العنوان فضائل مصر ومازايا أهلها (2-11) سكن الأنبياء بين ظهرانيها
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2011
مشاهدات 58
نشر في العدد 1978
نشر في الصفحة 42
السبت 26-نوفمبر-2011
- أهلها من ألين الناس تعاملًا وأحسنهم أخلاقًا وأدبًا
- دخللها عدد كبير من الأنبياء على رأسهم هيم عليه الصلاة والسلام.. وعاش بعضهم فيها وترعرع
- يكفي أهلها شرفًا أن خير الأنبياء «محمدًا» و «إبراهيم» عليهما الصلاة والسلام كانت تحتهما «مارية» و «هاجر» المصريتان
أما أهل مصر فيكفيهم شرفًا وفخرًا سكنى الأنبياء بين ظهرانيهم ومرورهم ببلادهم، فهذا سيدنا إبراهيم شيخ الموحدين وأفضل المرسلين بعد نبينا العظيم - عليهما أفضل الصلوات وأتم التسليم - قد مر بمصر في رحلته مع زوجه سارة، وجرى لهما مع جبار مصر ما جرى مما ورد في صحيح الإمام البخاري لمن أراد الرجوع إلى القصة.
ودخلها يعقوب عليه السلام، ودخلها الأسباط مرارًا وتوفوا ودفنوا بها.
وسكن مصر يوسف عليه السلام، ونال بها من المكانة والجاه ما لم ينله أحد من الأنبياء والمرسلين ومن عداهما في مصر، وشرفت أرض مصر بدفن جسده الطاهر فيها، ثم نقل بعد ذلك إلى فلسطين زمن موسى عليه السلام في قصة جليلة.
وموسى وهارون عليهما السلام ولدا في مصر وعاشا فيها طويلًا، وجرى عليهما في أرض مصر ما جرى من الأحداث العظام مما قصه علينا الله تعالى في كتابه الجليل.
ويوشع بن نون فتى موسى وكان نبيًا عليه السلام ولد بمصر، وعاش فيها، وخرج منها مع موسى عليهما السلام.
وقيل: إن أيوب وشعيبًا وأرميًا دخلوا أيضًا، والله أعلم.
فخر كبير
ويكفي المصريين شرفًا وفخرًا أن خير الأنبياء والمرسلين مطلقًا محمدًا وإبراهيم عليهما أفضل الصلوات والتسليم – كان تحتهما مارية وهاجر المصريتان، فأنجبت الأولى إبراهيم عليه السلام، وأنجبت الأخرى إسماعيل عليه السلام، وهو جد نبينا صلى الله عليه وسلم، فما أحسن هذا وما أعظمه!
وقيل إن يوسف عليه السلام صاهر إليهم أيضًا.
وإن يفتخر المصريون بشيء بعد هذا فحق لهم أن يفخروا بماء زمزم الذي فجر إكرامًا لهاجر وابنها، فللمصريين فضل في ظهور هذا الماء، والشرف موصول لهم ما بقي هذا الماء على وجه الأرض.
وحق على المصريين أن يفخروا بأن هاجر قد خلد الله سعيها بين الصفا والمروة جزاء طاعتها إبراهيم عليه السلام، وأوجب على كل رسول ونبي وسائر من حج البيت الحرام أن يسعى سعيها ويجهد جهدها، فما أعظم هذا وما أحسنه!
ولو لم يكن للمصريين فخر وشرف إلا أن هاجر هي جدة النبي الأعظم المفحم المكرّم محمد صلى الله عليه وسلم لكان هذا كافيهم، ولذلك قال فيها أبو هريرة رضي الله عنه: «تلك أمكم يا بني ماء السماء»؛ أي العرب.
مصريات عظيمات
ومن المصريات العظيمات أم موسى عليه السلام، وقيل بنبوتها.
وآسية امرأة فرعون التي ضربها الله سبحانه وتعالى مثلًا في كتابه للمؤمنين وأثنى عليها، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها إحدى كوامل النسوة - رضي الله عنها - وقيل بنبوتها.
ومرت سارة زوج الخليل إبراهيم بمصر، ولها قصة فيها وردت في صحيح الإمام البخاري.
ومن المصريات الجليلات ماشطة ابنة فرعون وابنها الذي تكلم في المهد، ولها وله قصة جليلة رائعة.
ومن المصريين مؤمن آل فرعون وقد شرف بتخليد صنيعه ودفاعه عن موسى عليه السلام والدعوة الإسلامية في كتاب الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ﴾ (غافر: ۲۸).
ومن المصريين كذلك الرجل المؤمن الذي حذر موسي عليه السلام وورد في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأُ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ (القصص: 20).
ومنهم السحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام وكانوا جملة وافرة وعددًا ضخمًا.
أخلاق وأدب
وأهل مصر من ألين الناس تعاملًا ومن أحسنهم أخلاقًا وأدبًا، ولذلك قال تاج الدين الفزاري يرحمه الله تعالى: «إن من أقام في مصر سنة وجد في أخلاقه رقة وحسنًا».
وقال عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أهل مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يدًا، وأفضلهم عنصرًا، وأقربهم رحمًا بالعرب عامة وبقريش خاصة».
وقال ابن ظهيرة، يرحمه الله تعالى يمدح أهل مصر، ويعدد مزاياهم: «حسن فهمهم في العلوم الشرعية وغيرها من سائر العلوم وسرعة تصورهم واقتدارهم على الفصاحة بطباعهم وعذوبة ألفاظهم ولطافة شمائلهم وحسن وسائلهم أمر محسوس غير منكور تشهد لهم بذلك الناس حتى إن كل من عرفهم وخالطهم اكتسب من فصاحتهم، واختلس من لطافتهم، وإن كان أعجميًا قحفًا أو فلاحًا جلفًا».
أصوات ندية
ثم مدح أصواتهم فقال: «حُسن أصواتهم، وندائهم، وطيب نغماتهم وشجاها، وطول أنفاسهم وعلاها، فمؤذنوهم إليهم الغاية في الطيب، ووعاظهم ومغنوهم إليهم المنتهى في الإجادة والتطريب».
ثم مدح نساءهم فقال: «نساؤها اللاتي خلقهن الله تعالى للتمتع بهن، وطلب النسل منهن، أرق نساء الدنيا طبعا وأحلاهن صورة ومنطقًا، وأحسنهن شمائل، وأجملهن ذاتًا، وخصوصًا المولدات منهن، وهي من يكون أبوها تركيا وأمها مصرية، أو بالعكس، وما زلت أسمع قديمًا عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، ولم أره منقولًا، أنه قال: من لم يتزوج بمصرية لم يكمل إحصانه»
مساعدة الغرباء
ثم مدح حسن معاملتهم للغرباء فقال: «حلاوة لسانهم، وكثرة ملقهم ومودتهم للناس ومحبتهم للغرباء، ولين كلامهم لهم، والإحسان إليهم ومساعدتهم لهم على قضاء حوائجهم ورد ظلاماتهم، ونصرهم على من ظلمهم بحسب استطاعتهم، وقوة عصبيتهم لمن أرادوا وإن كانوا في باطل.
عدم اعتراضهم على الناس؛ فلا ينكرون عليهم ولا يحسدونهم ولا يدافعونهم، بل يسلمون لكل أحد حاله العالم مشغول بعلمه والعابد بعبادته».
صحابة سكنوها
هذا وقد سكن مصر بعد فتحها جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرفت أرض مصر بهم وازدانت وخالط ترابها أجسادهم الطاهرة، وبعضهم سكنها ومات بغيرها، وبعضهم مر بها رسولًا أو مجاهدًا، وكان منهم جملة جليلة وعدد كبير عظيم منهم عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني، وعبدالله بن أبي السرح ومسلمة بن مخلد، وعبدالله بن عمرو، ومعاوية بن حديج، وكلهم ولي إمرة مصر.
ومن الصحابة في مصر صلة بن الحارث الغفاري، وعبدالله بن حذافة السهمي وعبدالله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وشهد فتح مصر، واختط بها سكنًا، وعاش بها دهرًا وهو آخر صحابي مات بمصر، وأبو بصرة الغفاري شهد فتح مصر.
وخارجة بن حذافة العدوي، وهو أحد الفرسان الأبطال يُعَدِّ بألف فارس، وأمد به عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو الذي قتلته الخوارج ظنًا منهم أنه عمرو ابن العاص.
ورويفع بن ثابت الأنصاري، ودخلها جابر ابن عبد الله بن حرام رضي الله عنه طلبًا لسماع حديث عظيم جليل، ودحية بن خليفة الكلبي، وهو الذي كان ينزل جبريل بصورته، وكان له جمال مفرط، والزبير بن العوام ماه وقد شهد فتح مصر، وهو معدود من الأبطال الكبار، وسعد ابن أبي وقاص و وشهد فتح مصر ودخلها غير مرة، وسلمة بن الأكوع وهو فارس شجاع رام مشهور، وسهل بن سعد الساعدي وقدم مصر بعد الفتح، وعبادة بن الصامت وهو أحد النقباء وممن شهد بدرًا، وكان من سادات الصحابة وشهد فتح مصر.
وعبدالله بن أنيس الجهني، وعبدالله بن حوالة الأزدي وشهد فتح مصر، وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن أبي السرح وشهد فتح مصر، وعبد الله بن عباس وقد دخل مصر لفتوح إفريقية، وعبدالله بن عمر شهد فتح مصر، وعبدالله بن عمرو بن العاص وشهد فتح مصر ، وعمار بن ياسر دخل مصر رسولًا، وفضالة بن عبيد الأنصاري وشهد فتح مصر وقيس بن سعد بن عبادة وشهد فتح مصر وسكن بها، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، والمسيب بن حَزْن والد سعيد وقد دخل مصر لغزو إفريقية، ومعاوية بن حديج السكوني وشهد فتح مصر، وأبو أمامة الباهلي وسكن
مصر مدة وتوفي بالشام، وأبو أيوب الأنصاري وقد شهد فتح مصر، وأبو الدرداء وقد شهد فتح مصر، وأبو ذر الغفاري وشهد فتح مصر وسكنها مدة، وأبو هريرة.
٣٥٠ صحابيًا
وقد تخيرت أشهر الصحابة، وإلا فقد بلغوا زهاء ثلاثمائة وخمسين صحابيًا.
وولد بها خامس الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين عمر بن عبد العزيز، وكان أبوه عبدالعزيز بن مروان واليًا عليها، وكان عمر يحب مصر ويثني عليها، وقد قال له سليمان ابن عبدالملك الخليفة الأموي قبله في حادثة جرت لفرس مصرية: لا تترك تعصبك لمصر يا أبا حفص.
أما التابعون فقد سكنها جملة عظيمة منهم - يرحمهم الله تعالى - فكان منهم أبو الزناد عبدالرحمن بن هرمز الأعرج (ت ۱۱۷هـ) صاحب أبي هريرة رضي الله عنه والملازم له، وحبيب بن الشهيد التجيبي المصري فقيه طرابلس الغرب (ت ۱۰۹هـ)، وبكير بن عبدالله الأشج المدني الفقيه نزيل مصر، وهو من ثقات المصريين وقرائهم (ت ۱۲۲هـ)، ويزيد بن أبي حبيب الأزدي، أبو رجاء المصري، فقيه مصر وشيخها ومفتيها (ت ١٢٨هـ)، وكان ثقة كثير الحديث روى عنه أصحاب الكتب الستة، وكان مفتي أهل مصر، وهو أول من أظهر العلم بمصر والمسائل في الحلال والحرام، وكان أهل مصر قبله إنما يتحدثون في الملاحم والفتن والترغيب وقال الليث: هو سيدنا وعالمنا.
أما تابعو التابعين فمن بعدهم إلى يوم الناس هذا فجملة هائلة وعدد أكبر من أن يحصيه بشر، لكني سأتخير منهم جماعة أوردهم حسب طبقاتهم وعلومهم وفنونهم في الحلقات القادمات إن شاء الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل