العنوان فكرة الطريق الثالث
الكاتب حامد بن احمد الرفاعى
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1368
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
منذ عام تقريبًا عقدت في جامعة نيويورك في العشرين من سبتمبر ۱۹۹۸م ندوة حول موضوع الطريق الثالث وجوهره هو السعي لإيجاد البديل عن الاشتراكية الشيوعية التي لفظها التاريخ وتهاوت أصنامها وتشرذمت إمبراطوريتها بعد أن حكمت مجموعة من الشعوب بالحديد والنار على مدار قرابة ثمانين عامًا، ولتكون كذلك بديلًا عن الرأسمالية التي يرى البعض أنها باتت اليوم كجدار يريد أن ينقض من جراء التدهور القيمي والسياسي، والاختناقات الاقتصادية والأزمات المالية التي تعانى منها على الساحات الدولية المتنوعة.
ويرى البعض أن فكرة الطريق الثالث تأتي محاولة أمريكية بقيادة الحزب الديمقراطي لحشد الأحزاب الديمقراطية والعمالية والاشتراكية في العالم، أو لحشد ما يسمى أحزاب اليسار الوسط، لتشكيل تيار عالمي بقيادة أمريكا لتقديم فلسفة أيديولوجية عالمية تسمى الطريق الثالث يطرح من خلاله مفاهيم وتصورات لفلسفة معدلة عن فلسفة الرأسمالية المتمثلة بالاحتكام المطلق السياسة اقتصاد السوق، التي يرى البعض أنها أحرزت فشلًا ذريعًا في تحقيق المساواة، بل أدت إلى المزيد من تضخم الثراء بأيدي قلة قليلة من أثرياء العالم مع اتساع مساحات المجاعة في الأرض.
المبادئ السبعة
واستدراكًا على هذه السلبيات التي أفرزتها الفلسفة الرأسمالية وزميلتها الشيوعية يتقدم أصحاب فكرة الطريق الثالث، بمبادئ سبعة يعتبرونها أساسًا لمشروعهم العالمي الجديد وهي:
1 - أن المجتمع لا يقوم بدون حكومة كما أن الحكومة لا يمكن أن توجد بدون مجتمع.
۲- ينبغي على الحكومة أن تعمل أكثر في الجوانب ذات الفائدة والفاعلية، وأن تبذل جهودًا أقل أو تنسحب تمامًا من المجالات غير الضرورية أو تلك التي يعوق وجودها فيها قوى المجتمع المدني.
٣- لا تعتبر الدولة شركة خاصة تدار على أساس الربح والخسارة، فربما يكون من الضرورة أحيانًا أن تعتمد الدولة إنفاقًا لا يؤدي إلى نتائج فورية وأرباح مالية ملموسة غير أن من المحتمل أن يسهم هذا النوع من الإنفاق في تحقيق العدل الاجتماعي والسلام المدني والانسجام.
٤- الحكومة صديق للذين يكونون ثروة عن طريق الجدارة والاستحقاق والعمل، كما أنها صديق أيضًا للذين وجدوا أنفسهم في ظروف ضيقة ومشقة لأسباب خارجة عن إرادتهم، وينبغي كذلك أن يكون مبدأ التضامن خاضعًا لاختبار السوق فقط.
5- لا يمكن أن تكون هناك تنمية اقتصادية حقيقية دون وجود ديمقراطية تعددية، كما لا تكون الديمقراطية فاعلة ونشطة في ظل غياب التغيير الدوري وتداول السلطة من خلال انتخابات تعددية.
٦- يمثل حكم القانون ضمانة الاستقرار لكل المجتمعات، إذ ينبغي أن يكون القانون عادلًا معلنًا ومتماشيًا مع ظروف الزمان وأن يكون قائمًا - ما أمكن ذلك - على الإجماع، وأن يتم تطبيقه دون تحيز أو تحامل.
7- ينبغي أن يكون القرن المقبل عهد شراكة واقتسام ثمرات التقدم الذي أحرز وسط كل الطبقات وفي كل الدول، وتوجد الآن السبل المادية لإزالة الجوع والفقر والقهر من على وجه الكرة الأرضية.
إن المتأمل في هذه المبادئ أو المنطلقات السبعة يلمح في ثناياها فلسفة أو أيديولوجيا الاشتراكية الديمقراطية أو أيديولوجيا أحزاب اليسار الوسط»، التي يعتبرها أهلها ودعاتها المنهجية الوسط أو الفلسفة والأيديولوجيا المعدلة عن أيديولوجيا الهيمنة المطلقة للدولة في الفلسفة الشيوعية، وجشع الفرد وطغيانه في (الفلسفة الرأسمالية»، كما أن المتأمل يلمس من جهة أخرى بسهولة مواضع الاضطراب والتناقض في مضامين هذه المنطلقات وغيرها مما قيل في أوراق الندوة ومداولاتها.
فالبعض يرى أن مشروع الطريق الثالث جاء كرد أمريكي ديمقراطي على المشروع الأمريكي الجمهوري لإنقاذ وجه أمريكا من الحرج الدولي وعلى الأخص الأوروبي الذي يرفض بشدة فكرة هيمنة القطب الواحد ولتكون هذه المرة دعوة لهيمنة الفلسفة الديمقراطية الغربية التي تتولى أحزابها اليوم مقاليد الأمور في أكثر من بلد أوروبي وعالمي ولكن من جديد بزعامة أمريكية تخفف من حدة فلسفة وهيمنة القطب الواحد.
ومع ذلك لاتزال الفكرة حتى بصيغتها الجديدة تواجه نوعاً من الرفض وعدم الارتياح من قبل جهات عالمية عديدة وأوروبية، كما جاء ذلك من خلال الموقف الفرنسي الذي رفض رئيس وزرائها تلبية الدعوة لحضور ندوة الطريق الثالث، تعبيرًا من فرنسا عن عدم الارتياح للفكرة، وتأكيدًا منها على أهمية التعددية القطبية لطبيعة النظام العالمي المنشود، وتأكيدًا منها على أن أوروبا الموحدة بقيمها الثقافية وعراقتها التاريخية وقدراتها الاقتصادية جديرة بأن تلعب دورًا مستقلًا باعتبارها تمثل قطبًا أساسيًا من أقطاب السياسات الدولية الكبرى في العالم.
محاولات متواصلة
وعلى أي حال وبكل المعايير تبقى هذه المحاولات المستمرة منذ أواخر القرن التاسع عشر على مختلف المستويات السياسية والثقافية في العالم بحثًا عن صيغة مناسبة المشروع نظام عالمي عادل يستجيب لتطلع المجتمعات البشرية ورغبتها في النماء والرخاء والتعايش الأمن، أقول تبقى هذه المحاولات تشكل ظاهرة إيجابية بما تحمله من دلالة على الاعتراف بفشل النظم العالمية السائدة منذ ذلك التاريخ، وبما تؤكده من رغبة حثيثة في البحث عن البديل الأفضل الذي ينسجم مع طبيعة الفطرة الإنسانية السوية التي ترفض وتمقت كل ما يتناقض مع فطرة الإنسان وطبائع الأشياء، وتتصادم مع مقومات كرامة النفس البشرية ورسالتها السامية في الحياة، وعلى أساس من هذا فإن هذه الظاهرة تستدعي التعامل معها بإيجابية وموضوعية لتسديدها والأخذ بيدها نحو الاتجاه الجاد الصحيح الذي يحقق أرقى مراتب كرامة الإنسان وإقامة العدل في الأرض ويطهر البيئة من كل أسباب الفساد، ويعمل على بعث مقومات التعايش البشري الأمن، أما عن كيفية التعامل مع هذه الظاهرة، وعن آليات تفعيل إيجابياتها، وتسديد غاياتها، فهذا مما هو مطروح للتشاور والتدارس بين المعنيين على كل مستوى لعلنا توفق لتحقيق هذا الهدف النبيل.
(([1] أمين مساعد مؤتمر العالم الإسلامي.