العنوان فضائل مصر ومزايا أهلها (٦ – ١١) -عباد مصر وزهادها وأولياؤها
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر الجمعة 30-ديسمبر-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1982
نشر في الصفحة 42
الجمعة 30-ديسمبر-2011
قد كان في مصر جملة وافرة من العباد والزهاد والأولياء الذين كانوا بعيدين عن الشطح والبدع وضربوا أعظم الأمثلة في العبادة والزهد والولاية، فكان منهم سليم بن عثر التجيبي المصري قاضي مصر وناسكها، وهو من كبار التابعين، حضر خطبة الفاروق عمر بالجابية وحدث عنه وعن صحابة آخرين، وسمي الناسك لكثرة فضله وشدة عبادته، وكان كثير الختم للقرآن، وهو أول قاص - أي واعظ – بمصر، توفي سنة ٧٥هـ ، يرحمه الله تعالى.
- سليم بن عتر التجيبي المصري قاضي مصر وناسكها حضر خطبة الفاروق عمر بالجابية وسمي الناسك لكثرة فضله وشدة عبادته توفي عام ٧٥هـ
- حيوة بن شريح التجيبي أبو زرعة المصري فقيه زاهد عابد .. توفي عام ١٥٨هـ
ومنهم حيوة بن شريح التجيبي، أبو زرعة المصري المتوفى سنة ١٥٨هـ، يرحمه الله تعالى، وهو فقيه زاهد عابد، أحد سادة العباد والزهاد، قال عبد الله بن المبارك: ما وصف لي أحد ورأيته إلا كانت رؤيته دون صفته إلا حيوة بن شريح، فإن رؤيته كانت أكبر من صفته.
بكاء المتوكل
وذو النون المصري ثوبان بن إبراهيم المتوفى سنة ٢٤٥هـ - يرحمه الله تعالى الذي بهر المتوكل على الله الخليفة العباسي وأبكاه، فرده مكرماً إلى مصر بعد أن حمل إليه متهما بالزندقة، وكان المتوكل بعد ذلك يقول: إذا ذكر الصالحون فحي هلا بذي النون، وقد ورد عنه أقوال وأحوال لطيفة بعيدة عن الشطح الذي ابتلي به كثير من العباد بعد ذلك، فمما ورد عنه يرحمه الله تعالى أنه كان يقول: الاستغفار جامع المعان:
أولها : الندم على ما مضى.
الثاني: العزم على الترك.
الثالث : أداء ما ضيعت من فرض الله.
الرابع : رد المظالم في الأموال والأعراض
الخامس: إذابة كل لحم ودم نبت على والمصالحة عليها .
الحرام.
السادس: إذاقة ألم الطاعة كما وجدت لذة المعصية.
وكان في زورق فمر به زورق آخر، فقيل لذي النون إن هؤلاء يمرون إلى السلطان يشهدون عليك بالكفر ، فقال : اللهم إن كانوا كاذبين فغرقهم، فانقلب الزورق وغرقوا، فقيل له: فما بال الملاح ؟ قال : لم حملهم وهو يعلم قصدهم؟ ولأن يقفوا بين يدي الله غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور، ثم انتفض وتغير وقال : وعزتك لا أدعو على أحد بعدها.
وقيل لذي النون : كيف خلصت من المتوكل، وقد أمر بقتلك؟
قال: لما أوصلني الغلام قلت في نفسي: يا من ليس في البحار قطرات، ولا في ديلج الرياح ديلجات – يعني والله أعلم دورة الرياح – ولا في الأرض خبيئات، ولا في القلوب خطرات إلا وهي عليك دليلات، ولك شاهدات، وبربوبيتك معترفات، وفي قدرتك متحيرات، فبالقدرة التي تجير بها من في الأرضين والسماوات إلا صليت على محمد وعلى آل محمد وأخذت قلبه عني، فقام المتوكل يخطو حتى اعتنقني، ثم قال : أتعبناك يا أبا الفيض.
إمام جليل
ومنهم أبوبكر بن الحداد المصري الإمام الجليل الفقيه، كان كثير التعبد، يصوم يوما ويفطر يوما، ويختم في كل يوم وليلة ختمة، وقد روى عن مالك والليث وابن لهيعة والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة.
ومنهم بنان الحمال الزاهد، المتوفى سنة ٣١٦هـ - يرحمه الله تعالى - الذي أنكر على واحد من وجهاء أهل الذمة ركوبه الخيل في مصر، وأمره بالنزول وركوب الحمار، كما أخذ عليهم في عهد الذمة، فبلغ الأمر خُمارويه بن أحمد بن طولون حاكم مصر فجوع أسداً وألقي بنان بين يدي الأسد، فكان يشمه ولا يؤذيه فرفع من بين يديه وزاد تعظيم الناس له، فقيل له: كيف كان حالك وأنت بين يدي الأسد ؟ فقال: لم يكن علي بأس، ولكن كنت أفكر في سؤر السباع أهو طاهر أم نجس؟!
ومن كلامه : ذكر الله باللسان يورث الدرجات، وذكر الله بالقلب يورث القربات وكان يُضرب بعبادته المثل.
وجاء إليه رجل يشكو ضياع وثيقة له على رجل دين بمائة دينار مصرية - وهي مبلغ ضخم آنذاك – وخاف أن ينكر الرجل الدين وطلب منه الدعاء، فقال له : أنا رجل قد كبرت وأنا أحب الحلوى فاذهب فاشتر لي رطلا وائتني به حتى أدعو لك، فذهب الرجل وعاد بالحلوى وقد لفت بورقة، فإذا هي وثيقته الضائعة!! فأخبر الشيخ بذلك فقال: خذ الحلوى وأطعمها صبيانك!!
ولما توفي خرج أكثر أهل مصر في جنازته وكانت شيئًا عجبًا، يرحمه الله تعالى.
الشريعة والحقيقة
ومنهم أحمد بن نصر الدقاق، من أقران الجنيد، وكان من كلامه : من لم يصحبه التقى في زهده أكل الحرام المحض.
وقال: كنت مارا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت شجرة كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر»، وهذا الذي ذكره يعد قاعدة مهمة في علم الزهد والرقائق غفل عنها أهل الشطح والبدع فيما بعد.
ومنهم أبو علي الحسن بن أحمد الكاتب المصري المتوفى سنة ٣٤٣هـ، يرحمه الله تعالى، وكان من كبار المصريين، وكان أعظم مشايخ زمانه، ومن كلامه: إذا انقطع العبد إلى الله بكليته أول ما يفيده الله الاستغناء به عن الناس.
ومنهم سند بن عثمان الازدي، توفي بالإسكندرية سنة ٥٤١ هـ ، كان من زهاد العلماء والفقهاء، ومن كبار الصالحين، رئي في النوم فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال : عُرضت على ربي فقال لي : أهلا بالنفس الطاهرة الزكية العالمة».
- بنان الحمال الزاهد ألقاه خمارويه بن أحمد ابن طولون حاكم مصر بين يدي أسد جائع فكان يشمه ولا يوديه فرفع من بين يديه وزاد تعظيم الناس له توفي عام ٣١٦هـ
- أبو بكر بن الحداد المصري الإمام الجليل الفقيه كان كثير التعبد يصوم يوما ويفطر يوما ويختم في كل يوم وليلة ختمة وقد روى عن مالك والليث وابن لهيعة وغيرهم
- ذو النون المصري ثوبان بن إبراهيم .. بهر المتوكل على الله الخليفة العباسي وأبكاه فرده مكرما إلى مصر بعد أن حمل إليه متهما بالزندقة.. توفي عام ٢٤٥هـ
كرامات ثابتة
ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الدينوري الصائغ الزاهد المتوفى سنة ٣٣١هـ، يرحمه الله تعالى، قال الذهبي: أحد المشايخ الكبار، وقال ابن كثير : ومن كراماته أنه رئي يصلي بالصحراء في شدة الحر، ونسر قد نشر جناحيه يظله من الحر !! وأنكر مرة على تكين أمير مصر شيئاً وكان ظالما فأخرجه إلى بيت المقدس فلما وصل القدس قال : كأني بالبائس، يعني
تكين، وقد جيء به في تابوت إلى هنا، فإذا أدني من الباب عثر البغل ووقع التابوت قبال عليه البغل، فبعد مدة يسيرة حصل هذا الذي أخبر به الشيخ بحذافيره !! ثم ركب عائداً إلى مصر، وهذا الذي جرى على الشيخ هو من جملة الكرامات التي تحصل الأولياء الله تعالى، ويصدقها أهل السنة والجماعة بشرط ثبوتها.
وقال: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان بما لا يعنيه.
ومنهم أبو محمد محمد بن أحمد بن سهل الرملي الفايلي، كان عابدا صالحا زاهدا، قوالا بالحق، قال: لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم بسهم، ورميت بني عبيد بتسعة، فبلغ ذلك صاحب مصر المعز فجاء به فسأله، فقال: لا، بل أرميهم بالعشرة كلها ، فقتله ( عام ٣٦٣هـ ) قتلة شنيعة، يرحمه الله تعالى ورضي عنه.
دابة لا تأكل الحرام
ومنهم أبو القاسم بن منصور المالكي الإسكندري المعروف بالقباري (ت ٦٦٢هـ)، باع دابة لرجل، فأقامت أياما لم تأكل عنده شيئا ، فجاء إليه وأخبره، فقال له الشيخ : ما صنعتك ؟ قال : رقاص عند الوالي، فقال: إن دابتنا لا تأكل الحرام!! ثم رد إليه دراهمه الله أكبر، دوابه لا تأكل الحرام فكيف لو رأى زماننا هذا؟!
كان أولئك بعض أولياء مصر البعيدين عن البدع والشطح، ممن تمكنت من الوقوف على سيرهم مكتوبة منشورة، وأنا واثق أن من أوردتهم هم قطرة من بحر، وغيض من فيض، لكن حسبي مثالا من أوردتهم، والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل