العنوان فشل المواجهة العسكرية.. هل يدفع الجزائر إلى المصالحة؟
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995
مشاهدات 57
نشر في العدد 1156
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-يوليو-1995
- 3سنوات من الصراع المسلح تؤكد أن الحلول الأمنية وصلت لطريق مسدود.. ولم يبق إلا طريق الحوار
قبيل حلول الخامس من شهر يوليو الجاري ذكرى عيد الاستقلال الوطني الجزائري نشط الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية عن تحولات جذرية، وتغيرات سياسية ينتظر أن يكشف عنها في الأيام القليلة المقبلة، خصوصًا ما يتعلق منها بجبهة الإنقاذ وإطلاق سراح زعمائها المسجونين منذ إلغاء نتائج انتخابات ۱۹۹۲م.
وتأتي هذه التحولات في ظل تحركات واسعة من طرف السلطة والفاعليات السياسية لإيجاد تسوية سياسية للأزمة قبل نهاية العام، ويتوقع أغلب المراقبين للوضع في الجزائر أن تؤدي تلك التحركات إلى تغيير مرتقب في موقف السلطة كما في موقف جبهة الإنقاذ باتجاه مصالحة وطنية تنهي حالة الأزمة، وتعيد الحلول السلمية إلى الواجهة بعد أن فشلت أطراف النزاع في حسم الموقف عسكريًا.
وضمن هذا المسعى المزدوج يدور الحديث منذ مدة عن اتصالات مستمرة بين زعماء الإنقاذ المسجونين والمفرج عنهم، وبين المؤسسة العسكرية ممثلة في شخص الجنرال «محمد بنشين» مساعد الرئيس الأمين زروال.
السلطة تسعى إلى عزل المتشددين:
موقف السلطة من التحاور والتفاوض مع زعماء الإنقاذ لم يكن جديدًا، إنما أعلنه المجلس الأعلى للدولة في بيان أصدره يوم ۲۳ نوفمبر «تشرين الثاني» ١٩٩٤م، أكد فيه شروع اللجنة الوطنية للحوار في اتصالات مع عدد من قادة الإنقاذ الذين لم يثبت تورطهم في جرائم العنف.
وفي منتصف ديسمبر «كانون الأول» الماضي أصدرت اللجنة للحوار أرضية عمل أولية لما سيتضمنه مؤتمر المصالحة جاء فيها: «إن أعضاء جبهة الإنقاذ وشخصياتها القيادية لها الحق الكامل في المشاركة في الحوار الوطني على نفس قدم المساواة مع بقية الفعاليات السياسية، بشرط ألا يكون هؤلاء المتحاورون متورطين في أعمال الإرهاب أو شاركوا في دعمها أو التشجيع عليها, والتيار الإسلامي اليوم حقيقة وواقع لا جدوى من محاولة تجاهله أو إلصاق تهمة الإرهاب بكافة عناصره وتنظيماته».
وبدا واضحًا من الجملة الأخيرة في البيان أن السلطة تسعى إلى عزل المتشددين الذين حملوا السلاح ودخلوا في مواجهة عسكرية معها، وهذا الموقف من السلطة جاء نتاج ضغط الأعمال المسلحة التي عرفت تصعيدًا خطيرًا منذ مطلع خريف ۱۹۹۲م، صاحبتها عمليات تخريب لعدد من المصانع والمنشآت الاقتصادية ضمن استراتيجية تهدف إلى فشل الاقتصاد ومضاعفة المصاعب التي يواجهها.
ومع تولي زروال رئاسة الدولة ووزارة الدفاع أصبحت السلطة في كل مساعيها تراهن على محورين أساسيين:
- تحقيق وفاق وطني يضم أكبر عدد ممكن من الفعاليات السياسية، ويقوم على مناهضة العنف بهدف عزل المتطرفين الإسلاميين سياسيًا واجتماعيًا.
- مواصلة العمل بالحلول الأمنية العسكرية ضد الجماعات المسلحة ومحاولة القضاء عليها عسكريًا في ميدان المواجهة، وهو ما تعهد به الجنرال «محمد لعماري» الرجل القوي في المؤسسة العسكرية.
عبد القادر حشاني
العنصر الجديد في المعادلة:
بعد التأكد من أن عملية الوفاق الوطني لا يمكن أن تتم في غياب جبهة الإنقاذ الطرف الأساسي في النزاع، وتحت ضغط أهم التكتلات السياسية التي دعت إلى إشراك جبهة الإنقاذ في الحوار ومشروع المصالحة الوطنية, اتجهت السلطة في تحاورها مع الإنقاذ إلى عناصر قيادية تعتبرها معتدلة، وفي طليعة هذه العناصر السيد عبد القادر حشاني الذي تردد اسمه كثيرًا في الآونة الأخيرة كرجل قوي ومعتدل يمكنه إنقاذ عملية الحوار مع السلطة من التقلبات المتوقعة, وذكرت التقارير أنه انضم مؤخرًا إلى الشيخين عباس مدني، وعلي بلحاج في عمليات تحاورهما مع السلطة في إقامتهما الجبرية بالعاصمة الجزائرية، وتردد بأنه لعب دورًا كبيرًا في إقناع علي بلحاج بالتنازل عن بعض شروطه القاسية، ومواقفه المتشددة من أجل المصلحة العامة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه, كما يذكر أن حشاني لعب دورًا مهمًا أيضًا في تهدئة الأوضاع أثناء أحداث سجن «سركاجي» الذي كان يقيم فيه بانتظار محاكمته.
ومعلوم أن حشاني استخلف من عباس مدني في رئاسة الإنقاذ بعد أحداث يونيو ۱۹۹۱م، ونجح في تهميش الجناح الذي أراد تبني العمل المسلح آنذاك، وعاد بجبهة الإنقاذ إلى العمل السياسي، وبعد إبعاد المتشددين وتحجيم نشاطهم، استطاع خلال ستة أشهر إخراج جبهة الإنقاذ من دوامة الانقسامات الداخلية التي أصابتها بعد اعتقال قادتها الأوائل، وعمل على ترميم صفوفها في فترة قياسية؛ بحيث كانت مستعدة لخوض الانتخابات التشريعية في ديسمبر ۱۹۹۲م.
ومع ذلك فما زال سؤال المحللين: هل سينجح حشاني ثانية في تهميش المتشددين وإقناع عموم أنصار الإنقاذ بالعمل السياسي السلمي للوصول إلى السلطة؟
يذهب بعضهم في الإجابة عن هذا السؤال إلى الاعتقاد بأن شخصية حشاني أصبحت الآن ضرورية في معادلة الصلح بين طرفي النزاع, لأنها تمثل إلى جانب شخصية عباس مدني ورابح كبير أقوى تيار معتدل في الإنقاذ يمكنه التوصل إلى هدنة تسمح باستتباب الأمن والسلم، وتوفير المناخ الملائم للعودة إلى صناديق الاقتراع.
تردد حسب أخبار غير مؤكدة إلى الآن أن التسوية المبدئية التي تم التوصل إليها مع قادة الإنقاذ في جولات الحوار الأخيرة مع السلطة, تقوم على جملة من التنازلات المتبادلة بين الطرفين كأن:
- تصدر السلطة عفوًا عامًا عن كل المعتقلين الإسلاميين الذين لم يثبت تورطهم بشكل مباشر في جرائم العنف.
- في مقابل أن تدعم الإنقاذ مشروع المصالحة وتدعو صراحة إلى نبذ العنف وعزل الجماعات المسلحة سياسيًا واجتماعيًا.
- أن تلتزم قيادة الجيش بإسناد السلطة إلى حكومة أو هيئة حيادية تتكلف بإعداد الظروف الملائمة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة.
- مقابل أن يتنازل زعماء الجبهة عن المطالبة برفع الحظر الفوري عن حزبهم كشرط مسبق للمشاركة في الانتخابات، ويتم بحث صيغ جديدة لضمان المشاركة سواء عن طريق تغيير اسم الحزب أو عن طريق دعم مرشح معين أو الدخول بقوائم مستقلة.
بدأ الحديث مبكرًا عن شخصيات وطنية تحظى بشرعية تاريخية، يمكن أن تترشح لمنصب رئاسة الدولة في الانتخابات الرئاسية التي أعلن الأمين زروال عن إجرائها قبل نهاية هذا العام، ومن أبرز هذه الشخصيات:
المرشحون للرئاسة بين الشرعية التاريخية والشرعية الإسلامية:
- أحمد بن بيلا – الرئيس الأول للجزائر بعد الاستقلال-, ويقول المحللون أن بن بيلا سيعتمد على سمعته الوطنية وعلى علاقاته الحميمة بقيادة الجيش في الفوز بمنصب رئيس الدولة، غير أن آراء أخرى تستبعد أي فوز للرئيس بمنصب الرئيس، وتذكر أن حزبه «الحركة من أجل الديمقراطية», لا يتمتع بالشعبية الكافية للفوز في انتخابات رئاسية وتصنعه ضمن الأحزاب الجهوية الصغيرة التي لا تحظى بتأييد شعبي واسع على مستوى الوطن.
- محمد الصالح يحياوي «عقيد متقاعد» تقلد في عهد بومدين في عدة مناصب سياسية وعسكرية مهمة، وشغل منصب الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني في عهد بومدين، واستطاع بفضل خطابه السياسي وأسلوب خطابته المتحمس كسب قلوب ومواقف شبيبة جبهة التحرير «الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية».
ويرى البعض أن ميله لمحاكاة الرئيس بومدين في مواقفه وخطابه، سيجعل منه شخصية براقة تستهوي قطاعًا كبيرًا من الشعب الجزائري الميال بطبعه إلى الخطاب المتحمس والمواقف الرجولية، ولعل الرجل سيعتمد في حملاته الانتخابية على خطاب ثوري، ومواقف وطنية، وعلى رصيده التاريخي والإسلامي، وهي عوامل مهمة في إمكانية نجاحه.
- مولود حمروش – شخصية سياسية مهمة في حزب جبهة التحرير– تقلد منصب رئيس الحكومة في عهد الرئيس من جديد، وقاد تيار «الإصلاحيين» في حزب جبهة التحرير الوطني، له نفوذ كبير في أوساط حزبه واتصالات منتظمة وعلاقات طيبة بالقيادة العسكرية، لكن على الرغم من ذلك لا يتوقع المراقبون نجاحه في الانتخابات الرئاسية القادمة بسبب النظرة السيئة التي تكنها له قطاعات كبيرة من الشعب أثناء توليه رئاسة الحكومة في عهد بن جديد.
- أحمد طالب الإبراهيمي «وزير الخارجية في عهد بومدين» يحظى بثقة كبيرة من طرف قادة الإنقاذ وفي الأوساط السياسية والعسكرية، ولا يستبعد المراقبون نجاحه في الانتخابات القادمة إذا لم يترشح الرئيس الحالي الأمين زروال.
قتل النقيضين.. هل يؤدي إلى المصالحة؟
بات من المؤكد بعد أكثر من ثلاث سنوات من الأزمة في الجزائر أن الحلول الأمنية «العسكرية» وصلت إلى طريق مسدود، فلا الجماعات المسلحة استطاعت خلخلة السلطة في العمق، ولا السلطة استطاعت القضاء عليها نهائيًا، ولم يبق أمام الطرفين الآن إلا الحل السلمي عن طريق الحوار بعد أن فشلت المحاولات المتكررة من جانب الجماعات المسلحة في تنظيم حركات تمرد شعبية مسلحة على مستويات واسعة، وفشلت محاولات النظام والسلطة في تنفيذ خيار «الحل الأمني» القائم على المواجهة العسكرية المباشرة.
وحصيلة الخيارين من الطرفين ثقيلة جدًا, ولم يعد بإمكان الشعب تحمل المزيد منها، لأنها انعكست وبشكل مباشر على أمنه واستقراره وحياته الاجتماعية والاقتصادية.
وإذا كان لهذه الحصيلة – على الرغم من ثقلها في الأرواح والأعراض والأموال– من إيجابية، فإنها سمحت بتقريب وجهات نظر أغلب الفعاليات السياسية والاجتماعية، وبدأت تبدو على إثرها بوادر إجماع وطني يقوم على مناهضة العنف والإرهاب، ويعمل على التعايش السلمي والتعاون من أجل المصالح العليا للبلاد والعباد.
فقد تتأخر المصالحة بين الجزائريين أشهرًا أو سنوات، لكنها واقعة لا محالة، وكل الصعوبات والعراقيل التي تصطدم بها مراحل ضرورية للعبور من صراع «الحياة أو الموت» إلى «التعايش والتعاون».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل