; رفيق دربه محسن أبو عيطة لـ«المجتمع»: كان يواجه قسوة السجن بعزة وثبات وعزيمة لا تلين | مجلة المجتمع

العنوان رفيق دربه محسن أبو عيطة لـ«المجتمع»: كان يواجه قسوة السجن بعزة وثبات وعزيمة لا تلين

الكاتب إيمان يس

تاريخ النشر السبت 04-أبريل-2009

مشاهدات 60

نشر في العدد 1846

نشر في الصفحة 24

السبت 04-أبريل-2009

في الذكرى الخامسة لاستشهاد الشيخ أحمد ياسين

كان الشلل أقل الأمراض التي يعاني منها الشيخ فكل شيء فيه كان يشكو.. وكان مصابا بحساسية مفرطة في الجلد

سألت مدير السجن: كيف تعتقلون شيخًا مريضًا مقعدًا؟! فأجابني: نحن لا نسجن جسده بل نعتقل إرادته وعقله وفكره!

«كنتُ أشعر بأنني أمام جبل بكل ما تحمل كلمة جبل من معاني الإرادة والصمود، فالشلل الذي أصاب جسده وحوّله إلى جثة هامدة لم يصب إرادته وعزيمته، فهو رجل الكلمة والموقف، وصاحب القلب الرحيم، وصفاته ومواقفه أكثر من أن تُعد أو تُحصى.. ونحن - الصغار - عندما نتكلم بألسنتنا عن أناس تكلموا بأشلائهم ودمائهم فإننا نصغر حقيقة أمام عظمة هؤلاء الرجال، ولولا أن هذا من الإكرام لهم بأن نتكلم عن سيرتهم ما تحدثنا عنهم، فلعلنا بذلك نوفيهم جزءاً من حقهم».. هكذا يحب «محسن أبو عيطة» دائمًا أن يبدأ حديثه عن شيخ الشهداء أحمد ياسين، وأبو عيطة هو أحد تلامذة الشيخ وقد أكرمه الله - كما يقول - بمرافقته وخدمته في السجن لمدة خمسة أشهر.

وفي الذكرى الخامسة لاستشهاده يكشف أبو عيطة لـ «المجتمع» تفاصيل مرافقته لشيخ الشهداء.. فإلى نص الحوار:

  • تحب دائمًا في دروسك ومحاضراتك أن تصف الشيخ بالجبل تأكيدًا على صموده وثباته، كيف لمست هذا أثناء مرافقتك له في سجنه؟

- لن أتحدث عن أقوال محبيه في هذا الشأن، ولكن سأذكر ماذا قال خصومه عنه وكيف واجهوه، وسوف أذكر هنا موقفين:

 أولهما: بعد انتهاء التحقيق معي علمت أنني سأُسجن مع الشيخ في زنزانة واحدة، فلم أستطع أن أتمالك نفسي، لأنني أيقنت أن الشيخ سيُسجن بالفعل، وعندها توجهت بالسؤال لمدير السجن قائلًا: بالله عليك أي قانون أرضي وضعي أو سماوي يسمح لكم بوضع شيخ مسن ومريض مقعد في سجن؟! فأجابني: نحن لا نسجن الشيخ، فهو في الأصل مسجون في كرسيه، نحن نعتقل إرادته وعقله وفكره!!

وثانيهما: عندما التقيت ضابط المخابرات الذي ادعى أنه كان المسؤول عن الشيخ - يرحمه الله- سألته: هل امتدت أيديكم بالضرب للشيخ؟ فأجابني بعد تردد: نعم، فقلت له بالله عليك أي رجولة وأي جرأة تسمح أن يمد الإنسان يده على مقعد مريض؟! فأجابني: «الشيخ رأسه ناشفة»!!

 عنواني معروف

  • هل حاول أحدهم تهديد الشيخ في السجن أو مساومته كي يتم الإفراج عنه؟

- نعم، بل إن ذلك تكرر مرارًا داخل السجن وخارجه، فمرة طلبوا منه أن يزودهم بمعلومات عن جثة الجندي المختطف «إيلان سعدون» فقال: أنا أكبر من أن أخرج مقابل جثة!! وتارة يطلبون منه أن يلين قليلًا في مواقفه، وأعطوه الوعود بألا يكشفوا ذلك لأحد بل سيقولون: إنهم أخرجوه لأسباب إنسانية، أيضًا رفض فساوموه على الخروج مقابل أن يختار لنفسه مكانًا يعيش فيه وسوف يوفرون له كل أسباب الرفاهية والعيش الرغيد، فأجابهم: لقد وُلدت في فلسطين، وأحمل أمنية أن ألقى الله عز وجل شهيدًا كي أُدفن في فلسطين.

أما خارج السجن، فأذكر يوم وصلته رسالة تهديد عن طريق الأمريكان وأخرى عن طريق بعض الدول العربية بأن اليهود قد رفعوا الحصانة عن القيادة السياسية، وأنهم مقبلون على اغتيالات وقالوا له: «أنت لست خطًا أحمر»! فكان رد الشيخ ردًا قاسيًا قال فيه: «إنني أرفض أن يتوسط لي أحد، فنحن بدأنا مشوارًا نعرف نهايته جيدًا، نحن بدأنا لنُستشهد».. وبنبرات العزة أضاف قائلًا: «أجب مَنْ أرسلوك بأن روح الشيخ ليست أغلى من روح أي طفل فلسطيني، وإذا أردتموني فلن تضلوا الطريق، فعنواني واضح، وكرسي معـروف، وحركتي أمام الجميع».

 وكان - يرحمه الله - يردد دائمًا:

نحن الجسورُ وجيلُ النصر يعبُرنا

                                يا داعيَ اللهِ بَلّغ أمةَ العربِ

أنّا لعزتهم قامت كتائبُنا

                             فلنرفع الرأسَ بالقسّام للسُحُب

  • كيف كَان الشيخ يواجهَ صعوبة الأوضاع المعيشية والصحية داخل السجن مع ما يعانيه من أمراض؟ 

- حقيقة لم أسمعه يومًا يشكو من السجن، والله إن الإنسان ليحتقر نفسه وهو يراه لا تغيب عنه الابتسامة داخل الزنزانة، لا يتأوه ولا يتأفف في الوقت الذي كانت كل خلية في جسده تشكو إلا لسانه وقلبه، فقد كان صاحب قلب شاكر ولسان ذاكر، وكان مداومًا على قراءة القرآن، مما جعل لسانه يسعفه في كثير من المواقف الحرجة أمام الإعلام، فلم تُسجل عليه زلة في موقف سياسي أو في اجتهاد فقهي.

ورأينا كيف يواجه قسوة السجن بعزة لا تقل عن تلك التي عرفناها عنه في كل مواقفه وأذكر أننا اعتقلنا في زنزانة ضيقة لا تتسع لأن نصلي بها جماعة أنا وهو وأخ ثالث كان ذلك في سجن «كفاريونا» في شمال فلسطين، وفي شهر يناير حيث البرد القارص، وفي الطابق العلوي، والباب والنوافذ مكونة من قضبان حديدية أي أنها غير مغلقة فتزيد من الشعور بالبرد بدلًا من أن تمنعه، فكنا وكأننا في «فريزر» «مجمّد»، ولم نترك قطعة بشكير أو سجادة صلاة أو غطاء إلا وكنا نضعها فوق الشيخ، وذات يوم عندما خرجنا للفسحة لاحظت أن جميع غرف المسجونين - وهم من اليهود فقد كنا العرب الوحيدين في هذا السجن - بها مدفئة فقلت للشيخ: إذًا من حقنا أن نطالب نحن أيضا بمدفئة، فأجابني بعزة قائلًا: «نحن في سجن ولسنا في فندق خمسة نجوم»!! فقد كان يرفض بشكل قطعي أن يطلب من عدوه شيئًا.

موقف آخر عندما فكرنا أن نخوض إضرابًا عن الطعام كي نجبر الصهاينة على تحسين أوضاعنا المعيشية، ففاجأنا الشيخ قائلًا: «خوضوه وحدكم، فأنا لا أريد أن أخوضه معكم نحن نعيش في سجن ماذا تنتظرون من عدوكم؟!».

قرص ملّين.. قبل التحقيق!!

  • وفي لحظات التحقيق، ماذا كان يفعل الشيخ؟ 

- لم يكن يُسمح لنا بمرافقة الشيخ في التحقيق، إلا أني رأيت كيف كان يستعد لذلك، وكانت من أكثر لحظات العزة التي رأيت فيها الشيخ، فقد كان يستعد للمحاكمة بقرص مليَّن!! فقد كان - يرحمه الله- مصابًا ببواسير شديدة وكان يتغوط الدم، ويحتاج إلى من يساعده لقضاء حاجته إلا أنه كان يرفض أن يكون لأعداء الله فضل عليه أو أن يطلب منهم أي شيء، ففي ليلة المحاكمة كان يتناول هذه الحبة كي لا يحتاج إلى أحد، كما أنه كان ينوي الصيام حتى لا يطلب منهم ولا حتى شربة ماء!!

هكذا يُطلب العلم

أمام هذا العطاء المعنوي والتربوي الفياض، هناك مواقف لا تنسى، فماذا تحمل منها في ذاكرتك؟

- لقد أكرمني الله عز وجل بخدمة الشيخ، فكنت أجعل له وسادة على الكرسي وأضطجع مقابله على السرير، فيجلس للقراءة في المصحف أو في بعض الكتب التي كانت نادرًا ما تدخل، وكلما أنهى صفحة أومأ لي برأسه أو بعينه حتى أقلب له الصفحة.. وفي إحدى الليالي كنت مريضًا فأصابتني سنة من النوم، إلا أنني استيقظت فجأة وأذهلني ما رأيت!! رأيت الشيخ يهز رأسه بشدة ليتأرجح بجسده على الكرسي، ويلقي بصدره ورأسه على الكتاب ويمد لسانه ليقلب صفحة الكتاب!! فكان مشهدًا لا يمكن أن أنساه، وهو درس لنا جميعا نتعلم منه كيف يطلب العلم من شيخ مقعد مسن مريض في زنزانته.

 ليس هذا فقط بل إنه عندما سألته مغاضبًا: لماذا لم توقظني؟ قال بحنق يحمل في طياته كل العزة: «كل شيء يمكن أن أفعله بنفسي يجب علي أن أفعله بنفسي»!! وتابع: «لولا مساعدتكم لي لاستطعت أن أمشي على قدمي»، فابتسمت وتذكرت كيف كان يحاول أن يمشي فيسقط في المتر الواحد عدة مرات، فيعود ويحاول جاهدا لا يعرف اليأس أو التعب، فتارة يتوكأ على عصاه، وتارة يجر قدميه على الأرض، ثم اشترى له بعض الإخوة كرسيًا متحركًا.

مؤامرة على لحيته!

  • رغم قسوة الحياة داخل السجون إلا أنها لا تخلو من المواقف الطريفة فماذا تذكر منها؟

- لعل ما لا يعرفه الناس أن الشلل هو أقل الأمراض التي كان يعاني منها الشيخ!! فكل شيء فيه كان يشكو، فقد كان مصابًا بحساسية مفرطة في الجلد تزداد في المناطق الحساسة مثل اللحية إلا أن هذا لم يمنعه من إطلاق لحيته وبشكل كبير في السجن، والغريب أنني عندما كنت أوضئه وأصل إلى اللحية كان يقول لي: يا شيخ خلل خلل، رغم أن تخليل اللحية سُنّة وهو مؤلم جدًا بالنسبة له، وتظهر آثاره بزيادة تهيج الجلد واحمراره، وفي يوم أشفقت عليه من هذه الآلام، فقررت أن أتآمر على لحية الشيخ - سامحني الله فقط اجتهدت وأسأل الله ألا أكون قد أخطأت في اجتهادي - وطلبت من الحلاق الذي كان يتفقد الشيخ بين الحين والآخر أن يقصرها دون أن يدري، وحقيقة أنه غضب عندما رأى وجهه في المرآة فقلت له ممازحًا: شعرك في الحفظ والصون، وقد جمعته لك  وسأبيعه بالشعرة في سوق غزة!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل