; المجتمع في مخيم المبعدين في جنوب لبنان | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع في مخيم المبعدين في جنوب لبنان

الكاتب جمال الدين شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1993

مشاهدات 90

نشر في العدد 1032

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 05-يناير-1993

فلسطين المحتلة.. المبعدون في مرج الزهور

 رحلة شاقة في العراء واللجوء الأول

في بقعة جبلية وعرة، وعلى تلة تضربها الرياح من الجهات الأربع بالقرب من جبل حرمون المُغطَّى بالثلوج، وفي درجة حرارة متدنية وجو يلفه الصقيع، يمضي المبعدون أيامهم في العراء.

 

مراسل مجلة «المجتمع»، كان أول صحافي عربي يصل للمنطقة العازلة بين مواقع الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية في خراج بلدة ميس بالقرب من مرج الزهور، أول بقعة لبنانية محررة.

 

الطريق مليء بالحواجز العسكرية للجيش اللبناني.. يُتأكَّد من الأوراق الرسمية الصحفية وإشارة بمتابعة السير.

 

الحاجز الأخير للجيش اللبناني يطلب ترك السيارة عنده والسير مشيًا على الأقدام نحو 4 كيلومترات. الأوامر مشددة بمنع دخول السيارات والأشخاص، باستثناء الصحفيين يُسمح لهم بالتوجه مشيًا على الأقدام.

 

نترك السيارة عند الحاجز اللبناني ونجمع الكاميرات وأجهزة التسجيل والأوراق، ونبدأ رحلة شاقة في صعود الجبال. بعد نصف ساعة ويزيد من السير تلوح الخيام واللحى، ويُشَنِّف الآذان صوت "الله أكبر".

نصل والقوم في الصلاة، إمامهم الشيخ حامد البيتاوي «خطيب المسجد الأقصى» وقد اخضلت لحيته الرمادية الكثيفة بالدموع أثناء القنوت. ومن خلفه نائب الجماعة الإسلامية الدكتور زهير العبيدي، كان أول الواصلين من الرسميين اللبنانيين. نعانقهم بعد الصلاة بحرارة، وتنهمر الدموع عندما يعرفون أنني مراسل «المجتمع». ترتفع الآهات والنداءات والدعوات لله أن يحفظ المسلمين في كل مكان، ويحفظ للكويت مسيرة أمنها واستقرارها وإيمان شعبها، ويذكرون بخير جهود لجنة المناصرة وجمعية الإصلاح، ويحملونني التحيات والأشواق.

 

مراسلو الوكالات الأجنبية «رويتر» والصحافة الفرنسية يتحلَّقون حول الشيخ بعد فراغه من الصلاة، فيبادرنا قائلاً:

 

نشكر للقائمين على وسائل الإعلام اهتمامهم بقضيتنا العادلة وشرحها للرأي العام، نشكركم على هذا الموقف والدعم المعنوي، ونسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين آمنة مطمئنة.

 

نشكر للبنانيين حسن ضيافتهم، ونحن مهما طال الزمن مصممون على أن نعود إلى فلسطين بإذن الله؛ لأننا أصحابها الشرعيون واليهود هم الغرباء، وسننتصر لأننا أصحاب الحق ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227). ونبدأ الحوار:

 

 حوار مع الشيخ حامد البيتاوي: مؤامرة الإبعاد

المجتمع: برأيك لماذا تم إبعادكم؟

 

البيتاوي: اليهود يحاربون الإسلام والمسلمين، يريدون تفريغ فلسطين من الدعاة إلى الله، فقد أخرجوا معنا مئات الأئمة والعلماء والخطباء، خاصة خطباء المسجد الأقصى، وأساتذة كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة.

 

اليهود جعلوا حجتهم خطف جنديهم - رغم أنهم يتآمرون على شعبنا ويخططون لوأده - وهم خططوا للإبعاد قبل قتل الجندي، ومن حق شعبنا الفلسطيني أن يقاوم المحتلين.

 

السبب ليس قتل الجندي، بل هم يريدون تمرير مخططاتهم الاستسلامية وإضعاف المقاومة.

 

المجتمع: هل ما زلتم عند موقفكم برفض التسوية الاستسلامية؟

 

البيتاوي: نحن كشعب فلسطيني نرفض الحلول الاستسلامية؛ لأنها إذلال للأمة، نحن ضد هذا المخطط وسنقاومه - بإذن الله -.

 

المجتمع: هل تم إبعاد أشخاص من الاتجاهات الأخرى غير الحركة الإسلامية؟

 

البيتاوي: اليهود يركزون في عداوتهم على محاربة المسلمين والإسلام وضرب الحركة الإسلامية وعلماء المسلمين، إذ إنهم يريدون تخريب المساجد بإبعاد الأئمة والدعاة، لذلك لم يتم إبعاد أشخاص غير إسلاميين.

 

المجتمع: هل من كلمة أخيرة؟

 

البيتاوي: نشكر الحكومة اللبنانية لرفضها تمرير مؤامرة اليهود بإبعادنا، ونشكر الإخوة في الجماعة الإسلامية الذين زارونا فور إبعادنا وأمنوا بعض الاحتياجات الضرورية اللازمة، ونسأل الله أن نرد لكم هذا الجميل في وطنكم في فلسطين - إن شاء الله - في القريب العاجل.

 

 الدكتور الرنتيسي: الانتفاضة ستقوى

نتابع جولتنا على المبعدين الذين توزعوا على التلال المحيطة بالمنطقة في الأراضي الوعرة لمراقبة الوضع، فهم لا يبعدون أكثر من كيلومتر واحد عن حاجز قوات الاحتلال الإسرائيلية.

 

الطيران الإسرائيلي يحلق فوقنا، وفجأة يدوي صوت قذيفة مدفعية تسقط بالقرب من المخيم فينبطح الجميع. إن المكان خال إلا من الصخور وبعض الخيام التي لا تفي بالحاجة. المبعدون أكثرهم من الأطباء والصيادلة وأساتذة الجامعات.

 

الدكتور الرنتيسي

 

نتقدم من الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد مؤسسي «حماس» الذي يؤكد لنا «أن الحركة الإسلامية قوية وقاعدتها ما زالت في فلسطين ولا يعرف العدو أماكن تواجد عناصرها.

 

نبادره بالسؤال:

 

المجتمع: ما هي الإجراءات التي قُدِّمَت لكم حتى الآن؟

 

د. الرنتيسي: قُدِّمَت لنا مساعدات من الجماعة الإسلامية وحزب الله والحزب التقدمي والصليب الأحمر الدولي، حيث يوفرون لنا الماء والطعام والأغطية.

 

المجتمع: هل تعطينا نبذة عن الأعمار الموجودة بينكم؟

 

د. الرنتيسي: أصغر الشباب في 17 من عمره، وأكبرنا في 65 من العمر، الموجودون معنا معظمهم من الأطباء والصيادلة ورئيس جامعة غزة الدكتور سالم، بيننا أكثر من 30 من حملة الدكتوراه و 14 طبيبًا ومئات من المدرسين والعلماء وبينهم خطيبان للمسجد الأقصى.

 

المجتمع: هل كل المبعدين من «حماس»؟

 

الرنتيسي: يوجد 19 شخصًا من الجهاد الإسلامي والباقي من حركة حماس.

 

المجتمع: لا توجد تنظيمات أخرى؟

 

د. الرنتيسي: كلا.

 

المجتمع: كيف ترى مستقبل الانتفاضة بعد هذا الإبعاد؟

 

د. الرنتيسي: الانتفاضة لن تتوقف.. محاولات كثيرة بذلها وزراء خارجية أميركا في بداية الانتفاضة لوقفها، وآخر حركة لرابين كانت إبعادنا ظنًا منه أن ذلك سيقضي على الانتفاضة، لكن ذلك سيقويها وسيجعل الناس في شوق أكثر لممارسة العمل الإسلامي لسد الفراغ، وسيكون الشعب أكثر شوقًا للشهادة والتمسك بالهوية الفلسطينية.

 

المجتمع: ما رأيك بسياسة «منظمة التحرير» الحالية؟

 

الرنتيسي: للأسف الشديد لقد كانت بداية منظمة التحرير بداية إسلامية، لكن بعد دخولها مع بعض الحكام العرب وضعت نفسها في مأزق كبير كانت نهايته أنها جلست مع الدول العربية في مفاوضات السلام التي لن تجلب لنا الخير على الإطلاق.

 

المجتمع: هل يمكن إصلاح المنظمة من الداخل؟

 

الرنتيسي: هناك تيار إسلامي داخل المنظمة وإن شاء الله هذا سيجعلهم يشعرون - يومًا ما - أن الحل الوحيد لقضية فلسطين هو الإسلام.

 

المجتمع: هل تتخوفون من صدامات داخلية على الساحة الفلسطينية؟

 

الرنتيسي: إن شعب فلسطين معروف بتلاحمه مع بعضه في وقت المحن.. تحدث في بعض الأحيان مفاضلات لكنها تكون كالغيوم العابرة.

 

المجتمع: هل هناك خوف من ضعف يلحق «بحماس» نتيجة الإبعاد؟

 

الرنتيسي: لقد أبعدوا الطبقة المثقفة التي لا تمارس الصراع اليومي.

 

وأعتقد أن من يطلق النار من حركة حماس ما زال داخل فلسطين وهم كُثُر، وكذلك الذين يقارعون الاحتلال - صباح مساء - لن تستطيع إسرائيل أن تبعدهم؛ لأنها لا تعرف أين هم؟

 

المجتمع: كيف ترى مستقبل التيارات الإسلامية في العالم العربي؟

 

الرنتيسي: ستكون في تزايد مستمر رغم العنف الذي يمارس ضدها، وهذا ما نلاحظه في مصر والجزائر وغيرهما من الدول العربية.

 

المجتمع: كلمة أخيرة توجهها لمنظمة التحرير؟

 

الرنتيسي: أقول كفانا مزايدات، والاجتماعات في واشنطن ومدريد مضيعة للوقت، وذلك كله على حساب الشهداء.

 

المجتمع: والحل برأيك؟

 

د. الرنتيسي: الحل هو الإسلام.

 

 شهادات عن ظروف الاعتقال والإذلال

وعن ظروف اعتقالهم وإبعادهم قال المبعد محمد برش: لقد كانت الاعتقالات عشوائية في المنازل والشوارع ومن دون اتهامات محددة، نقلونا في مروحيات ثم في سيارات كبيرة إلى «المطلة»، ومنها إلى «زمريا».

 

وأضاف: أمضينا أربعًا وعشرين ساعة مُكبَّلي الأيدي والأرجل معصوبي الأعين، ولم يُقدَّم إلينا طعام، وفي «زمريا» ألزمونا التوجه إلى حاجز الجيش اللبناني بالقوة، وأطلقوا علينا نيران رشاشاتهم، وأبلغونا أن العودة إلى معبر «زمريا» تعني الموت المحتم، وبعد ذلك طاردونا بالدبابات.

 

المبعد ناجي حليق: قال لقد انتزعوا منا البطاقات الشخصية وكل ما يعرف بهويتنا.

 

المبعد فواز سليقة من بيت لحم قال: هذه عملية طرد وليست عملية إبعاد، وهي تكشف عن حقيقة اليهود المجرمين، نطالب العالم بحل قضيتنا بأسرع وقت والضغط على العدو لإعادتنا إلى بيوتنا وأهلنا.

 

المبعد أيمن أبو مقاضيب: قال: لا ذنب «لحماس»، غير أنها على الإسلام تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

 

أطالب الدول الكبرى بوضع حد لمثل هذا الإجرام الذي لم يشهد له العالم سابقة أو مثيلًا. المبعد الدكتور سالم أحمد سلامة: القائم بأعمال رئيس الجامعة الإسلامية في غزة قال للمجتمع: نحن نصر على أن نبقى هنا قريبًا من أرضنا حتى نسمع صوتنا لأهلنا عبر وسائل الإعلام، وأننا على مواقفنا ثابتون حتى تُحَلَّ قضيتنا.

 

وأضاف: عملية الإبعاد مؤامرة مُدبَّرة لا علاقة لها باختطاف الجندي الإسرائيلي.

 

المبعد إسماعيل عبد السلام هنية: مدير مكتب رئيس الجامعة الإسلامية في غزة قال: الاعتقالات كانت فجائية، وتخطت كل الأشكال القانونية، فلم تُجرَ محاكمات، ولم يمثل أي من المتهمين أمام المحاكم العسكرية، وإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي مارست معنا أبشع أساليب التعذيب والإذلال.. فنقلتنا معصوبي الأعين مُكبَّلي الأيدي والأرجل ما يقارب من 36 ساعة بلا ماء أو طعام، وانهال الجنود علينا بالضرب، وأسمعونا أفحش الشتائم والسب لديننا الإسلامي ولنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.

 

وأضاف: بيننا عدد من كبار السن ممن يعانون أمراضًا مزمنة، وهناك عدد من المصابين بكسور وجروح بليغة بفعل التعذيب وإطلاق النار علينا عندما حاولنا العودة باتجاه حاجز القوات الإسرائيلية.

 

 مساعدات الإغاثة والأمل بالعودة

عن المساعدات التي تلقاها المبعدون لتمكنهم من مواجهة الظروف الصعبة للطقس في تلك المنطقة الشديدة البرودة وسط الثلوج المتراكمة على قمم الجبال.

 

قال أحد المبعدين: تلقينا بعض المساعدات من جزم وبطانيات وماء وأطعمة وثياب شتوية قدمتها الجماعة الإسلامية في لبنان كمساعدة عاجلة، وقام الصليب الأحمر الدولي بتأمين 50 خيمة وبعض الأغطية والحرامات، ووعدونا بتقديم المزيد لتوفير الحد الأدنى لمواجهة المحنة القاسية التي نعيشها.

 

نرجو ألا تطول إقامتنا هنا وأن نعود إلى أهلنا في فلسطين.

 

عند هذا الحد كان الطقس يوشك على الانفجار بوابل من الأمطار الغزيرة والثلوج، ودعنا الإخوة على أمل اللقاء لنعود إلى بيروت على وجه السرعة لنؤمن إيصال رسالتنا لـ «المجتمع».

 

وقلوبنا تنفجر ألمًا وحقدًا على نظام عالمي صهيوني يتفرج على تشريد المئات من بلادهم ولا يتدخل بل يبارك لليهود فعلتهم الشنعاء.

 

أبطال مرجالزهور.. هكذا عادوا .. بين الدموع والأمل 

 

 


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 3

153

الثلاثاء 31-مارس-1970

شكر وتقدير