; فلسطين تنتظر البديل الأصيل | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين تنتظر البديل الأصيل

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1985

مشاهدات 67

نشر في العدد 736

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 08-أكتوبر-1985

المدقق في تاريخ فلسطين وتراثها يجد أن السمة الغالبة على هذا البلد العربي المسلم المغتصب هي الانتماء الديني الإسلامي، وتكاد تكون آثارها بالرغم من قدمها في التاريخ محصورة في الآثار الإسلامية من مساجد وقلاع وقصور وقنوات ري وغير ذلك. وفي الجانب البشري ظل الإسلام يطبع حياة الفلسطيني بجميع جوانبها. وبالرغم من الإعلام المضلل الذي نشط منذ هزيمة عام ٦٧، إلا أن الحقيقة تقول بأن الإسلام كعقيدة وفكرة كان المحرك والدافع لجميع الانتفاضات والثورات التي قام بها الشعب الفلسطيني ضد العدو الصهيوني منذ الربع الأول من هذا القرن حتى عقد الستينيات. وكان العلماء وأئمة المساجد هم الذين يقودون المعارك أو يحرضون الناس على الجهاد والثوار كانوا مجاهدين، والثورة الكبرى عام ٣٦ كانت ثورة البراق.

 

صورة غير صحيحة:

 

لكن إذا كان ذلك صحيحًا، وهو كذلك، فلماذا أصبحت صورة الفلسطيني في الإعلام العربي هي صورة الثائر المتمرد قليل التدين شديد التحرر، بل نجح بعض المتعاونين مع مخططات العدو الصهيوني بإشاعة أن الفلسطيني ملحد أو كافر في بعض الأحيان؟

 

والحقيقة أن هناك سببين رئيسين وراء هذه الصورة: أحدهما وهو الأهم أن معظم فصائل العمل الفدائي الفلسطيني كانت تنتمي لتنظيمات حزبية ذات أفكار اشتراكية يسارية أو ليبرالية أو قومية ناصرية، كما أن الإعلام الفلسطيني سواء التابع للفصائل أو لمنظمة التحرير كان يسيطر عليه العناصر اليسارية ولا تزال، الأمر الذي صور حال الشعب الفلسطيني وكأن جميع أفراده ماركسيون أو جيفاراويون أو ماويون!

 

والسبب الآخر هو أن الشعب الفلسطيني كغيره من الشعوب العربية والإسلامية وكنتيجة للغزو الثقافي أصابه فتور في التدين أو قصور في الالتزام بشعائر الدين.

 

لكن هذه الصورة بدأت بفضل الله تتغير مع أوائل عقد السبعينيات، واللافت للنظر أن ظاهرة الصحوة الدينية لم تقتصر على سكان الضفة وقطاع غزة، بل شملت وبعمق وتركيز أكثر سكان المناطق المحتلة منذ عام ١٩٤٨، الأمر الذي أثار مكامن العداء الصهيوني المتأصل للإسلام والمسلمين.

 

أصالة إسلامية:

 

أما أسباب هذه الصحوة فنعتقد أنها تعود لأصالة الشعب الفلسطيني الإسلامي كما لاحظت ذلك صحيفة الإيكونومست البريطانية في معرض رصدها لحركة الانبعاث الإسلامي في فلسطين المحتلة أثناء محاكمة العدو الصهيوني لأفراد أسرة الجهاد عام ۱۹۸۰ إضافة إلى أن خيبة آمال الفلسطينيين في كل ما طرح على الساحة من أفكار ومبادئ وعجز القيادات العلمانية، سواء كانت فلسطينية أو عربية عن تحقيق أي إنجاز ما، كل هذا دفع الشباب الفلسطيني ليبحث عن البديل فوجده في العقيدة التي فطر عليها وكادت آثارها تنمحي من حياته.

 

وأما عن الأداة وكيف حصل الانبعاث فيعترف قادة العدو الصهيوني والإعلام الإسرائيلي أن ذلك تم عن طريق عودة الصلة بين المناطق المحتلة عام ٤٨ والمناطق المحتلة عام ٦٧. وهذه حقيقة صحيحة، فمنذ عام ٦٧ أصبح العلماء والوعاظ وأئمة المساجد من الضفة الغربية يترددون على المناطق المحتلة سابقًا، وخاصة منطقة المثلث حيث يتركز العرب في قرى أم الفحم وكفر قاسم والطيبة وقلنسوة وباقة الغربية ومدينة الناصرة.

 

وتمضي الأيام لينتشر الكتاب الإسلامي في جميع أنحاء فلسطين وقام بهذا الدور أفراد جماعة الإخوان المسلمين التي لم يعد لها وجود معلن منذ هزيمة عام ٦٧، كما قام الوعاظ الموالون لها بنشاط كبير توج عام 1975 ببروز شیخ شاب في كفر قاسم هو الشيخ عبد الله نمر درويش الذي كان له أثر فعال في تحول شباب المثلث نحو الالتزام الديني بعد طول اغتراب.

 

وقد أثمرت هذه الجهود الطيبة في المجال الشبابي بشكل خاص، فمنذ عام ۱۹۷۹ وحتى الوقت الحاضر أصبح شباب الكتلة الإسلامية يقودون مجالس واتحادات الطلبة في معظم جامعات الأرض المحتلة.

 

حتى في جامعة بيرزيت ذات الطابع النصراني والتوجه اليساري حازت الكتلة الإسلامية عام ٨١ على 42% من مجموع الأصوات، وارتفعت هذه النسبة عام ٨٤ إلى حوالي 60%

 

العدو الحاقد:

 

وقد جن العدو الإسرائيلي من هذه الظاهرة أيما جنون، خاصة بعد تجربة أسرة الجهاد وتنظيم غزة الذي كان على رأسه الشيخ الجليل – المشلول- أحمد ياسين حفظه الله. وأخذ العدو يركز على محاربة هذه الظاهرة عن طريق دس العملاء والجواسيس في أوساط التنظيمات اليسارية لافتعال الصدام مع الكتل الإسلامية واتخاذ ذلك ذريعة لإقصاء الشباب الإسلامي عن مجالس الطلبة وتعطيل الجامعات والمعاهد العلمية. وقد ثبت هذا التواطؤ في أحداث الهجوم على جامعة غزة الإسلامية. وأحداث جامعة بيرزيت في صيف عام ١٩٨٣.

 

وقد شهد لنا بعض من حضروا الحادثين أن الجيش الإسرائيلي كان عندما يعلم أن الإسلاميين هم المستهدفون، لكنه يتظاهر بالوقوف على الحياد ولا يتدخل إلا عند غلبة الحق، فتعلن السلطات إغلاق الجامعة أو المعهد. ومثل هذا حصل في الكلية الفنية بالخليل وجامعة النجاح في نابلس أكثر من مرة.

 

على أن الجديد الذي لم تذكره وسائل الإعلام أن قرار إغلاق جامعة النجاح قبل حوالي شهرين جاء قبل أربعة أيام فقط من موعد إجراء الانتخابات الطلابية وهو موعد تأجل أكثر من عام واستطاعت الكتلة الإسلامية فرضه بالرغم من معارضة إدارة الجامعة والتجمعات الطلابية اليسارية. وكان هذا إشارة إلى أن الكتلة الإسلامية هي التي ستفوز بجميع مقاعد مجلس الطلبة.

 

ويعتقد مراقبون من داخل فلسطين المحتلة أن هذا الإجراء وإن كان من ضمن الإجراءات القمعية التي تتخذها السلطات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، إلا أنه موجه بشكل خاص للتوجه الإسلامي الذي بدأ يطبع حياة الشعب الفلسطيني. ويربط المراقبون بين هذا الإجراء ومحاكمة تنظيم غزة، والهجمة الصهيونية الشرسة على المساجد والمقدسات الإسلامية.

 

فقد كان واضحًا لقادة العدو خاصة منذ اكتشاف أسرة الجهاد أن الخطر الحقيقي على دولة العدو هو الخطر الإسلامي. وقد عبر عن هذه القناعة مدير مخابرات سابق حيث قال لمجلة نيوزويك في أغسطس ۸۱: «إن الأمر قد يصبح أكثر خطورة إذا نجح المسلمون المتعصبون في تغيير الأوضاع في الأقطار العربية لصالحهم. ولكننا نأمل أن أصدقاءنا الكثيرين سينجحون في القضاء على خطر المتعصبين المسلمين في الوقت المناسب»!! وهي مهمة نشط الأصدقاء فيها كثيرًا لكن ربك بالمرصاد.

 

وعي ينمو:

 

واليوم إذ تزداد «القبضة الإسرائيلية» على الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وإذ تتركز هذه القبضة على الأماكن المقدسة، يزداد الوعي لدى الشعب الفلسطيني بأن معركته مع اليهود هي معركة وجود حضاري إسلامي.

 

وكمؤشر على ذلك أصبحت المظاهرات أو صيحات التحذير من مخطط العدو الإسرائيلي تنطلق من المساجد، ويشهد الصحافيون الأجانب بأن الشعارات التي يرددها الفلسطينيون هي شعارات إسلامية. وتنشط الدعوة في الضفة الغربية وقطاع غزة وقرى المثلث وفي جميع أنحاء فلسطين. فتبنى المساجد الجديدة وترمم المساجد القديمة وتقام المراكز الإسلامية والمؤسسات الخيرية والهيئات التعليمية، ويتجمع الشباب في المساجد ينهلون من علوم القرآن والحديث والعقيدة والفكر الإسلامي، ويتابعون قضايا المسلمين. يقول صديق لي عجبت في زيارة لي للضفة الغربية كيف تجمهر الشباب حولي في مسجد قرية كنت فيها زائرًا، فإذا بهم يسألونني أسئلة دقيقة عن أوضاع المسلمين وبالذات في الكويت، سألوني عن الشيخ أحمد القطان، وعن مجلس الأمة وممثلي التيار الإسلامي فيه، كما سألوا عن الجامعة وانتخابات الطلاب فيها.

 

الحركة الإسلامية هناك:

 

ومع أن الحركة الإسلامية لا وجود معلن لها إلا أن تأثيرها ملموس في كل مكان، وفي زيارة لي «لأم النور» أم الفحم، يقول الصديق: حضرت حفل زواج إسلامي حضره مئات معظمهم من الشباب، وقد طربت لخطاباتهم الجريئة فهم يستشهدون بآيات الجهاد وأحاديث المفاصلة ويتحدثون عن استشهاد سيد قطب، ويؤصلون للزواج الإسلامي ويعظون، لكن الذي لفت انتباهي بشكل أكبر خطبة سياسية لأحد شباب أم الفحم الذي نادى بأعلى صوته مناديًا بالتفاف سكان القرية حول فكرة الجهاد، وطالب صراحة بالتصدي للمعتدين الصهاينة، وكان يقصد آنذاك كاهانا الذي كان يهدد بدخول المدينة وطرد سكانها العرب.

 

ويكاد يكون العرس الإسلامي والأناشيد الإسلامية هي السمة العامة في كل أنحاء فلسطين، بل إن بعض المدن أصبحت تمنع قيام عرس غير إسلامي، أو تمنع فتياتها من ارتداء الزي غير الشرعي.

 

وهذه الحركة كما لاحظت صحيفة لوموند الفرنسية تنمو رغم مضايقات السلطات التي تشرف على أملاك الوقف الإسلامي بينما تعطي الطوائف المسيحية حرية التصرف بأملاكها الوقفية.

 

ولأن اليهود يدركون قيمة الوقف الإسلامي ودوره في تنمية النشاط الإسلامي، أخذوا يؤلبون القيادات الإسرائيلية ضد الوقف الإسلامي. وأخذت السلطات تعتدي على الوقف الإسلامي الذي ينتشر في جميع أنحاء فلسطين.

 

وفي الآونة الأخيرة تركزت الإجراءات على هدم المساجد وتحويلها إلى كنيس كما حصل في الحرم الإبراهيمي في الخليل حيث لم يبق منه إلا أمتار قليلة للمسلمين، وفي مسجد قرية صانور الذي بدأت الاستعدادات لتحويله إلى كنيس.

 

وفي يافا منعت السلطات المسلمين من ترميم مسجد حسن بك، وكانت السلطات في سنوات سابقة قد حولت مسجدًا في بئر السبع إلى متحف ومسجدًا آخر إلى متجر، ومسجدًا آخر إلى مرتع للزناة والحشاشين!!

 

ولم تكتف سلطات العدو الصهيوني بذلك، بل عمدت إلى سياسة إغلاق المساجد القائمة وعدم فتحها إلا في وقت الصلاة في بعض المناطق، كما عمدت إلى تطويق المساجد خاصة يوم الجمعة لمنع المصلين من التظاهر والتعبير عن مطالبهم وآرائهم، وتلجأ في معظم الأحيان إلى اعتقال العشرات من المصلين.

 

وإذا أضفنا لذلك إطلاق يد المتدينين المتطرفين من المستوطنين ندرك كم هو عميق حقد اليهود على الإسلام والمسلمين. لكن الذي يسري عن النفس قليلًا توجه الشعب الفلسطيني نحو التمسك بدينه وتراثه والتفافه حول شباب الحركة الإسلامية.

 

رسالة:

 

والرسالة التي يطلقها الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة غداة كل يوم للمسلمين جميعًا هي أنني شعب عربي مسلم ليس لي خيار إلا التمسك بإسلامي والاعتصام بربي وانتظار الغوث من إخوة الإسلام..

 

وكل أعمال مقاومة المحتل من تفجيرات أو انتقام من أفراده يقوم بها الشعب انطلاقًا من عقيدته، وليست توجيهًا من أحد كما قد يظن بعض الناس أو يدعون، وهم بذلك يسيرون نحو البديل الأصيل. فهل يسير المسلمون خارج فلسطين نحو الأصيل البديل... الإسلام فكرة وجهادًا وطريق حياة، أم يظلون مغفلين تتقاذفهم الأمواج ويقتات خيراتهم الأعداء الحاقدون؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل