العنوان فلسفة الصيام
الكاتب محمد جمال عطية
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1987
مشاهدات 66
نشر في العدد 815
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 28-أبريل-1987
هل للصيام فلسفة؟ أو ليس الشائع أن من الفلسفة ما هو عدو للدين؟ والصيام كما نعلم من أركان الدين وقواعده، ولكن ما الفلسفة ومن الفيلسوف؟ إن الفيلسوف هو الذي يبحث عن الحقائق، ثم يخضع سلوكه العملي لنتائج بحثه، ويبسط سلطانها على حياته العملية، بحيث لا يكون ثمة تناقض بين آرائه وسلوكه، فالذي يعرف الحقائق ويحررها أو حتى يناضل عنها دون أن يصطنعها في حياته وسيرته ليس بالفيلسوف، وإنما هو عالم بالفلسفة، والذي يسير سيرة الحكماء في سلوكه، لأنه مفطور على ذلك من غير نظر ولا بحث ولا خوض في مسائل الفلسفة، ليس فيلسوفًا أيضًا، أما إذا جمع بين الطرفين، وأجاد الحكمة علمًا وعملاً، فسخر قواه العقلية لمعرفة الوجود، وأتبع عمله رأيه، وطبعت الفلسفة سلوكه بطابعها، وصاغت حياته العملية في قوالب آرائه فهو الفيلسوف حقًا، هكذا فهم القدماء الفلسفة حتى عرفها اليونان بأنها «الحكمة العملية التي توفر السعادة بالأدلة والأفكار» وما زالت الفلسفة المعقولة داخل هذا النطاق، حتى يومنا هذا.
وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يكون الصائم فيلسوفًا؟ وهو قد وصل إلى حقائق نتيجة بحث وتأمل، ثم آمن بها واستيقنها قلبه، وهذا هو شطر الفلسفة الأول ممثلًا بالمعرفة، ثم صاغ حياته في هذا الصيام وفقًا لما آمن به، وجعل سلوكه على مثال معرفته، وهذا هو شطر الفلسفة الثاني المعروف بالسلوك الفلسفي، نعم إذا كانت الفلسفة معرفة وسلوكًا، فليس أحق من الصائم بلقب الفيلسوف.
إن الصائم آمن بالكون وخالقه، وبالآخرة والأولى، وبالجسم والنفس، وبالجنة والنار، وبالفضيلة والرذيلة، وبالأخوة الإنسانية ثم جعل سلوكه في صيامه عنوانًا لهذا الإيمان، وتلك المعرفة، فهو فيلسوف أو حكيم، وليس في العبادات كلها ما هو أجمع لشعائر الدين من الصيام، وليس لتعاليم الله كلها سوقٌ رائجة كما في الصيام، ففيه تكثر الصلوات، وتفيض الصدقات، وتظل القلوب على ذكر بخالقها، يكفها عن السيئات، فتخشع الجوارح، وتعنوا الوجوه للحي القيوم، وتعمر بيوت الله، وتكسد تجارة الشيطان، ويعلو صوت الحق، مرتلًا في آيات الذكر الحكيم بكرة وأصيلًا.
لقد اختار الله- جلت قدرته- شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن، ليكون شهر الصيام للمسلمين أو بتعبير آخر ليكون احتفالًا سنويًا وعمليًا بنزول القرآن، يحتفل فيه المسلمون، بمبادئه السامية، فيكثرون من قراءته، ويؤدون فروضه، ويجتنبون نواهيه، ويصنعون الخير والبر، ويكفون عن الشر، وتتجلى فيه وحدتهم التي هي من أهداف الإيمان وثمراته، فبالأخوة الإنسانية التي دعا إليها الإسلام لا بغيرها تحل مشكلات البشر، فلا قاهر ولا مقهور، ولا طغيان ولا استغلال، ولا تكبر ولا بغي، ولا حروب ولا كروب، ولا غرور ولا شرور، وأي مظهر من مظاهر الأخوة وعامل من عواملها، يفوق الصيام، بل أي عامل من عوامل الترابط البناء في الأمة الإسلامية، أبلغ أثرًا من الصيام، والناس جميعًا يمسكون عن الطعام والشراب في وقت واحد، وينتظرون الإفطار في وقت واحد، ويحتشدون ليلًا ونهارًا وراء إمام واحد، يتجه إلى قبلة واحدة، وتجيش نفوسهم بالشرور عند اضطرابهم في شؤون الحياة فيكفيهم الصيام عن الجماح، ويقول ثائرهم «إني صائم إني صائم» ويجود غنيهم على فقيرهم في الكفارات والزكوات، فيمحو البر من نفس الفقير أحقادها، وتطهر الزكاة نفوس العلية وأموالها.
ذلك إلى ما في الصيام من تدريب روحي، يمكن الروح من السيطرة على شهوات الجسد، ويخضعه لحكمه، وبغير هذا الخضوع، وتبعية نزوات الجسم لحكمة الروح وحكم العقل، لا تكون حكمة ولا حكماء وأي تدريب روحي وتقوية للإرادة في هذا الصيام، إنه ذكر دائم، فإذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فلذكر الله أكبر، وهو جهاد مستمر بين رغبات الجسم وأزمة الإيمان، وصراع بين الخير والشر، لا يكتفي فيه الإنسان بتجنب الحرام، بل بتجنب الحلال أيضًا طيلة نهاره، ومن استطاع أن يترك الحلال استجابة لأمر الله، فإنه على ترك الحرام أقدر، لهذا فرض الله الصيام على كل الأمم، إذ كان أكبر عوامل التهذيب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
واكتفى به في شرعة الإسلام، ليكون رهبانية لخير أمة أخرجت للناس، فقال رسولنا- صلى الله عليه وسلم :«رهبانية أمتي الحج والصوم»، والحج واجب على الفئة المستطيعة، ولكن الصوم رهبانية جمهور الأمة.
ذلك الصائم الفيلسوف، هو الذي يصوم عن إيمان ونظر، لا عن تقليد ويتأثر سلوكه بالصيام فلا ينطق بفحش ولا هجر، ولا يجيش صدره بحسد أو غل، ولا يخالف الله أمرًا، ويستشعر قلبه محبة الناس، والعطف على البائسين فيألف ويؤلف، ويبر ويحسن، ويصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه ويكثر من قراءة القرآن، ويتعلق قلبه بالمساجد، وتخبو فيه ثورة الشيطان، وتزكو شعلة الإيمان ويصلي صلاة عيد الفطر وقد غسل من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
أما من لا يعرف من الصيام، إلا الافتنان في ألوان الطعام والشراب، والتفرغ للغو الكلام، وارتياد الملاهي، والتأفف والضجر، والتثاؤب والسأم، والسب والشتم، فليس بحكيم ولا فيلسوف وليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.