; فلسطين وأفغانستان قضية واحدة .. ولكن | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين وأفغانستان قضية واحدة .. ولكن

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1982

مشاهدات 66

نشر في العدد 555

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 05-يناير-1982

من أكثر قداسة القدس أم كابل؟! ومن أولى باهتمام العرب قضية فلسطين أم أفغانستان؟! بمثل هذه التساؤلات ثارت شبهة حول طبيعة العلاقة بين قضية المسلمين في كل من فلسطين وأفغانستان، فما هي الدوافع والظروف التي سهَّلت إثارة هذه الشبهة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين القضيتين؟

المتتبع لتطورات القضيتين الأفغانية والفلسطينية يلاحظ أن فكرة اتجاه اللوم على من يهتم بالقضية الأفغانية واتهامه بالتقصير في حق القضية الفلسطينية التي نشأت في ظل ظروف سياسية يمكن تلخيصها كالتالي: 

  • تركيز الإعلام العالمي بتأثير من  الإعلام الأميركي والأوروبي على تطورات 

القضية الأفغانية بشكل يفضح السياسة الروسية والغزو العسكري لبلد مستقل.

  • زيادة اهتمام معسكر «المعتدلين» العرب بالقضية الأفغانية على المستوى 

الإعلامي.

  • الانحياز الأميركي الكامل لإسرائيل ومدِّها بالسلاح والمال من جهة وعدم تقدم محادثات السلام من جهة أخرى ولإهمالها الفلسطينيين «الرقم الأول» في معادلة الشرق الأوسط من جهة ثانية.

  • تحرك أوروبي لإيجاد تسوية لأزمة الشرق الأوسط تأخذ بالحسبان الحقوق 

المشروعة للشعب الفلسطيني ودور منظمة التحرير في ذلك.

  • انتشار الصحوة الإسلامية وزيادة اهتمامها بالقضية الأفغانية سواء من الناحية الإعلامية أو جمع التبرعات. 

دعوة الفصل تخدم الحل السلمي 

في مثل هذه الظروف طُرحت الدعوة إلى الفصل بين القضيتين الفلسطينية والأفغانية وكأنهما متضادتان سواء على ألْسِنَة بعض القيادات الفلسطينية أو العربية وإذا تمعنَّا في تلك الظروف نجد أن عبارة القدس أقدس وأَوْلى من كابل لم تكن تعني إعلان الجهاد لتحرير فلسطين كاملة وتطهير بيت المقدس من اليهود، حيث لم يعلن ذلك أحدٌ من المسؤولين العرب ولا قادة المقاومة، فالمطروح آنذاك من الجانب العربي لم يكن يتجاوز قرار مجلس الأمن ٢٤٢ إلا بقدر ضئيل هو إقامة «الكيان الفلسطيني» على تباين في الشكل والعلاقة مع الأردن.

لذلك فإن الدعوة إلى عدم الاهتمام بالقضية الأفغانية بحجة أولوية القضية الفلسطينية على النحو الذي طرحت فيه من قِبل بعض العرب والفلسطينيين مهما كانت مسوغاتها كانت تعني في النهاية الإستجابة لمسيرة الحل السلمي سواء كان المخرج أوروبيًا أم أميركيًّا أم عربيًا.

نعم قد تكون هذه الدعوة ردة فعل تجاه الإعلام الأميركي أو الإعلام العربي التابع، الذيْن ركَّزا على القضية الأفغانية واغتنما الفرصة لتعرية السياسة السوفييتية، ولكن كما قال المراقبون فأميركا وحلفاؤها لم يكونوا جادين في تأييدهم لحركة الجهاد الأفغاني بدليل أنهم لم يقدموا لها أدنى درجة من المساعدة، كما أن العقوبات الأميركية ضد الاتحاد السوفييتي لم تكن أكثر من مسرحية، وأما ما قاله السادات من أنه سرب أسلحة أميركية للمجاهدين الأفغان فقد نفى قادة المجاهدين الأفغان ذلك كما فسره المراقبون بأنه إحراج من السادات لأميركا عندما شعر أنها بدأت تتخلَّى عنه كما ذكر ديفيد هيرست في كتابه «السادات».

خروج عن الصراط

وقد تكون ردة فعل لعدم تجاوب الحركة الإسلامية مع قادة المقاومة، ولعدم تقديمهم التضحيات في سبيل القضية الفلسطينية، وقبل رد هذه الشبهة لا بد من السؤال: وماذا قدم المتمسحون بقميص فلسطين لفلسطين؟! بل وماذا قدم كل الزعماء من فلسطينيين وعرب وماذا قدمت الأحزاب العربية من أجل استعادة فلسطين كاملة؟!

ونحن لا نذيع سرا عندما نقول بأن العرب جميعا بمن فيهم الفلسطينيين، لا يطمعون في أكثر من مشروع التسوية أما عن عدم تجاوب الحركة الإسلامية مع قادة المقاومة فذلك يعود فيما يعلم كل مراقب إلى:

- الاستنكاف عن طريق الجهاد وتحرير فلسطين كاملة.

- تفريغ العمل الفلسطيني من المحتوى العقيدي.

- التحيز لمحور أو لآخر من محاور السياسة العربية.

- محاربة الاتجاه الإسلامي في كثير من التنظيمات الفلسطينية.

وبالنسبة لعدم تقديم الحركة الإسلامية بشكل خاص والمسلمين بشكل عام تضحيات من أجل القضية الفلسطينية فأول من يعلم عدم صدق ذلك قادة المقاومة وخاصة قائد فتح. فالحركة الإسلامية قدمت التضحيات قبل قيام التنظيمات الفلسطينية.. قدمت تضحيات منذ عام ١٩٤٨.. وقدمت من جديد في عام ١٩٦٨ في الأردن وفي لبنان منذ اندلاع الحرب اللبنانية، ولكنها وجدت الصد وأحيانا كثيرة محاولات الكيد!

 أما الشعوب الإسلامية وخاصة في أفغانستان فقد عبرت عن تشوقها للجهاد في فلسطين بإرسال مقاتلين متطوعين مع المقاومة أو بمظاهرات صاخبة في كل مناسبة يعتدي فيها اليهود على أرض المسلمين كما حصل عام ١٩٦٧ في أعقاب هزيمة حزيران.

بين قيادتين

وبالرغم من البعد الجغرافي واختلاف الجنس واللغة إلا أن المجاهدين الأفغان بمختلف فصائلهم وعلي لسان معظم قيادييهما كأمثال عبد رب الرسول سياف وبرهان الدين رباني وحكمت يار ومحمد يونس وغيرهم، قد أكَّدوا في أكثر من مناسبة وبكل صراحة ووضوح أن قضية فلسطين في مقدمة اهتماماتهم وأنهم يتمنون أن يقاتلوا في سبيل الله على أرض فلسطين المقدسة، وهم لالتزامهم العقدي هذا لم يداهنوا أحدا، كما فعل ياسر عرفات في مؤتمر الطائف الإسلامي حيث داهن الروس واعتبرهم أصدقاء بالرغم من احتلالهم لأفغانستان وتقتيلهم لشعبها المسلم، مما دعا سيَّاف ممثل المجاهدين الأفغان إلى أن يرد عليه بخطبة بليغة يصحح له المفاهيم والمعلومات!

ومما لا يخفَى على كل مُطَّلع أنه في الوقت الذي يُصر فيه معظم قادة العمل الفلسطيني على حصر العمل بحركة التحرر الوطني أي بدون التزام منهج عقدي أو مبدأ فإن قادة الجهاد الأفغاني لازالوا يعلنون للعالم أجمع أنهم لا يحاربون الروس وعملاءهم لأنهم شيوعيون غزاة فحسب، بل لأنهم في الدرجة الأولى اعتدوا على سلطان الله في الأرض.

إنهم كما قال محمد يونس خالص في مساجد الكويت يجاهدون في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله وإقامة منهج الله في الأرض أي إقامة الدولة الإسلامية لتأخذ دورها في هداية وريادة البشرية ولذلك فإن الجهاد في أفغانستان كما قال سيَّاف للمجتمع بدأ منذ العهد الملكي وليس منذ الغزو الروسي لأفغانستان كما يظن من انخدع بالإعلام المغرض.

ومع وضوح ملابسات دعوة التفريق بين القضيتين الأفغانية والفلسطينية، وعلى الرغم من وضوح رؤيا الأفغان وغبش تصور الفلسطينيين أو تأثره ببعض القوى والمحاور إلا أن السؤال وحتى في أوساط الحركة الإسلامية يظل قائما يبحث عن

جواب أيهما أولى وأكثر أهمية؟

قضية المسلمين الأولى 

والدارس المتأمل في القضيتين يدرك أن القضية الفلسطينية قضية المسلمين الأولى لعدة أسباب:

- الأول والأهم: لأن القضية طرفها الأساسي اليهود الذين حذرنا الله منهم في كثير من آيات التنزيل، وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولأن اليهود يقفون وراء كل مكيدة ضد المسلمين وخيراتهم، بل وضد العالم أجمع.

- الثاني: إن فلسطين تقع موقع القلب من العالم الإسلامي.

- الثالث: إنها مهد الأديان ومقدسة عند المسلمين.

- الربع: إنها أرض للمسلمين اغتصبها اليهود على أعين القُوى الاستعمارية، يوجب الشرع قتال مغتصبيها وإخراجهم منها.

- الخامس: إنه بسبب المؤامرات العالمية لإقامة كيان يهودي في فلسطين ترتب عليه تقتيل وتدمير وتجويع وشقاء كبير للمسلمين في مختلف أقطارهم خاصة في البلاد العربية المجاورة لفلسطين.

- السادس: إن اليهود لا يشكِّلون خطرا توسعيًّا استيطانيًّا فحسب، بل يشكلون خطرا اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، نعم لأجل هذه الأسباب وغيرها فالقضية الفلسطينية يجب أن تكون قضية المسلمين الأولى.

ماذا فعلنا؟

ولكن هل يتعارض هذا مع الاهتمام بأفغانستان؟

والجواب بكل بساطة لا.. فالقضيتان قضية واحدة.. هي قضية الإسلام وأرض الإسلام ودولة الإسلام ومنهج الإسلام.. وإذا كنا نركز على الأولى، فلا يمنع ذلك من بذل الجهد في القضية الثانية، لكن ماذا فعلنا نحن المسلمين جميعا تجاه القضية الفلسطينية؟ وماذا قدمنا تجاه القضية الأفغانية؟ وماذا نقدم للمسلمين في سورية وغيرها؟

ذلك هو السؤال الذي ينتظر منا إجابة واضحة بالرغم من شبهات الضالين أو المغرضين وما لم تُتَرجَم الأقوال إلى أفعال فلربما تجنبنا أن نتلو قوله تعالى ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. (الصف:3) وإنا للعمل الجاد لمنتظرون.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل