; فكر قبل أن تعصي.. | مجلة المجتمع

العنوان فكر قبل أن تعصي..

الكاتب محمد الجاهوش

تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004

مشاهدات 68

نشر في العدد 1583

نشر في الصفحة 52

السبت 03-يناير-2004

● كم يشقى من يتقلب في نعم الله ثم يبادره بما يغضبه

● العلماء الربانيون هم أطباء القلوب والمعالجون لعلل الأنفس وأمراضها.

الغفلة عن مراقبة الله عز وجل، وعدم استشعار عظمته طريق المعاصي المعبدة وسبيلها الممهدة، التي تقود أصحابها إلى درك الآثام، ومن ثم إلى المعاناة الأليمة من سوء آثارها ووخيم عواقبها.

فلو أن المؤمن استشعر مراقبة الله تعالى دائمًا وأنه يتقلب في نعم الله ويحيا في حفظه وكلاءته لما أقدم على ما يغضبه ويسخطه سبحانه وتعالى، بل ولبذل المزيد من الشكر ليستحق الزيادة من الإنعام والإحسان.

لكن الغفلة والنسيان من طبيعة الإنسان، ولذلك تفضل الله تعالى على عباده ببسط يده بالليل ليتوب مسيء- النهار، وبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تبلغ الروح الحلقوم.

ومن مزيد كرم الله تعالى وفضله أن جعل هذا الباب- بينه وبين عبده- مفتوحًا يلج منه من شاء متى شاء لا يصده عنه حاجب، ولا يحول دونه حارس ولا بواب ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ( البقرة:  186)، وكلما كان الإقبال بصدق وعن اضطرار، كانت الإجابة أقوى، وكشف الضر أسرع ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ( النمل: 26)

ومن غلبه هواه وجمح به شيطانه عن جادة الصواب ونهج النبوة، وليس له من العلم والتقوى رصيد يلفته إلى ربه وسنة نبيه، فليلتمس دواء عند أطباء القلوب الخبراء بعللها وأسقامها، كما يلتمس المعالج الحاذق والطبيب الماهر لعلاج أسقام جسمه وأدوائه.

والعلماء الربانيون هم أطباء القلوب والمعالجون لعلل الأنفس وأمراضها، فكم من فاسد أصلحوه

وكم من ضال أرشدوه، وكم من حائر أخذوا بيده ووضعوه على المحجة البيضاء حتى عاد الجميع- بفضل الله وتوفيقه- هداة مهتدين، ونماذج يشار إليها بالبنان تقى وصلاحًا، صدقًا وإخلاصًا، عفة وسمو أخلاق، بل غدًا الكثير منهم عناصر فاعلة في نقل الخير والنور إلى من حرمهما من الحائرين والتائهين.

العالم الرباني

والعالم الرباني حريص على هدى الناس جميعًا، أمين في إسداء نصحه، مخلص في توجيهه وإرشاده، مدرك تمام الإدراك لما يجري في واقع الناس وما يصرفهم عن الاستقامة على المنهج القويم، وإننا واجدون في سيرة سلفنا الصالح نماذج تحتذى في هذا المضمار.

وما قدمه إبراهيم بن أدهم- رحمه الله- من علاج لأحد المسرفين يبرهن على صدق ما نقول.

فقد جاء في ترجمته رحمه الله تعالى أنه جاء إليه رجل من المسرفين فقال يا أبا إسحق إني مسرف على نفسي فاعرض على ما يكون لها زاجرًا ومنقذًا؟

فقال: إبراهيم إن قبلت مني خمس خصال، وقدرت عليها لم تضرك المعصية.

قال: هات يا أبا أسحق

قال: أما الأولى فإذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزقه قال فمن أين أكل وكل ما في الأرض من رزقه قال يا هذا أفيحسن بك أن تأكل رزقه وتعصيه؟

قال: لا هات الثانية.

قال: إن أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه.

قال: هذه أعظم فأين أسكن، قال: يا هذا أفيحسن بك أن تأكل رزقه وتسكن أرضه، ثم تعصيه.

قال: لا هات الثالثة.

قال: إذا أردت أن تعصيه، وأن تأكل من رزقه وتسكن أرضه، فانظر موضعًا لا يراك فيه، فأعصه

فيه.

قال: يا إبراهيم ما هذا؟ وهو يطلع على ما في السرائر قال يا هذا أفيحسن بك أن تأكل رزقه وتسكن أرضه وتعصيه وهو يراك ويعلم ما تجاهر به وما تكتمه.

قال: لا، هات الرابعة.

قال: فإذا جاءك الموت ليقبض روحك فقل له أخرني حتى أتوب توبة نصوحًا، وأعمل لله صالحًا، قال: لا يقبل مني؟ قال: يا هذا، إنك إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب وتعلم أنه إذا جاك لم يكن له تأخير فكيف توجو وجه الخلاص؟

قال: هات الخامسة.

قال: إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة، ليأخذوك إلى النار فلا تذهب معهم؟ قال: لا يدعونني ولا

يقبلون مني كلمًا.

قال: فكيف ترجو النجاة إذن؟

قال: يا إبراهيم حسبي حسبي، أستغفر الله، وأتوب إليه، فكان لتوبته وفيًا، فلزم العبادة، وأجتنب

المعاصي، حتى فارق الدنيا.

السعيد من نجا

إن الله تعالى قد سخر للإنسان ما في الأرض جميعًا، رحمة به، وإحسانًا إليه، وذلل له سبل الانتفاع بها، وجعل له الأرض مستقرًا ومتقلبًا يسعى في كون الله الفسيح ليحقق طموحه وأماله وبسط عليه نظره يقظة ومنامًا، حفظًا ورع توفيقًا وتسديدًا، كل ذلك- وسواه كثير - ليحيا في ظلال الطاعة، وينعم بعز العبودية.

فكم يشقى- بعد ذلك- من يتقلب في هذا النعيم، ثم يبادر مولاه بما يغضبه ويسخطه؟!

وهب أن عبدًا نسي، في ظلمه الغفلة- المنعم سبحانه وجرى مع لهوه وهواها فهل ينسى أن له أجلًا محدودًا، وأمدًا لا يستأخر عنه ساعة، ولا يستقدم إن كل أسباب القوة والعافية لا تؤخر داعي الموت لحظة إذا حان الأجل.

سبيل الموت على كل حي                                                     وداعية لأهل الأرض داعمي

ثم هل ينكر مؤمن أن له بعد الموت بعثا ونشورًا، وحسابًا وجزاء منتهاها إحدى منزلتين: إما نعيم مقيم في مستقر الرحمة ودار الرضوان ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ (الرعد ٣٥) وإما إلى نار ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم 6)

فالسعيد من نجا، ولا بغير طريق الهدى والمؤمن من فاز ولا فوز إلا باليقظة والحذر والتسربل بالتقوى والورع، فقد جرى بذلك القضاء وسبق الكتاب: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ (مريم 63).

الرابط المختصر :