; فخر الدين باشا .. وملحمة الدفاع عن المدينة النبوية | مجلة المجتمع

العنوان فخر الدين باشا .. وملحمة الدفاع عن المدينة النبوية

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 06-يونيو-2009

مشاهدات 51

نشر في العدد 1855

نشر في الصفحة 34

السبت 06-يونيو-2009

  • كان ينزع بزته العسكرية صباح كل يوم ويرتدي ملابس بيضاء.. ثم م يقوم بمسح وتنظيف الروضة الشريفة ودموعه تتساقط حتى تبتل قطعة القماش التي يمسح بها.
  • رفض أوامر الخليفة بتسليم المدينة للإنجليز قائلًا له في رسالة : إن الخليفة يعد الآن أسيرا في يد الحلفاء لذا فلا توجد له إرادة مستقلة.
  • اجتمع مع ضباطه في الروضة المطهرة ، وأدوا صلاة الظهر في خشوع يتخلله بكاء صامت ونشيج.. ثم ارتقى المنبر وخطب خطبة كانت قطرات دموعه أكثر من عدد كلماته وأعلن الجميع إصرارهم على عدم تسليم مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم .. لكن الحصار ضاق عليهم.
كانت ملحمة رائعة قل نظيرها في التاريخ.. ملحمة إنسانية رسمت فيها أسمى العواطف الإنسانية لوحة رائعة ستبقى خالدة على مر التاريخ ولن يطويها النسيان.. وملحمة عسكرية تحدث أصعب الظروف وأقسى الشروط.

بطل هذه الملحمة هو القائد التركي اللواء فخر الدين باشا الملقب بـ «نمر الصحراء» ومن قبل الإنجليز بـ « النمر التركي».

كان قائد الفيلق في الجيش العثماني الرابع في الموصل برتبة عميد، عندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى في ١٩١٤م، ثم رقي إلى رتبة لواء استدعى عام ١٩١٦م إلى الحجاز للدفاع عن المدينة المنورة عندما بدأت تلوح في الأفق ندر نجاح الإنجليز في إثارة حركة مسلحة ضد الدولة العثمانية.

وفي ٢١ مايو ١٩١٦م وصل إلى المدينة النبوية فرحًا، لأنه كان يحب رسول الله ﷺ حيًا لا يوصف، وهذا الحب هو الذي رسم لوحة الملحمة الإنسانية التي بقيت خالدة في التاريخ العثماني منذ اليوم الأول: من وصوله للمدينة حتى فراقه لها .. أي خلال أكثر من عامين لم يشبع من زيارة قبر حبيبه ولا من البكاء أمامه.. كان في صباح كل يوم ينزع. بزته العسكرية، ويلبس ملابس بيضاء كالكفن ويعتمر عمامة بيضاء ثم يقوم بمسح وتنظيف القبر وحواليه ودموعه تتساقط.. يبكي حتى تبتل قطعة القماش التي ينظف بها الضريح.. هكذا في صباح كل يوم، لم يفت يوم واحد دون قيامه بهذا .

انسحبت الجيوش العثمانية من الحجاز بعد سقوط الحجاز بيد الثوار، ولم تبق هناك سوى حامية فخر الدين باشا التي كانت تبلغ ١٥ ألف جندي مع بضعة مدافع ... بقي فخر الدين باشا وحده وسط بحر من الصحراء ومن الأعداء.. أصبح أقرب جيش عثماني يبعد عنه ١٣٠٠كم.. انقطعت عنه جميع الإمدادات.. ومما زاد في عزلته قيام توماس لورانس الجاسوس الإنجليزي وأعوانه بنسف سكة حديد الحجاز في عدة مواضع وبنسف أعمدة التلغراف، فأصبح معزولًا عن العالم.. وحيدًا ومحاصرًا من قبل أعداء يفوق عددهم عدد جنوده أضعافًا مضاعفة ويقومون بالهجوم على المدينة ويطلبون منه الاستسلام. ولكنه كان يردهم على أعقابهم في كل مرة.

كانت أمور الدولة العثمانية تسوء يومًا بعد يوم، وتتراجع جيوشها أمام قوات الحلفاء في معظم جبهات القتال. لذا اتخذت الحكومة العثمانية وعلى رأسها أنور باشا قرارًا بإخلاء المدينة النبوية. وابلغوا فخر الدين باشا بهذا القرار .. لكنه شعر بأن خنجرًا يغرس في قلبه فأرسل رسالة إلى أنور باشا ألح فيها قائلًا : لماذا نخلي المدينة؟ أمن أجل أنهم فجروا خط الحجاز؟ ألا تستطيعون إمدادي بفوج واحد فقط مع بطارية مدفعية؟.. أمهلوني مدة فقد أستطيع التفاهم مع القبائل العربية. ألح إلحاحًا شديدًا، ناسيًا غروره وكبريائه كقائد عثماني مرموق.

رضي أنور باشا، أمام هذا الإلحاح الحزين.. ولكنه لم يستطع إرسال أي مدد إليه.

ولكن الأحوال العسكرية ساءت جدًا في تلك المنطقة، فقد هزم الجيش العثماني في حروبه مع القوات الإنجليزية - التي كانت تفوقه في العدد والعدة وفي حسن التموين – في القناة وفي جبهة فلسطين واضطر للانسحاب

وفي شهر أكتوبر عام ١٩١٨م وقعت الدولة العثمانية معاهدة «موندروس».. وكانت معاهدة استسلام قاسية جدًا .

انتهت الحرب، وصدرت إليه الأوامر من قبل الحكومة العثمانية بالانسحاب من المدينة وتسليمها إلى قوات الحلفاء ولكنه رفض.. أجل رفض هذا القائد العثماني تنفيذ أوامر قيادته وأوامر حكومته.... أي أصبح عاصيّا لها .. كانت الفقرة رقم ١٦ من معاهدة الاستسلام تنص صراحة على وجوب قيام جميع الوحدات العثمانية العسكرية الموجودة في الحجاز وسورية.

واليمن والعراق بالاستسلام لأقرب قائد من قادة الحلفاء واتصل به الإنجليز باللاسلكي من بارجة حربية في البحر الأحمر يخبرونه بضرورة الاستسلام بعد أن انتهت الحرب وتم التوقيع على معاهدة الاستسلام فكان جوابه الرفض.

كتب إليه الصدر الأعظم أحمد عزت باشا - وهو يبكي - رسالة يأمره بتسليم المدينة تطبيقا للمعاهدة. وأرسل رسالته هذه مع ضابط برتبة نقيب. ولكن فخر الدين باشا حبس هذا الضابط، وأرسل رسالة إلى الصدر الأعظم قال فيها: إن مدينة رسول الله ﷺ لا تشبه أي مدينة أخرى لذا فلا تكفي أوامر الصدر الأعظم في هذا الشأن، بل عليه أن يستلم أمرا من الخليفة نفسه.

كان في الحقيقة يفتش عن عذر لرفض الانسحاب.

ازدادت الضغوط على الدولة العثمانية من قبل الحلفاء لتطبيق المعاهدة وتسليم المدينة إليهم.. لم تر الحكومة العثمانية بدا من الرضوخ .. فلم يكن لديهم أي حول أو قوة للرفض.. وهكذا صدر أمر من الخليفة نفسه إلى فخر الدين باشا بتسليم المدينة، وأرسل الأمر السلطاني بواسطة وزير العدل » حيدر ملا.

سدت جميع الأبواب في وجه فخر الدين باشا ، فقد وصل إليه أمر من الخليفة نفسه بوجوب الاستسلام.

هل سيترك مدينة حبيبه صلى الله عليه وسلم ويسلمها إلى الأعداء؟

كلا لن يستسلم ولن يقبل تنفيذ أي أمر بهذا الخصوص، حتى ولو كان الأمر من الخليفة ومن السلطان نفسه.

أرسل الجواب مع وزير العدل. قال في الجواب: « إن الخليفة يعد الآن أسيرًا في يد الحلفاء، لذا فلا توجد له إرادة مستقلة لذا فهو يرفض تطبيق أوامره ويرفض الاستسلام ويرفض حتى أوامر الخليفة نفسه!

وبدأ الطعام يقل في المدينة، كما شحت الأدوية وتفشت الأمراض بين جنود الحامية، وكذلك بين أهالي المدينة... كانوا نقطة في بحر الصحراء محاصرين ومنقطعين عن العالم.

جمع فخر الدين باشا ضباطه للاستشارة حول هذا الظرف العصيب... كان يريد أن يعرف ماذا يقترحون، ومعرفة مدى إصرارهم في الاستمرار في الدفاع عن المدينة..

 اجتمعوا في الصحن الشريف في الروضة المطهرة في صلاة الظهر... أدى الجميع الصلاة في خشوع يتخلله بكاء صامت ونشيج، ثم ارتقى فخر الدين باشا المنبر وهو ملتف بالعلم العثماني.. خطب في الضباط خطبة كانت قطرات دموعه أكثر من عدد كلماته .. وبكى الضباط حتى علا نحيبهم.. قال: لن نستسلم أبدا .. ولن تسلم مدينة الرسول ﷺ لا للإنجليز ولا لحلفائهم !!

نزل من المنبر فاحتضنه الضباط ضابطًا ضابطًا .. احتضنوه وهم يبكون وهو يبكي .. كانت لوحة مؤثرة من أروع اللحظات التي ستبقى في سجل التاريخ بدأ فيها الحب والولاء لرسول الله ﷺ بشكل قل نظیره وثارت فيها العواطف وتأججت وسالت من المآقي الدموع.. كانوا يحسون بأن روح رسول الله تجول بينهم... اقترب منه أحد سكان المدينة الأصليين... احتضنه وقبله وقال له: أنت مدني من الآن فصاعدًا .. أنت من أهل المدينة يا سيدي القائد.

ولكن الحقيقة المرة كانت ماثلة أمام كل عين.. حقيقة مادية وواقعية لا يمكن تجاهلها .. لم يكن من الممكن الاستمرار في هذا الرفض.. فقد اشتدت وطأة الجوع والمرض على الجيش العثماني وعلى سكان المدينة، وقلت الذخيرة الحربية ولم تعد كافية للدفاع عن المدينة.

عندما يئست القوات المحاصرة للمدينة من فخر الدين باشا زادوا اتصالهم مع ضباطه.. كان الوضع ميؤوسًا منه.

كلمة ضباطه شارحين له الوضع المأساوي للحامية ولأهل المدينة، فوافق أخيرًاعلى قيام ضباطه بالتفاوض على شروط وبنود الاستسلام.. وكان على رأس بنود الاتفاقية بند يقول: «سيحل فخر الدين باشا ضيفًا على قائد القوات السيارة الهاشمية في ظرف ٢٤ ساعة وأنه تم تهيئة خيمة كبيرة لاستراحته.

وفي المدينة كانت ترتيبات الرحيل تجري على قدم وساق .. كانت سيارة القائد فخر الدين مهيأة وقد نقلت إليها أغراضه ... بقي الضباط في انتظار خروجه ولكن الساعات مضت ولم يخرج إليهم، بل جاء أمر منه بإخلاء السيارة من أغراضه الشخصية ونقلها إلى بناية صغيرة ملحقة بالمسجد النبوي.. كان فخر الدين قد هيأ هذا المكان لنفسه .. لم يكن يريد الابتعاد عن قبر رسول الله ﷺ.. ذهب إليه نائبه نجيب بك ومعه ضباط آخرون فوجدوه متهالكا على فراش بسيط في تلك البناية...

كلا لم يكن يريد أن يخرج.. قال لهم : اذهبوا أنتم أما أنا فسأبقى هنا .

 احتار نائبه والضباط ولم يدروا كيف يتصرفون .. تشاوروا فيما بينهم ثم قرروا أن يأخذوه قسرا .. اقتربوا من فراشه وأحاطوا به وحملوه قسرا إلى الخيمة المعدة له وهم يبكون .. كانوا يعرفون مدى حب قائدهم للرسول ، ولماذا يعاند كل هذا العناد رافضا الابتعاد عن ضريحه ﷺ ، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون ترك قائدهم هكذا وحيدا هناك، حدث هذا في يوم ١٠ يناير ۱۹۱۹م.

 في اليوم الثاني اصطف الجنود العثمانيون صفوفا أمام المسجد النبوي... كان كل جندي يدخل ويزور قبر رسول الله ﷺ ويبكي ويدعو ثم يخرج.. كذلك الضباط.. لم يبق أحد لم يسكب دموعاً حارة في لحظة الوداع المؤثرة هذه.. حتى سكان المدينة وقوات البدو بكوا من هذا المنظر .. عندما نقل فخر الدين باشا إلى الخيمة المعدة له كان هناك الآلاف من قوات البدو يحيطون بالخيمة ينتظرون رؤية البطل الذي أصبح أسطورة. وما أن ظهر حتى ارتجت الصحراء بنداء: «فخر الدين باشا .. فخر الدين باشا !.... لم يكن هناك من لم تبهره بطولته وحبه لرسول الله ﷺ. وفي ١٣ يناير ۱۹۱۹م دخلت قوات البدو حسب الاتفاقية - إلى المدينة. أي استسلمت الحامية العثمانية في المدينة المنورة بعد ۷۲ يوما من توقيع معاهدة موندروس».. كانت قوات الحلفاء قد دخلت إسطنبول في ذلك الوقت ..

الرابط المختصر :