; د. أحمد صدقي الدجاني: طوال القرن المرتحل... فكرة المقاومة بقيت مزدهرة تعبيرًا عن استمرار الجهاد | مجلة المجتمع

العنوان د. أحمد صدقي الدجاني: طوال القرن المرتحل... فكرة المقاومة بقيت مزدهرة تعبيرًا عن استمرار الجهاد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

مشاهدات 59

نشر في العدد 1380

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

هناك ملاحظة منهجية جديرة بالاعتبار، وهي أن:

التقويم التاريخي مرتبط عضويًا بالحضارة، ومن ثم فإن الاختلاف الحضاري يستتبعه اختلاف في التقويم، لذلك فهو ينبه إلى ضرورة التركيز على التقويم الهجري الأكثر اتساقًا مع حضارتنا و أمتنا الإسلامية من التقويم الميلادي، ولكنه لا يرى بأسًا في النظر إلى القرن العشرين كوحدة زمنية يمكن من خلالها رصد مسيرة الأمة في قرن كامل وخاصة أن ثمة توافقًا بين القرن العشرين الميلادي والقرن الرابع عشر الهجري، إذ إن الفارق بين نهايات كل منهما لا يتجاوز عشرين عامًا، ويؤكد من جهة أخرى أن الأحوال المادية والأفكار والشخوص والأحداث هي المجاميع الرئيسة لكل تحليل تاريخي، وفي تفاعلها يكمن سر التطور التاريخي، وهو ما يفيد في علم دراسة المستقبل.

ما أهم الأحداث أو الوقائع التي كان لها تأثير كبير على التطور التاريخي للأمة الإسلامية في قرن كامل؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بدون استلهام التوجيه القرآني الذي تضمنه افتتاح سورة الروم بما عناه من عناية المؤمن بما يجري في العالم المحيط، وكذلك تتبع السنن التاريخية التي تمثل ثوابت تحكم الحركة التاريخية، وهذا يعني أن الأحداث التي سنذكرها يتفاعل منها عاملان الذاتي، والخارجي، وهو ما يعني أيضًا أنها ليست بالضرورة قد وقعت في دائرتنا الحضارية المباشرة، فبعضها وقع في دوائر حضارية أخرى ووصفت بالعالمية ومن أهم هذه الأحداث:

الحرب العالمية الأولى  «١٩١٤- ۱۹۱۸»: وهي في أصولها حرب بين قوى الهيمنة في دائرة الحضارة الغربية والأوروبية منها بخاصة، ولكنها أخذت صفة العالمية بحكم تسلط هذه القوى الطاغوتية على أقطار كثيرة في إفريقيا وآسيا، ومن ثم نقلت إليها ميدان هذه الحروب، وقد كان لهذه الحرب نتائج خطيرة على دائرتنا العربية والإسلامية حيث قام الاستعمار الأوروبي باستكمال تسلطه على أوطاننا، والذي كان قد بدأه في القرن الماضي، كما قام مؤتمر الصلح في فرساي برسم خريطة جديدة في منطقتنا، وهو ما أدى إلى أخطر حدث مر بدائرتنا الحضارية عبر قرون طويلة، وأعني به إلغاء الخلافة الإسلامية الممثلة في الدولة العثمانية والإجهاز عليها سنة ١٩٢٤م، وتقسيم تركتها وقد أفرز ذلك نظامًا سياسيًا جديدًا في منطقتنا، جزَّأ الوطن العربي، وأقيمت الحدود السياسية بين أقطاره لأول مرة منذ قرون وأنشئت فواصل جديدة حادة بين الدائرة العربية وبقية ديار الإسلام.

الحرب العالمية الثانية «۱۹۳۹- ١٩٤٥» التي نشبت في إطار النزاع بين قوى الهيمنة الغربية أيضًا، ومن أخطر آثار هذا الحدث على منطقتنا وقوع نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل سنة ١٩٤٨م، التي مازالت آثارها تتفاعل سلبيًا على الأمة الإسلامية إلى يومنا هذا.

نشوب الحرب الباردة بين الغرب الرأسمالي والاتحاد السوفييتي سابقًا وهو ما تم أيضًا في إطار دائرة الحضارة الغربية واستمر حتى انهيار الاتحاد السوفييتي ورغم ذلك كانت له آثاره على منطقتنا العربية وأبرزها وقوع نكسة ١٩٦٧م وتفاعلاتها على الأمة العربية والإسلامية.

تدفق ثورات التحرير في آسيا وإفريقيا وهو ما دعا قوى الهيمنة إلى محاولة ضربها بحرب ١٩٦٧م، وخاصة أنها كانت تهدد مناطق نفوذها.

كارثة الخليج العربي، وأعني بها الحربين المتتاليتين في منطقة الخليج الأولى الحرب العراقية- الإيرانية، والثانية التي وقعت بعد اجتياح العراق للكويت سنة ١٩٩٠م، والتي أدت إلى قيام تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة وإنزال ضربة شديدة بالعراق، فقد كان لهاتين الحربين أثرهما البالغ على الدائرة العربية والإسلامية، وبخاصة اجتياح العراق للكويت أحدث شرخًا هائلًا في الجدار العربي والذي: مازلنا نعاني آثاره إلى الآن. وتركيزي على الأحداث السياسية لا يعني إغفال ما ليس سياسيًا، ولكن لأنها جماع تفاعل بقية العوامل، وإن كانت هناك أحداث غير سياسية كان لها تأثيرات بالغة على مسيرة الأمة والعالم كله فهناك ثورة العلم التقني التي أسفرت عن تفجير الذرة وأحدثت انقلابًا في مجال الهندسة الوراثية ونتج عنها أيضًا ثورة الاتصالات، وهناك أحداث اقتصادية تركت آثارًا بالغة الخطورة منها أزمة سنة ۱۹۲۹م العالمية، وهناك أحداث أخرى اجتماعية وثقافية تركت آثارها الخطيرة على السلوك الفردي وعلى الأسرة والمجتمعات في أنحاء العالم، ولكن -كما أسلفت- نحن ننظر إلى الأحداث السياسية باعتبارها جماع كل تلك الأحداث.

وما أهم الأفكار التي سيطرت على مجريات التطور التاريخي للأمة طوال هذا القرن؟

حينما نتتبع الأفكار المؤثرة والمهمة في عالمنا الإسلامي نلاحظ أن توزعًا كبيرًا حدث في أوساطنا بين التمسك بفكرة الجامعة الإسلامية التي ارتفع شعارها في نهاية القرن الماضي ورفع لواءها أعلام مثل: الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وبين التركيز على الوطنية القطرية بسبب ما ظهر من ضعف الدولة العثمانية.

كما برز في الأمة صراع بين تيارات فكرية ثلاثة، تأثرت بالغزو الأوروبي للعالم الإسلامي وهي تيارات الانكماش، والانغماس والاستجابة الفاعلة، وبدا أحيانًا أن تيار الانغماس التغريبي له سطوته بفعل تأييد القوى الطاغوتية الغربية له، ولكن تيار الاستجابة الفاعلة كان -في آخر الأمر- هو الذي يشد أنظار الأمة، وقد تجلى أثر هذا التيار بعد نكسة ١٩٦٧م في بروز صحوة دينية في دائرتنا الحضارية كلها، وهذه الصحوة أعرفها دائمًا في كتبي بأنها حالة تجدد الأمة فيها نفسها وقد وعت ذاتها وعرفت الآخر بجوانب قوته وضعفه، وعزمت على مواجهة طغيانه، وبناء مشروعها النهضوي.

ونلاحظ أن فكرة المقاومة بقيت مزدهرة طوال القرن تعبيراً عن استمرار الجهاد، كما برزت فكرة الارتقاء بالمجتمع من خلال تغيير ما بالنفوس وصولًا إلى تحقيق التقدم.

وشهدت دائرتنا الحضارية في إطار التيار الانغماسي التغريبي دعوات للعلمانية الغربية التي ازدهرت لفترة قصيرة ثم خبت، وغلب الفكر الذي يؤكد على الهوية الحضارية المتميزة بأركانها الثلاثة: «اللسان- العقيدة- التراث» ودوائر انتمائها المنسجمة مع بعضها.

أما في الغرب فقد شهد القرن حالة من الفوضى الفكرية في مطلع القرن وصفها طومسون في كتابه «تاريخ العالم» وألح فيها السؤال حول ما إذا كانت ينابيع الثقافة والحضارة داخل أوروبا قد نضب معينها؟! وعبرت عن هذه الحالة نزعات متشائمة وفلسفات وإحساس قوي بأزمة القيم التي تعصف بالغرب، واشتد القلق مع بروز شبح الفناء بالسلاح النووي والدمار الشامل، وكتب شبنجلر وتوينبي وآخرون عن أزمة الحضارة الغربية.

كما شهد النصف الثاني من القرن ما يسمى في الغرب بمدرسة ما بعد الحداثة وفلسفات تعكس الفوضى التي عمت الغرب، ومعلوم أن الفكر الحداثي الغربي هو جماع الداروينية، والفرويدية، والأينشتانية النسبية.

وفي إطار التفاعل الذي يحدث الآن بين الحضارات المختلفة، نشير إلى بروز جديد لحضارات الشرق الأقصى في الهند والصين وخاصة الأخيرة التي شهدت ثورة ثقافية وحركة تحرير أعادتها إلى بؤرة الخريطة العالمية، كما ظهر حوار الحضارات كحقيقة واقعية، وكان أبرز مظاهره التأثير المتنامي للإسلام على الغرب نفسه من خلال تأثيره على عدد من كبار فلاسفته ومفكريه رغم محاولات قوى الهيمنة الغربية التصدي لكل ما هو إسلامي واستهدافه ولا يفوتني أن أشير في هذا الصدد إلى بروز ظاهرة المدارس التجديدية في الفكر الإسلامي مثل المدرسة التي تحرص على تجديد الفكر استجابة للسنة النبوية في حديث التجديد المشهور، وكذلك مدرسة التجديد الفقهي التي أنجزت تقدمًا يستحق الإشادة به، وهناك مدرسة التجديد السياسي من خلال تطوير وتجديد البرامج السياسية، وقد قطع بعض التنظيمات الإسلامية الحيوية خطوات جريئة على هذا الصعيد، كان من أبرز تجلياتها انعقاد المؤتمر القومي الإسلامي الذي أزال معظم التناقضات بين التيارين الإسلامي والقومي، وجمع بينهما على العمل لتحقيق مشروع الأمة النهضوي الحضاري بأهدافه الستة «تحرير- وحدة- شورى ديمقراطية- عدل- تنمية- تجديد حضاري».

وحركة التجديد هذه تستحق العناية الخاصة والدراسة المتكاملة، وقد خصصت لها كتابي «تجديد الفكر» استجابة لتحديات العصر وأعتقد أنها بحاجة لدراسات أخرى.

وماذا عن أهم الشخصيات في هذا القرن؟

هناك شخوص كثيرة بارزة قادت التيارات الفكرية والثورات العلمية والأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وقد حفظ السجل التاريخي أسماء المفكرين في دائرتنا الحضارية وفي غيرها، فكتب أحمد أمين كتابه «زعماء الإصلاح في العصر الحديث»، وأصدر فهمي جدعان دراسة عن الموضوع نفسه، لكن باختصار -أتمنى ألا يكون مخلًا- يمكن أن أختار بعض الشخصيات أرى أنها تمثل في نظري أبرز شخصيات القرن:

فمن زعماء التحرير السياسي اختار الزعيم المصري سعد زغلول قائد ثورة ۱۹۱۹م أبرز نماذج الثورة التحريرية في عالمنا العربي طوال هذا القرن. ومن المصلحين والدعاة الإسلاميين حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وأبرز المصلحين الإسلاميين في هذا القرن وصاحب المدرسة التجديدية، وسيد قطب المفكر العملاق، وصاحب الإسهامات الفكرية بالغة الأثر، والفيلسوف الشاعر محمد إقبال، فيلسوف الإسلام في العصر الحديث، وباعث النهضة الإسلامية في الشرق الإسلامي.

من التيار القومي ساطع الحصري المفكر الكبير، وجمال عبد الناصر، أبرز الزعماء العرب في هذا القرن!

ومن الزعماء العالميين أختار المهاتما غاندي، زعيم الهند ورائد استقلالها.

وما أهم الكتب والمجلات أو الدوريات التي صدرت في هذا القرن؟

لا يمكن الحديث عن تيارات أو حركات فكرية دون الحديث عمن أسميهم بوكلاء الأفكار وناشريها، وأعتقد أن دور هؤلاء الوكلاء برز في المجلات والصحف أكثر من الكتب وأبرز هذه المجلات: المقتطف والهلال وتأثيرهما بدأ مع مطلع هذا القرن.

المنار والزهراء والرسالة وكلها ينتمي إلى تيار الاستجابة الفاعلة.

بالإضافة إلى الصحف الدعوية التي تعبر عن التيارات الفكرية المختلفة، ولفت نظري بشدة في النصف الثاني من هذا القرن مجلة «المسلمون» التي أصدرها الأستاذ سعيد رمضان في أوروبا، وبعدها مجلة «حضارة الإسلام» فهما من أكثر الدوريات التي تعمقت في دراسة الظاهرة الحضارية.

بطاقة شخصية

مفكر فلسطيني، أستاذ التاريخ الحديث شارك في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة ١٩٦٤م واستمر في عضوية اللجنة التنفيذية حتى عام ١٩٨٤م، صدر له أكثر من خمسين مؤلفاً في التاريخ والفكر السياسي والتأملات والآداب والدراسات المستقبلية والصراع العربي الصهيوني.

الرابط المختصر :