; لا يملك المفاوض الفلسطيني أي سلاح سوى المفاوضات نفسها :فضائح العقل الفلسطيني «المفاوض» | مجلة المجتمع

العنوان لا يملك المفاوض الفلسطيني أي سلاح سوى المفاوضات نفسها :فضائح العقل الفلسطيني «المفاوض»

الكاتب محمود الكسواني

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1413

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 15-أغسطس-2000

بعد أوسلو أصبح «المفاوض» الفلسطيني حارسًا للكيان الصهيوني بعد أن حمل عنه عبء الشارع الثائر

تمكنت الشروط الإسرائيلية التي فرضت نفسها بعيد اتفاقية أوسلو «السرية» بين م. ت. م والجانب الإسرائيلي من نسخ صورة كاملة لما سوف تؤول إليه المفاوضات بين الجانبين والحديث لا يعني بالضرورة استشرافًا لمستقبل تلك المفاوضات بقدر ما نلمسه واقعًا سوداويًا تقر به «نخبة من المنفذين ما زالوا صامدين على درب المفاوضات.

الحديث لا يتعدى أن يكون قراءة لتلك الإقرارات الصادرة عن المتفاوضين أنفسهم أو ممن كانوا أعضاء في وفود التفاوض عن الجانب الفلسطيني، بالدكتور غسان الخطيب أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت واحد أعضاء الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد مرورًا بالدكتور أسعد عبد الرحمن مسؤول ملف اللاجئين والذي يلمح من حين لآخر إلى أن أقصى ما سوف نحصل عليه في نهاية المطاف هو عودة ضمن قانون لم الشمل الإسرائيلي المعمول به منذ العام ١٩٦٩م والتعويض لما لا يقل عن خمسة ملايين لاجئ لا يعودون إلى الوطن.

تفكيك المسألة الفلسطينية

نقصد بالتفكيك تحليل الفلسطينيين إلى منظومات بشرية أفرزتها عملية التسوية فالفلسطينيون بفضل أوسلو لم يعودوا منظومة واحدة، بل صاروا منظومات كل واحدة منها قابلة لإفراز منظومة أخرى وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. 

فبعد أن كانوا قبل ميثاق منظمة التحرير جزءًا أساسيًا من الوطن الإسلامي الكبير، أو العربي على أقل تقدير صاروا وحدة إقليمية واحدة بذاك الميثاق الإقليمي أو الوطني كما يحب أصحابه أن يسموه.

أما بعد أوسلو وخلال عشر سنوات من المفاوضات انبثقت خارج فلسطين عدة منظومات بشرية فلسطينية - ولا نقول منظمات - لا يربط المنضوين تحت كل منها أي رابط سوى الآمال المشتركة التي ما تلبث أن تضعف وتخبو نيرانها لينبثق منها منظومات جديدة بآمال فريدة وغريبة.

 فهناك أولاً منظومة المعارضة الفلسطينية، وهي منظمات منضوية تحت راية م. ت. ف لكنها ترفض حل أوسلو، مع أنها حقيقة تقر بالأمر الواقع للكيان الصهيوني على الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م، ولكنها تدعي شعار كل فلسطين إرضاء لضمير الشعب الفلسطيني ثم تمكنت السلطة الفلسطينية من إحداث شرخ بين المعارضين ولعبت دورًا في تليين الماركسيين وجر «الرفيق» أبو علي مصطفى إلى تذوق لقمة واحدة من طبق أوسلو لعل الرجل يرغب مستقبلًا في المزيد.

ثم بدأت منظومات اللاجئين تولد واحدة تلو الأخرى، فاللاجئون في لبنان درجة أولى في سلمي التوطين في ربوع كندا والولايات المتحدة وأستراليا، واللاجئون في سورية خاضعون لمشيئة القرار السياسي السوري، أما اللاجئون في الأردن فهم أقسام منهم أصحاب النفوذ الاقتصادي أو الاقتصادي السياسي، فبعضهم يحمل جنسيات عديدة غير الأردنية وخاصة جنسيات غربية وهمي قادرون على زيارة فلسطين والإقامة فيها دون اعتراض من أحد، أما غير المقيمين في المخيمات وهم طبقة كادحة أو دون الوسط فسيقبلون التعويض رغمًا عنهم، لأنه الخيار الوحيد أمامهم ناهيك عن أن أراضيهم التي طردوا منها تقع ضمن حدود الكيان الإسرائيلي الذي يرفض عودتهم إليها، أما المخيمات فمصيرها التفكيك والهجرة الطوعية بعد التعويض أو قبله إلى دول غربية تستعد الآن لتسهيل عبورهم إليها.

 أما الفلسطينيون في الأراضي المحتلة وخصوصًا بعد توقف العمليات العسكرية ضد المحتلين منذ أربع سنوات تقريبًا، فهم متخوفون من حرب أهلية بسبب نشوء طبقة اقتصادية سياسية تدير السلطة الفلسطينية وتحركها.

إذن، لم تعدْ وحدة الشعب الفلسطيني قائمة كما كانت قبيل أوسلو، وخاصة أيام انتفاضة الحجارة، ولم يعد هناك أمل في تجددها؛ لأن المناطق الفلسطينية الكثيفة السكان والتي تسيطر عليها السلطة، لا يعيش فيها مستوطن واحد ولا يتجول فيها جندي إسرائيلي واحد يمكن أن تصيبه حجارة المنتفضين وهذا مكسب إسرائيلي أيضًا من مكاسب أوسلو، يكشف بلاهة العقل الفلسطيني «المفاوض» فهو حارس أمين للكيان الإسرائيلي، بعد أن حمل عنه عبء الشارع الثائر.

 هذه المنظومات البشرية الفلسطينية وغيرها كثير هي إحدى نتائج تصرفات المفاوض الفلسطيني.

نخبة فلسطينية آكلة

هذه النخبة تعيش داخل أراضي السلطة- ومهمتها - كما كشف الدكتور غسان الخطيب- استمرار الوضع على ما هو عليه لمصالح مادية وتطلعات خاصة بها، ولا أدري لماذا يسميها الخطيب بالنخبة، ذلك أن أعمالها تكشف عن نفس لصوصية مستغلة للشعب الفلسطيني أيما استغلال. 

يروي د. غسان الخطيب قصة تلك النخبة في محاضرته بتاريخ: 2000/6/12م، في منتدى شومان بالعاصمة الأردنية - عمان على النحو التالي:

 «تمكنت العقلية الإسرائيلية بعد دخول عرفات واتباعه إلى غزة وأريحا، من خلق «طبقة كبيرة»، أو نخبة معينة في فلسطين، وهي عبارة عن عدة نخب سياسية اقتصادية متنفذة، وصاحبة القوة في مجالها.

ويتابع الخطيب: «ففي سياق محاولات إسرائيل التأثير على المستقبل، سعت إلى إحداث تعديلات في بنية النخبة الفلسطينية مما يساعد إسرائيل على تحقيق أهدافها خلال المفاوضات.

 ويضرب الخطيب مثالًا على سبيل الحصر طبعًا سلعة النفط، فالكيان الصهيوني سمح للسلطة الفلسطينية أو من تنتدبه السلطة باستيراد سلع عديدة كالنفط من خلال شركات وأشخاص فلسطينيين يعملون لحساب السلطة وتحت إشرافها، مما خلق احتكارات بيروقراطية تحقق لنفسها أرباحًا هائلة وتمول السلطة كذلك بأموال طائلة مقابل بقائها، حتى تمكنت هذه النخب من فرض سيطرتها على الوزارات الفلسطينية نفسها. والتي لا يمكن لها أن تستمر بأعمالها الحكومية دون أموال تلك الشركات البيروقراطية الاحتكارية التي نشأت كمجموعة أفراد إلى أن أصبحت شركات خاصة تمول من أموال وافدة ومشاريع غربية غير حكومية مثل شركة الاتصالات الفلسطينية، وهذا جعل لهذه الشركات تأثيرات على واقع الحكومة مع أن أعمال تلك الشركات تقع خارج صلاحيات المجلس التشريعي، ولا تمر عبره بتاتًا، فصار لها وزن وقوة وعلاقة ما بالحكومات الإسرائيلية التي هي وحدها صاحبة الحق بمنع أذون تلك الاحتكارات».

هذا الكشف من قبل عضو فلسطيني سابق في الوفد المفاوض إلى مدريد ومع التحفظ على توجه د. الخطيب إلا أننا يمكن أن تتبين من التصريحات فضائح العقلية الفلسطينية التفاوضية حتى صار الفلسطيني بعد أوسلو عرضة للسخرية والاستهزاء ليس من قبل اليهود وحسب، بل من قبل من كانت تصفهم م. ت. ف قبل أوسلو.

إن سمات العقل الفلسطيني المفاوض نتيجة لأوسلو يمكن وسمها بعدة أوسمة فاضحة ومبتذلة

أهمها:

- العبثية المنبثقة عن المراهنة على المتغيرات فمنظمة التحرير الفلسطينية تعيش على النضال القديم الذي صنع لها وجودًا داخل الضمير العربي عامة والفلسطيني خاصة، مع أن هذا النضال لم يحقق نصرًا، ولم يحرر أرضًا، وكثيرًا ما نلمس هذه العقلية في الندوات والمواجهات التلفازية الفضائية في مواجهة المراقبين؛ حيث يذكر قادة المنظمة أوسلويون وغير أوسلويين، تاريخ عمليتهم وعدد شهدائهم وكأن ذكرهم لذلك النضال يشفع لهم تدحرجهم وانحدارهم، وهذا دليل واضح على أنهم لا يملكون إلا الماضي، وهو ماض مبتور لنضال مشوه المبادئ.

- الانتحار من خلال إسقاط كل الخيارات المتاحة، والاكتفاء بخيار المفاوضات، فالمفاوضون لا يملكون أي سلاح تفاوضي سوى المفاوضات نفسها، فليس وراءهم جيش ولا أوراق ضاغطة فهم أقل شأنًا حتى من الهندوس في عهد غاندي الذين تبنوا سياسة الصدور المكشوفة في مواجهة رصاص الإنجليز، أما السلطة الفلسطينية، فلا تملك صدورًا مكشوفة ولا شارعًا غاضبًا بعد أن وأدت الانتفاضة بدلًا من أن تفاوض وتنتفض.

- الرضا بأي شيء على حساب كل شيء، فهم يقارنون حالهم الآن بما كانوا عليه في عواصم الدول العربية من عمان إلى دمشق فبيروت فتونس والخرطوم وصنعاء فيجدون أنفسهم في رام الله غزة وطولكرم وكأنهم حققوا الكثير، مع أن الحقيقة ممِّا تحت أيديهم هو ما كانوا قادرين على امتلاكه وأن المفاوضات لو استمر نضالهم بمبادئ صادقة وإرادة صامدة.

 لقد استخدم المفاوض الفلسطيني سلاح التهديد بالآخر الإسلامي، واصفًا إياه بالأصولي محاولًا إرهاب اليهود به مرات عديدة، ولما أسكتت عمليات الإسلاميين تعرى المفاوض الفلسطيني من كل شيء ولم يبقَ أمامه في مفاوضات الحلِّ النهائي، إلا خلق مظاهرات هشة هنا وهناك في محاولات لإعادة اللعب بالشارع الفلسطيني بإثارة غضبه لا من أجل تحرير فلسطين، بل من أجل تعزيز موقف المفاوض الفلسطيني وإعادة الثقة إليه.

الرابط المختصر :