوية، وسر ذلك هو أن العواصم العربية يجب أن تبقى سوقًا مفتوحة للسلاح الروسي ضمن ظرف يضمن استمرارية ولاءات بعض الأنظمة العربية الثورية للكرملين الشيوعي.
2- الموقف الأمريكي:
الأمريكان في معظم تصريحاتهم يقفون إلى جانب دولة اليهود بالنسبة لقضية الصراع أو السلام مع العرب، وهم غير مستعدين كما تدل المؤشرات للضغط على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب إلى حدود ١٩٦٧ ضمن تسوية سلمية شاملة في المنطقة، بل إنهم غير متهيئين أبدًا لإملاء بعض المبادرات التي تحمل إسرائيل على الطاعة كما كان يزعم الرئيس المصري السابق أنور السادات.
وعلى الجانب الآخر فإن الولايات المتحدة جعلت من إسرائيل طيلة السنوات الماضية ثكنة عسكرية هائلة للتصدي للعرب من خلال نظرية الأمن الصهيونية التي تنادي بها الحكومة اليهودية، على أن الولايات المتحدة لم تخجل في أحد الأيام من إعلان خضوعها لهذه النظرية العدوانية؛ لذا فإن كارتر وريغان ومن قبلهما فورد ونيكسون يقيمون الموقف السياسيوالعسكري، الحربي والسلمي في المنطقة على أساس من هذه النظرية، وبمعنى آخر فإن السلوك اليهودي إزاء هذه القضايا هو الذي يحدد الفهم الأمريكي والمعالجة الأمريكية.
وبما أن اليهود لا يريدون سلامًا حقيقيًّا، كما أنهم لا يرغبون في استمرارية شن الحروب المستديمة لظروف وعوامل كثيرة، فإن الموقف الأمريكي يظل بناء على ذلك متذبذبًا بين سياسة اللا سلم وسياسة اللا حرب؛ لتكون نتيجة الموقف على الجانب الأمريكي هي نفسها محصلة الموقف على الجانب الروسي.. لا سلم ولا حرب!!
3- الموقف الأوروبي:
ربما يكون الأوروبيون أبعد عن مسرح الشرق الأوسط من الأمريكان والروس من الناحية السياسية، ومع ذلك فإنما- كما يبدو- أكثر جدية في طرح المبادرات، ومهما كانت محتويات تلك المبادرات وأهدافها، فإن لهم تميزًا يميزهم عن الروس والأمريكان، وإن كانوا لم يقدموا للجانب العربي أية مساعدة حتى الآن.
بعد أن عرضنا الموقف الروسي على جوانبه الثلاثة، فإننا نقول باختصار:
۱- إن المواقف الدولية من القضية الشرق أوسطية والصراع العربي الإسرائيلي ينقسم إلى ثلاثة إتجاهات، وذلك بسبب انعكاس المواقف الدولية المذكورة عليها.
٢- إن المواقف العربية.. ذات الصلة بولاءات دولية ما، يتحدد موقفها بمواقف الدول التي تواليها، والتي تكاد أن تكون تسلك موقف اللا سلم واللا حرب من القضية الفلسطينية.
3- إن مسألة اللا سلم واللا حربكسياسة انتهجتها في الحقيقة معظم الأقطار العربية، وتؤكد أن الأقطار الثورية هي صاحبة هذه السياسة أصلًا.
..إن هذه المسألة صارت ألعوبة بيد الدول الكبرى هدفها أمران:
الأول: الابتزاز المالي للدول العربية، ولا سيما دول النفط التي باتت بقرة حلوبًا.
الثاني: إيقاع الصراعات على بعض الحدود للانشغال عن قضية العرب الأولى في التحرير الصادق.
وإليك- أخي القارئ- في ختام الموضوع هذه الوثيقة التي نشرتها مجلة المدينة المنورة يوم 25/11/1981م، أي يوم عقد الجلسة الافتتاحية لمؤتمر القمة في فاس.
«علمت المدينة من مصدر وثيق الصلة بمؤتمر القمة الثاني عشر أن الاتحاد السوفييتي يضغط على سورية لكي يحصل من القمة العربية على مبلغ خمسة عشر مليار دولار ليستعين بها في تمويل عملياته في أفغانستان.. وقال هذا المصدر للمدينة تعقيبًا على طلب السوريين (١٦) مليار دولار: إن المبلغ الذي يطالب به السوريون هو خمسة عشر مليار دولار، وقال: إن الاتحاد السوفييتي يعطي سورية
السلاح بدون مقابل».
هذا ما نقله مصدر وثيق الصلة بمؤتمر القمة ليلة انعقاده.. وقبل حدوث الأزمة التي افتعلتها سورية داخل أروقة المؤتمر بوجود خدام، ونميل إلى الإعتقاد هنا أن توقف جلسات القمة بدأت من هنا؛ حيث دخل خدام كمساوم قبل أن يحضر كمفاوض.