العنوان فكر وثقافة (1979)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1979
نشر في الصفحة 52
السبت 03-ديسمبر-2011
لابد من "صنعا"! (1 من 5)
د. حلمي محمد القاعود- أستاذ الأدب والنقد
- الأديب الراحل يستحق أن أذهب إلى بلدته في حضرموت وأرى بيته « "دار السلام" الذي تحول إلى متحف قومي
"صنعا" تناديك من أجل "باكثير".. وكان علي أن ألبي النداء مهما كانت المشقات فـ "باكثير" الأديب العربي المسلم الذي غنى لأمته أعذب الغناء وأشجاه؛ يستحق أن أذهب إلى بلدته في حضرموت باليمن السعيد، وأرى بيته "دار السلام"، وأسعد بتحويله إلى متحف قومي يضم متعلقاته الشخصية وصوره مع أعلام زمانه في مصر وخارجها ؛ فضلاً عن كتبه ومخطوطاته، وأرى بيوت "الكثيريين" وما أكثرها في مدينة سيئون، وأقف على الأماكن التي ارتبط بها ومعها، ومنها مسجد قيدان الصغير الذي كان يؤدي فيه الصلوات الخمس، ثم أجول في الأحقاف، ومدنها وقراها، وأرى عالما مربوطا بالتاريخ والجغرافيا، وله في حضارة الإسلام نصيب غير هين.
فرحت عندما عرفت أن الدخول إلى اليمن بدون تأشيرة، شكرت العبقري الذي ييسّر دخول بلاده دون تعقيدات، ويجعل على من يريد الإقامة أكثر من شهر مخاطبة الجهات المعنية لتذلل له المسألة.. ارتبطت التأشيرة في وجداني بأمور غير طيبة منها التعقيدات البيروقراطية، والزحام في الطوابير، والمنّ والأذى من جانب كثيرين؛ ليس أصحاب السفارات والقنصليات وحدهم؛ بل من جانب المصريين الذين يعملون عندهم، يستوي في ذلك من يعملون في قنصليات عربية ومن يعملون في قنصليات أجنبية بعض القنصليات العربية وخاصة في شمال أفريقية تبدو أقرب للسماحة وروح المودة، أما في بقية البلدان العربية فحدث ولا حرج!
قام نجلي محمد بحجز التذكرة ذهاباً وإيابا، ولم يتنبه إلى مشكلة ظهرت فيما بعد، وهي الرحلة الترانزيت كيف؟ .. كان الذهاب إلى صنعاء ومنها إلى سيئون معضلة، سألت بعض من سافروا إلى اليمن كم ساعة تستغرقها الرحلة إلى صنعاء؟ قالوا: حوالي ثلاث ساعات، وسألت كم تستغرق الرحلة إلى سيئون؟ قالوا: نحو ساعة! قلت في نفسي: حسنا ! أربع ساعات يمكن احتمالها في مثل ظروفي الصعبة، وحين قرأت الحجز الذي قدم به نجلي من القاهرة إلى القرية حيث أقيم (نحو مائتي كيلو متر)، وجدت أن الرحلة تستغرق إلى صنعاء سبع ساعات تقريبا، وساورني القلق وقلت لعله خطأ في طبع التذكرة أو بيانات الحجز؛ لأن بيانات الحجز إلى سيئون معقولة، حيث حددت الرحلة بأنها تستغرق ساعة.
وعندما سألت أحد الأشخاص عن فترة الانتظار الطويلة ست ساعات على الأقل بين الرحلتين، قيل لي: إنهم في صنعاء سيأخذونك إلى الفندق الخاص بالمطار ويستضيفونك حتى يأتي موعد الرحلة الداخلية .. فقلت في نفسي: لا بأس، لقد حلت المشكلة، واستسلمت للأمر الواقع!
في يوم السفر؛ رافقني نجلي أحمد إلى المطار، قاد السيارة لأني لم أعد قادراً على القيادة، وكان معنا أحد الشباب من الأقارب، قدمت التذكرة للصعود إلى الطائرة لم تكلمني الموظفة عن الرحلة ولا ما يمكن أن يحدث في الترانزيت، ومن إجهادي نسيت أن أسألها، وتوجهت إلى بوابة الصعود إلى الطائرة.
بدا لي أن أتناول قدحا من الشاي قبل الصعود ؛ بعد أن تناولت لقيمات حملتها معي من المنزل، ذهبت إلى مقصف المطار، وطلبت الشاي، فإذا بالعامل يعتذر، ويقول: إنه لا يوجد سوى الشاي الأخضر. قلت له : إنني فلاح تربيت على الشاي الأحمر فاعتذر وأخبرني أنه يمكن أن أصعد إلى الدور العلوي فالمقصف هناك به شاي أحمر ، ولكن العامل اعتذر أيضا عن عدم وجود شاي أحمر، لأنه لا يوجد غير الشاي الأخضر، واقترح أن يضع لي منه تذكرة إضافية لكي يكون الشاي شبيها بالأحمر أو أشرب نسكافيه، سألت عن سعر النسكافيه فقال لي: ٢٥ جنيها مصريا ! فسألت بالتبعية عن ثمن الشاي فقال: ١٢ جنيها وهنا قلت له شكرا جزيلا واعتذرت عن تناول أي شيء! ولكنه - يا للغرابة - قال لي: إنهم سيجلبون من أجلي تذكرة من الشاي الأحمر بطريقة ما قبلت ودفعت الجنيهات الاثني عشر، وتساءلت في داخلي هل يخضع مثل هذا المقصف للقانون أو للأسعار العالمية التي يتحدثون عنها دائما في معرض المقارنة مع غيرنا ؟ ثم توجهت إلى باب الطائرة.
كنت أتصور أن عدد المسافرين قليل، فبعد الشقة يجعل التفكير في السفر أمراً صعبا ويقلل عدد من يفكرون فيه، ولكن الطائرة كانت مكتظة، وأعلن قائدها أن الرحلة ستتجه أولا إلى مطار "الريان" في مدينة المكلا عاصمة حضر موت، وأن الرحلة ستستغرق ثلاث ساعات وبعض الساعة، وعرفت بعدها من جيراني في المقعد أنها ستمكث في المطار حوالي ساعة ثم تقلع إلى صنعاء وتستغرق ساعة أخرى، وبذلك يكون الوقت الذي تضمنته بيانات الرحلة صحيحا إلى حد كبير، ومعنى ذلك أنني سأصل إلى صنعاء مع منتصف الليل تقريبا وهو ما حدث بالفعل.
معظم ركاب الطائرة من حضر موت، وكثير منهم جاء إلى أرض الكنانة للاستشفاء، فأسعار العلاج في مصر بالنسبة لليمن تبدو معقولة، فضلا عن وجود المتخصصين وفي السياحة العلاجية فوائد كثيرة للطرفين، وليت القوم في قاهرة المعز يوسعون فرصة العلاج في الأقاليم مثل الإسكندرية والمنصورة، لتكون دائرة التعارف والتبادل الاجتماعي والإنساني أكثر وأرحب، ليس لليمنيين وحدهم، ولكن لكل العرب والقادمين من البلاد الإسلامية، مع القضاء على عناصر الاستغلال والانتهازية و"الفهلوة" التي تذهب بالجهود الطيبة وتفسدها .
في مطار "الريان" بالمكلا، جلسنا في الطائرة حتى صعد إليها الركاب الجدد المتوجهون إلى صنعاء، وجلس بجواري شابان في العشرينيات، أخبراني أنهما من صنعاء ويعملان في مجال الغاز أو النفط. أول مرة أعلم أن اليمن فيها غاز ونفط فرحت في داخلي، وكنت قد سمعت منذ سنوات أن اليمن يعوم على بحيرة من البترول، ولكنها لم تستغل بعد، تمنيت لأهل اليمن أن يعوضوا سنوات العناء التي أشار إليها البردوني في مطولته:
ماذا أحدث عن صنعاء يا أبت *** مليحة عشيقاها السل والجرب
فهي اليوم مليحة تتزين وتعالج السل والجرب بأساليب كثيرة، وتتعدد فيها المدارس والجامعات والمستشفيات والمؤسسات المختلفة، فضلا عن شق الطرق ورصفها واستيراد السيارات الحديثة.
الشابان اليمنيان اللذان جلسا بجواري تكلما معي في موضوعات شتى، وعندما تطرق الحديث إلى «القات حيث كانا يحملان لفافة منه قالا: إن مصر تحكم بالسجن المؤبد على من يحمله، ولكنه هنا مسموح به، ويتناوله القوم جميعا، ضحكت وسكت ولم أحاول أن يسترسلا في الحديث وكانت الطائرة توشك على الهبوط في صنعاء.
وكانت ليلة من العذاب غير مسبوقة؛ بدءا من الجوازات حتى ركوب الطائرة الثانية بعد ست ساعات تقريبا !
شخصية "الحمار" في الفكر والأدب (۸)
الحمار يؤلف
بقلم: د. جابر قميحة- أديب ومفكر إسلامي - مصر
- من أشنع مشكلات الجهاز الوظيفي في مصر وضع الرجل المناسب فى المكان غير المناسب
- الحكيم يجسد الخلل الوظيفي بمصر في الحوار الطويل الذي دار بين المليونير والصعلوك
الحمار يقترح على المؤلف أن يملي عليه مسرحية الحوار فيها بالعامية، أما الحوار بين الحمار والمؤلف فبالعربية الفصحى يوافق المؤلف.
وبطل المسرحية أحد مليونيرات العصر، ومن خلاله ينطلق الحكيم ليبرز تناقضات العصر ،وأباطيله، أما الشخصية الثانية فهي شخصية "لهلوب الصعلوك"، الذي ينجح كموظف في مكتب المليونير بعد امتحان تافه.
وفي المسرحية ينثر الحكيم نقده الاجتماعي المر لبعض مظاهر المجتمع وتناقضاته ونقائصه، والانفصام الكبير بين الطبقات.
- المؤلف: أنت تقول : إن المليونير وصعلوكه يخرجان معه.
- الحمار: نعم يخرجان معاً إلى الشارع حيث القهوة التي بها أصحاب الملايين، أظن هذا يتمشى مع المنطق.
- المؤلف : أرجوك لا تتحدث هنا عن المنطق.
- الحمار: المهم أنهما الآن في الشارع، وهناك يصادفان فتحة "المجرور".
المؤلف: مجرور ؟!
- الحمار: نعم مجرور، ألا تعرف المجرور ؟! ألم تصادف شوارع مبقورة البطن؟ خارجة الأحشاء والمطبات فيها منتفخة والمجاري منفتحة.
- المؤلف: ما علينا نحن الآن في المجرور؟ ماذا يحدث بعد ذلك؟
- الحمار: قلت لك : إن المليونير وصاحبه يصادفان في الشارع فتحة مجاري يطل منها رأس عامل .. أليس هذا طبيعيا؟
- المؤلف: وبعد ؟
- الحمار: يستلفت هذا بالطبع نظر المليونير.. ويبدأ فى السؤال
- المليونير: ناظراً إلى العامل في المجاري: إيه ده؟ بيعمل إيه؟
- الصعلوك: زي ما أنت شايف.. بيشتغل في المجاري.
- المليونير: مجاري؟!
- الصعلوك: أيوه أهو غارق في مجرور أوساخ.. قاذورات.. تحب تقف تتفرج.
- المليونير: وإيه اللي في إيده ده؟
- الصعلوك: سماعة تليفون.
- المليونير: تليفون في المجرور ؟!
الصعلوك: وفيها إيه؟!
المليونير: وبيتكلم في التليفون .. بيكلم القاذورات؟!
- الصعلوك: بيحصل.
- المليونير: بيحصل إيه؟
- الصعلوك في علاقة أحياناً بين التليفونات والقاذورات.
- المليونير: (ينظر في الفتحة) لكن دا يظهر بيصلح سلك تليفون في المجاري.
- الصعلوك: أسلاك التليفون ماشية مع المجاري.
- المليونير: الراجل ده مسكين قوي. الصعلوك : طبعا شوف يعني حال اللي شغله في المجرور .
- المليونير (للعامل): اسمع يا حضرة.
- العامل (يرفع رأسه من فتحة المجرور): أفندم..
- المليونير: إمتى آخر مرة أكلت فيها تفاح؟
- العامل: تفاح إيه؟!
- المليونير: (للصعلوك): فهمه قصدي.
- الصعلوك (للعامل) : إنت مش سمعت عن حاجة اسمها تفاح؟
- العامل: إنتم بتكلموني في إيه يا حضرات؟
الصعلوك: لا لا .. حضرته عاوز يذوقك التفاح.. عندك مانع؟
العامل: روح الله يحنن عليك إنت وهو.. أنا لا بشتري تفاح، ولا بادوق تفاح. (ص ٦٠، 61 ، ٦2).
الرجل المناسب في المكان غير المناسب ولعل من أشنع مشكلات الجهاز الوظيفي في مصر، هو وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب، أو وضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب.
وهناك تعيين الموظفين عن طريق "القوى العاملة"، ويحدث في هذه التعيينات مفارقات غريبة عجيبة؛ خريج كلية أصول الدين قد يوضع مفتش تموين أو رئيس قسم في شركة أدوية وخريج كلية الزراعة يعمل بالتدريس وخريج قسم التاريخ بكلية الآداب يعمل في التأمينات.. إلخ.
وهناك العدد الضخم من ضباط الجيش الذين حُوِّلوا إلى وظائف مدنية.
وهناك التكدس الوظيفي في المصالح والدواوين؛ فالوظيفة التي تحتاج لشخصية واحدة يرصد لها أكثر من عشرة موظفين .. إلخ.
هذا الخلل الوظيفي- وخصوصا في صورته الأولى - التي تتلخص في وضع الأمر في يد غير أهله جسّده الحكيم في الحوار الطويل الذي دار بين المليونير والصعلوك أو موظفه "لهلوب".. المليونير يكلف الصعلوك بإحضار قبطان يصلح لقيادة اليخت الذي أزمع شراءه ليقيم عليه ولائم "للغلابة والهلافيت" ويستجيب الصعلوك لمشيئة سيده المليونير ويحضر معه القبطان، ويفاجأ المليونير أن القبطان أعمى:
- المليونير: إيه ده؟ إيه ده؟!
- الصعلوك: القبطان. إيه؟!
- المليونير: قبطان؟! هو مبيشوفش ولا
- الصعلوك: شوية كدة. - المليونير يعني إيه؟
- الصعلوك: يعني هو بس كفيف.
- المليونير: كفيف؟! يعني أعمى.
- الصعلوك: مولود كدة، خلقة ربنا . - المليونير قبطان أعمى؟!
- الصعلوك: وماله ؟ إحنا عاوزين عنيه نعمل بها إيه؟!
- المليونير: ويشوف إزاي؟!
- الصعلوك: وليه يشوف البحر؟
- المليونير: قبطان ميشوفش البحر ؟!
- الصعلوك: ولا له دعوة بالبحر هو يقعد في القمرة بتعته ويصدر الأوامر شيلوا الهيلب .. نزلوا الهيلب، اخرجوا من المينا.. ادخلوا المينا ، اضربوا صفارة.. بلاش صفارة روحوا يا بحارة .. تعالوا يا بحارة .. وهلم جرا .
- المليونير: وهو سبق له إنه ساق مراكب؟
- الصعلوك: طبعا .. مش قبطان ودي حاجة صعبة؟ هو هيسوق أوتوموبيل ويلقى أدامه إشارات مرور حمرا وخضرا؟ دا بحر واسع .. سداح .. مداح.
- المليونير: أنا مش مصدق الحكاية دي.
- الصعلوك: أهو عندك اسأله.
- المليونير: (للقبطان): اسمع يا .. إنت قبطان؟
- القبطان: إي.. نعم.
- المليونير: سبق لك شغل على مراكب؟
- القبطان: كتير .. طول عمري .
- المليونير: والبحر؟
- القبطان: ماله البحر؟
- المليونير: تعرفه.
- القبطان: وأعرف كل موجة فيه.. وكل نسمة.. وكل سمكة ..
- المليونير: وإنت بتشتغل إيه دلوقتي؟ القبطان: خالي شغل.
- المليونير: ليه؟
- القبطان: علشان الجهل والتغفيل وقلة التقدير.
- المليونير: إزاي حصل .. آه وازاي حصل؟
- القبطان: حصل يا سيدي الفاضل أني كنت آخر مرة قبطان على مركب، وفي وسط البحر حضر لي المساعد بتاعي، وقال لي: إن فيه نور على بعد قلت له: إحنا فين؟ قال: قرب جبل طارق، قلت له: إلحق دي فيها وحش بحري مخيف عينيه الاتنين بتشع شرار، هي النور اللي شافه، وأمرته ينصب المدافع ويصوب على عنين الوحش وفعلا ..
- المليونير: فعلا إيه؟
- القبطان: ضربنا الوحش بالمدفع قلعنا عنيه الاتنين.
- المليونير: وبعدين؟
- القبطان: وبعدين ولا حاجة.. أخدونا وحاكمونا .
- المليونير: حاكموكم ! ليه؟
- القبطان: قال إيه يا سيدي، النور ده كان نور منارين فوق صخرة، وإحنا هدمنا المنارين بالمدفع .. وحاكمونا وجازونا.
- الصعلوك: شوف الظلم والافترا .
- المليونير: (يهجم على الصعلوك ويصفعه) افترا .. افترا يا ابن ..
- الصعلوك: الله .. الله .. إحنا منا ضرب؟
- المليونير: ده قبطان ده حيوان.. خده أوام اسجنه اسحبه من هنا ، اخرج وما تورنيش خلقتك، وإلا ورب العزة أكون مدشدش دماغك ده اللي بتخرجه منه البلاوي !
- الصعلوك: وأنا ذنبي إيه بس؟ قلت لي هات قبطان جبت لك قبطان !! (ص ٧٣، ٧٤، 75، ٧٦).