العنوان فلسطين المحتلة - حماس تخترق الأطواق الأمنية وتضرب بعنف في تل أبيب
الكاتب أسامة عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1997
مشاهدات 62
نشر في العدد 1244
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 01-أبريل-1997
إبراهيم المقادمة: الجهاد لا المفاوضات يحرر القدس ويوقف الاستيطان. نتنياهو في مأزق ويطرح خيار حكومة الوحدة الوطنية. محلل عسكري إسرائيلي: عملية تل أبيب برهنت أن لدى حماس مخزونًا لا يستهان به من الانتحاريين. كان من الممكن أن تمر جريمة نتنياهو الاستيطانية في القدس بهدوء، في ظل الصمت العربي المطبق والانحياز الصارخ للإدارة الأمريكية الذي دفعها لاستخدام الفيتو مرتين لإجهاض مشاريع قرارات تطالب إسرائيل بوقف أعمالها الاستيطانية في جبل أبو غنيم، ولكن العملية الاستشهادية التي نفذها عضو الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» في تل أبيب، وكذلك المواجهات العنيفة التي اندلعت في أكثر من مدينة فلسطينية، أدت إلى إعادة خلط الأوراق، وعصفت بتوقعات نتنياهو وأماله بإمكانية الفوز بالسلام والأمن والاستيطان معًا.
العملية الاستشهادية التي نفذها الشهيد موسى غنيمات في ۲۱ مارس «آذار» جاءت بعد فترة هدوء نسبي استمر نحو عام كامل، حيث كانت حركة حماس قد نفذت سلسلة عمليات استشهادية خلال شهري فبراير ومارس «شباط وأذار» من العام الماضي ردًا على اغتيال قائد مجموعات الاستشهاديين «المهندس يحيى عياش»، ومنذ ذلك الحين لم تنفذ عمليات عسكرية مؤثرة ضد أهداف الاحتلال حتى جاءت عملية تل أبيب الأخيرة التي أعلنت حركة حماس أنها تأتي ردًا على مخططات الاستيطان في القدس وهددت بأن عمليات أخرى ستتلوها إذا لم تتوقف أعمال الاستيطان. وقد حظيت عملية تل أبيب الاستشهادية التي أسفرت عن قتل وجرح عشرات الإسرائيليين. بتأييد شعبي واسع داخل فلسطين وخارجها، بل إن كثيرا من المؤشرات تدل على أن أكثر من طرف رسمي يرى فيها خطوة إيجابية يمكن أن تشكل ضغطًا على نتنياهو وتدفعه إلى إعادة النظر في سياساته وتوجهاته العدائية إذا ما شعر بأنه مضطر لدفع ثمن باهظ جراء تلك السياسات التي أدت إلى تأزيم الأوضاع وأعادت عملية التسوية إلى نقطة الصفر.
وأشار محللون إلى أن حركة حماس اختارت أن تعود في الوقت المناسب إلى واجهة الأحداث لطرح خيارها الجهادي، بعد أن أثبتت فترة الشهور الماضية التي اتسمت بالهدوء الحذر أن خيار الاستمرار في التفاوض والانقياد لرغبات وإملاءات نتنياهو من قبل السلطة والأطراف العربية لم يؤد سوى إلى مزيد من التعنت الإسرائيلي والإمعان في إذلال العرب وتهويد الأرض. وجاء استئناف حماس لعملياتها الاستشهادية التي برعت فيها خلال الأعوام الماضية، متزامنًا مع مهرجانين حاشدين في خان يونس بقطاع غزة ونابلس في الضفة الغربية شاركت فيها حشود كبيرة أعلنت تأييدها لخيار المقاومة، وكان الدكتور إبراهيم المقاومة الذي تعتبره إسرائيل العقل المدبر للجهاز العسكري الحركة حماس كتائب عز الدين القسام والذي وصفه نتنياهو بأنه أخطر الإرهابيين في العالم كان نجم المهرجان، حيث أكد أمام المحتشدين أن المجاهدين الذين يحملون متفجراتهم على أجسادهم هم وحدهم القادرون على مواجهة جرائم الصهاينة ومخططاتهم الاستيطانية وأضاف قائلًا: «لا الشعر ولا الهتافات ولا المفاوضات ستحرر القدس، إنما الجهاد وحده سيحررها».
● اختراق وفشل أمني واجهت الحكومة الإسرائيلية اتهامات شديدة بالتقصير والفشل في الجانب الأمني حيث اعتبر عدد من الخبراء العسكريين والمحللين السياسيين الإسرائيليين، نجاح حركة حماس في تنفيذ عملية تل أبيب في ظل الإجراءات الأمنية المشددة التي كانت سائدة. مؤشرا على قوة الحركة وقدرتها على الضرب في العمق الصهيوني، ومؤشرًا كذلك على عدم نجاعة الإجراءات الأمنية الاحتياطية التي اتخذتها الأجهزة الاستخبارية وقوات الأمن الإسرائيلي. المعلق العسكري «إليكس فيشمان» قال: «إن عملية تل أبيب برهنت على أن لدى جهاز العمليات في حركة حماس مخزونًا بشريا لا يستهان به من الانتحاريين الذين تلقوا الإعداد والتهيئة اللازمة ويقفون على أهبة الاستعداد التنفيذ الأوامر حال صدورها لهم».
أما المعلق الإسرائيلي والخبير في شؤون حركة حماس «روخي شكيد» فقال: «إن عملية تل أبيب جاءت لتثبت مرة أخرى فشل جهاز المخابرات الإسرائيلية في إحباط عملية من هذا الطراز من عمليات المقاومة التي تضرب العمق الإسرائيلي»، وأضاف شكيد أن حركة حماس مازالت رغم كل محاولات ضربها وإضعافها تملك قوة كبيرة، وأن سائر أجهزتها مازالت قوية وفاعلة بما في ذلك ذراعها العسكري، وتساءل شكيد عن جدوى ودور جهاز المخابرات الإسرائيلي «الشين بيت المكلف بمسؤولية إحباط أنشطة وعمليات المقاومة». واعتبر المعلق الإسرائيلي «عوديد غرانوت» أن فشل المخابرات الإسرائيلية في منع عملية تل أبيب كان متعدد الوجوه سواء ما يتعلق بعدم الرصد والتحذير المسبق من هجوم انتحاري محتمل في أكثر المناطق ازدحامًا في تل أبيب، أو فيما يتعلق بملابسات دخول منفذ العملية الذي تمكن من دخول المناطق المحتلة عام ١٩٤٨م ومكث هناك وحصل على عمل في أحد المطاعم رغم وجود تعليمات وأوامر محددة تحظر عليه دخول الخط الأخضر بسبب نشاطه المتميز في أعمال المقاومة خلال فترة الانتفاضة. وقد تصدى وزير الدفاع الإسرائيلي «إسحق مردخاني» للرد على الاتهامات والانتقادات التي وجهت للحكومة، وقال إنه كانت لدى قوات الأمن الإسرائيلي أنباء وتوقعات باحتمال تنفيذ هجمات عسكرية، ولكنه أكد أن جميع أجهزة الأمن كانت متفقة على أن ما قمنا به كان كافيا، وعبر مردخاي عن رفضه الاتهامات التقصير التي وجهت للحكومة وقال: «لم يكن هناك تحذير محدد لدينا، ورغم ذلك فقد قررنا اتخاذ خطوات وإجراءات لمنع ذلك، ولكن لا تستطيع أن نتوقع كل شيء ونمنع كل شيء». كما أكد رئيس الأمن والخارجية السابق في الكنيست الإسرائيلي أوري أور صعوبة منع وقوع هجمات ضد الأهداف الإسرائيلية وقال: إنه لا توجد وسيلة باستطاعتها منع حدوث مثل هذه الأعمال»، وأضاف أنه لا يمكن لأحد مهما بذل أن يمنع شخصًا قرر تفجير نفسه.
● نتنياهو في مأزق في أعقاب تنفيذ عملية تل أبيب واندلاع المواجهات الدامية بين الفلسطينيين وقوات الجيش الإسرائيلي، وجد نتنياهو نفسه في مأزق حقيقي، وراح يبحث عن مبررات ومخارج تجنبه تحمل المسؤولية، وكالعادة لجأ إلى تحميل السلطة الفلسطينية -الطرف الأضعف- مسؤولية العملية وانفلات الوضع الأمني، رغم أن منفذ العملية انطلق من بلدة صوريف الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وقام بعملية التفجير في وسط تل أبيب. وقد طالبت الحكومة الإسرائيلية السلطة الفلسطينية بمجموعة شروط مشددة لاستئناف المفاوضات السياسية معها، وهددت بعدم تنفيذ المراحل القادمة من إعادة الانتشار ما لم تلتزم السلطة بها، وجاء في مقدمة الشروط إعادة اعتقال الدكتور إبراهيم (٤٨) عامًا) والذي كان معتقلًا في سجون السلطة نحو عام كامل وأفرج عنه قبل أسبوع فقط من تنفيذ العملية، كما تضمنت الشروط مطالب باعتقال عدد آخر من نشطاء حماس ويضرب بنيتها العسكرية والتنظيمية وتسليم عدد من المطلوبين في مناطق السلطة لإسرائيل. مراقبون سياسيون قالوا إن نتنياهو يشعر بحرج شديد جراء نجاح حماس في تنفيذ عملية تل أبيب، خاصة وأنه كان انتقد بشدة حكومة حزب العمل السابقة واتهمها بالفشل الأمني وبالعجز عن توفير الأمن للمواطنين الإسرائيليين والذي وضعه نتنياهو على رأس الأولويات في برنامجه الانتخابي، وهو يخشى من أن يؤدي تنفيذ عمليات جديدة إلى إفقاده ثقة الإسرائيليين. خاصة وأنه يدرك أن عمليات حماس الشهيرة للثأر العياش كانت هي العامل الحاسم في إسقاط منافسه بيريز في الانتخابات. وفي محاولة للخروج من المأزق وتجنب استغلال حزب العمل الانفلات الوضع الأمني يشن حملة ضد الحكومة، لجأ نتنياهو مجددًا الطرح خيار تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها حزب العمل ويتحمل المسؤولية فيها جنبًا إلى جنب مع الليكود، ويرجح المحللون السياسيون أن يكون طرح نتنياهو الحكومة الوحدة الوطنية جديًا هذه المرة، ويشيرون إلى أنه خطا خطوة عملية في هذا الاتجاه، حيث أجرى مشاورات مع أكثر من طرف من أطراف التحالف الحكومي لاستخراج رأيهم بهذا الخصوص.
● حماس والسلطة.. هل يعود التوتر؟ وتخشى الأوساط الفلسطينية من أن يتجدد التوتر بين السلطة وحركة حماس في أعقاب تنفيذ الأخيرة لعملية تل أبيب، في ظل ضغوط الإسرائيليين على السلطة بإعطاء الضوء الأخضر لتصعيد العنف، وقد تزايدت هذه المخاوف بعد مطالبة الحكومة الإسرائيلية للسلطة يقمع حماس كشرط لاستئناف المفاوضات. وتجاوب السلطة مع بعض الشروط الإسرائيلية كإعادة اعتقال المقاومة. ونصر حركة حماس من جانبها على متابعة خيارها في مقاومة الاحتلال، وتؤكد أن هذا الخيار هو وحده الكفيل بردع سلطات الاحتلال عن جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، جمال منصور أحد قادة حماس البارزين في الضفة الغربية قال الساسة في إسرائيل لا يأخذون مسألة الاحتجاج والاستنكار والتهديد العواقب سياساتهم في حسبانهم إذا بقيت في إطار التلويح ولم يعقبها أو ينبني عليها عمل حقيقي ليس بإمكانهم تحمله. وأشار منصور إلى أن الهجمات الاستشهادية هي التي ساهمت فيما مضى في دفع الحكومة الإسرائيلية لإعادة حساباتها، وقال إن حكومة كهذه لا تستطيع أن تفهم لغة أخرى تصدر عن الشارع الفلسطيني، وأعتقد أنها بدأت تفهمها بالفعل ولابد أن تراجع حساباتها. عملية التسوية في المنطقة تتراجع في كل يوم خطوات إلى الوراء.
ويمكن القول إنها توشك أن تدخل في غرفة الإنعاش، رغم الضغوط الدولية التي تصر على استمرارها. والشارع العربي تتزايد قناعته كل يوم بخيار المواجهة والمقاومة للاحتلال، فهل تقبل هذه القناعة للأنظمة الرسمية التي ترفض حتى هذه اللحظة الاعتراف بخطأ الدخول في نفق التسوية؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل