; فضل وجوب تبليغ الدعوة إلى الله | مجلة المجتمع

العنوان فضل وجوب تبليغ الدعوة إلى الله

الكاتب عبدالله علوان

تاريخ النشر الثلاثاء 31-ديسمبر-1985

مشاهدات 101

نشر في العدد 748

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 31-ديسمبر-1985

ركن فقه الدعوة

الحلقة الثانية

دليل وجوب التبليغ من السنة النبوية

سبق أن تكلمنا- أيها الإخوة- عن أظهر الأدلة في وجوب التبليغ من القرآن الكريم، وفي هذه الحلقة إن شاء الله فسنتكلم عن أظهر الأدلة في وجوب التبليغ من السنة النبوية، وسوف نسوقها مرتبة والله المستعان وهو ولي التوفيق:

أ- روى الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا «أي الإيثار» وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم».

ماذا تعني كلمة: «بايعنا»؟ وماذا تعني عبارة: «أن نقول الحق أينما كنا...» أليست تعني أن كل من انتمى إلى جماعة المسلمين أن يعطي البيعة والعهد للأمير على أن يسمع ويطيع في العسر واليسر، وأن لا ينشق عن أمير الجماعة إلا إذا أمر بالمعصية أو دعا إلى كفر بواح.. وأن يقول الحق أينما كان، وأن لا يخاف في الله لومة لائم؟

أليس يدل هذا الحديث: على التزام جماعة المسلمين في وجوب النصح العام، وحتمية التبليغ والدعوة أينما كانت هذه الجماعة، وحيثما حلت ووجدت؟

ب- روى البخاري والترمذي عن النعمان ابن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا «اقترعوا» على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».

مثل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حال رقابة المجتمع للفرد، ورقابة الفرد للمجتمع بحال جماعة ركبت في سفينة، فأرادت طائفة منها أن تعبث بأمن السفينة وركابها، فكل من في السفينة إذا تركوا هذه الطائفة العابثة تفعل ما تشاء هلك كل من في السفينة، وإذا منعوها، وأخذوا على يديها نجا كل من في السفينة!!

أليس يدل هذا التمثيل النبوي على أن كل مسلم في هذا الوجود له وظيفة اجتماعية في الأخذ على يد العابثين المفسدين، والوقوف في وجه المارقين الظالمين.. حتى تسلم لأمة الإسلام عقيدتها، وأخلاقها، ويتحقق لها كيانها وعزتها، وأنها إذا تساهلت في ذلك أصابها الله بالذل والهوان والتمزق!!

ج- روى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع به فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله «أي من المنكر»، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (سورة المائدة: 78) ثم قال عليه الصلاة والسلام: «كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه «لتردنه» على الحق أطرأ..»».

هذا الحديث يدل دلالة واضحة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل فرد في الأمة..

ووجه الاستدلال:

- استحقاق الأمة جميعًا لعنة الله إذا تقاعست في واجب التغيير والتبليغ والدعوة..

- صيغ الردع، والزجر، والقسم، ولام الوجوب.. في قوله عليه الصلاة والسلام:

«كلا والله لتأمرن بالمعروف..» فهذه الصيغ كلها كما هو معلوم تدل على الوجوب.

- تنافر القلوب وتمزقها بضرب بعضها ببعض التخلي عن الوظيفة الاجتماعية المتمثلة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسبق أن شرحنا بعض هذه المعاني فيما استنتجناه من آية ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ..﴾ (المائدة: 78) في البحث السابق فارجع إليه.

د - روى الشيخان عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل علينا فزعًا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر إذا اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه»، وحلق بين أصبعيه: الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون، قال: «نعم إذا كثر الخبث».

مما يدل عليه هذا الحديث: أن الأمة بأسرها: صلحاءها وفجارها: يعمها الدمار والهلاك لكونها لم تقم بمهمة التبليغ، ومسؤولية التغيير وواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالصالحون منها يشملهم الهلاك لكونهم سكتوا عن استشراء الفساد والمنكر، ورضوا بواقع الذل والمهانة»!!

هـــــ - روى مسلم والترمذي وابن ماجه.. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

«فمن» في قوله عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا..» لفظ من ألفاظ العموم، ويشمل هذا اللفظ كل من استطاع تغيير المنكر أو اللسان أو القلب، سواء أكان المنكر من العامة أو الخاصة.. إذًا فقهوا الخطر الذي يترتب عليه تفشي المنكر في المجتمع الإسلامي. ومما يدل عليه الحديث: أن تغيير المنكر واجب على حسب الاستطاعة، فيبدأ المسلم بالتغيير باليد إن استطاع، فإن لم يستطع فباللسان، وإن لم يستطع فبالقلب، وذلك أضعف الإيمان.

ووجه الاستدلال الذي يدل على الوجوب: أن تغيير المنكر أمر واجب على كل الأحوال وعلى حسب الاستطاعة: اليد أولًا، ثم اللسان ثانيًا، ثم القلب ثالثًا، فإذا لم يتم التغيير بأي مرحلة من هذه المراحل الثلاثة.. فالإثم واقع، والخروج من دائرة الإيمان متحقق..

وهذا مما تدل عليه الرواية الثانية التي رواها مسلم: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» إلى غير ذلك من نصوص السنة المستفيضة التي تدلل على وجوب تبليغ الدعوة في أرض الله الواسعة.

فهذه النصوص التي سبق ذكرها- أيها الإخوة- تؤكد تأكيدًا جازمًا أن تبليغ دعوة الله في الأرض أمر واجب، ونشر الإسلام في العالمين ضرورة حتمية لا بد منها، ولا غني عنها.

فاحرص- أخي المسلم في كل مكان- على أن تكون من الرجال العاملين، والدعاة المخلصين.. عسى أن تحدث في المجتمع تغييرًا وإصلاحًا، وعسى أن تساهم في بناء مستقبل إسلامي أزهر يكون الحكم فيه لله جل جلاله والعزة للإسلام وحده.

أما عن دليل وجوب التبليغ من عمل الأمة فسيكون الحديث عنه في العدد القادم إن شاء الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :