; فلسفة العبودية الطبيعية للاستبداد.. قراءة مقاصدية وسيسيولوجية | مجلة المجتمع

العنوان فلسفة العبودية الطبيعية للاستبداد.. قراءة مقاصدية وسيسيولوجية

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2011

مشاهدات 120

نشر في العدد 1957

نشر في الصفحة 49

السبت 18-يونيو-2011

الإسلام أكد حرية الاختيار وعدم الخضوع لجور الأديان كما مارسته الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى.

الشريعة الإسلامية جاءت في مجملها بما يحرر الإنسان من كافة صور العبودية لغير الله تعالى.

النصوص القرآنية التي تتحدث عن العدل وتحريم الظلم والدعوة إلى المساواة في الأحكام والعقوبات.. جاءت لتحرير الإنسان

من غرائب طبائع البشر الذين اعتادوا العبودية والقهر ان تتحول تلك العذابات إلى رغبة وشغف

عندما نتأمل طبائع البشر في علاقاتها مع أنظمتها السلطوية نجد حالات متباينة بين أولئك البشر الذين هم في أصل الخلقة سواء، فهناك شعوب تعيش حالات من القوة والإبداع في فنون الحياة وترفل برغد العيش الكريم، ولا يحد من كرامتها وسموها الإنساني أي أحد من البشر، كما هي الحال في حكم «بركليز في العصر الإغريقي أو حكم «عمر بن عبد العزيز في الخلافة الأموية.

وهناك من الشعوب المقهورة الذليلة التي لا تختلف طبائعها الحياتية عن بقية الحيوانات المدجنة ولا تعيش إلا من أجل البقاء على قيد الحياة بأقل متطلبات الضرورة الإنسانية، فهي كائنات مستعبدة خلقت حرة وتحولت بفعل القهر الإنساني إلى أدوات ساكنة تتحرك وفق ميول السلطة المستبدة، كما هي الحال في عصر الإمبراطور نيرون» الروماني، و«هولاكو» المغولي، وماو تسي تونج الصيني.. وغيرهم كثير.

علاقة متبادلة

هذه الطبائع الإنسانية ساهم في علوها أو هبوطها طبيعة العلاقة المتبادلة بين الفرد ونظامه الحاكم، وبين تلك الطبيعتين طيف واسع من الأنواع البشرية المترددة بين نور الحرية ونير العبودية.

ومن غرائب طبائع البشر الذين اعتادوا العبودية والقهر أن تتحول تلك العذابات إلى رغبة وشغف وأصبحت الكرامة والحرية والمساواة لديهم تعني الخوف والقلق كشعور نفسي وقناعات تتابعت عليها الأجيال المقهورة.

هذه الطبيعة باتت حال بعض المجتمعات الإنسانية اليوم، وقد ضرب المجتمع الصيني في عهد «ماو» أسوأ مثال لتلك الحالة الفريدة، ويمكن تصور ذلك الواقع المر بأدق تفاصيله الرهيبة بقراءة الرواية المتميزة البجعات البرية للكاتبة الصينية يونج تشانج»، أو قراءة رواية ١٩٨٤ للكاتب البريطاني جورج أورويل»، ولا يختلف هذا الواقع عما حصل في بعض دول الاتحاد السوفييتي سابقا، أو بعض الدول العربية في مرحلة ما قبل ثورات ۲۰۱۱م. 

مقاصد الشريعة: ويمكن قراءة هذه الطبيعة الإنسانية التي تستهوي العبودية طوعا، وتنفر من الحرية بأقصى درجات الهروب أو الانكفاء من خلال مقاصد التشريع الإسلامي وعلم الاجتماع الإنساني.

فالشريعة الإسلامية جاءت في مجملها بما يحرر الإنسان من كافة صور العبودية لغير الله تعالى، كما قال ربعي بن عامر رسل رستم قائد الفرس لما سأله: ما جاء بكم؟ فقال له : «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام (انظر: «البداية والنهاية لابن كثير ٤٠/٧).. هذا النص الذي يحوي غاية الشريعة ويلخص مجمل أحكامها الراجعة إلى ترسيخ الحرية في القلوب بالتوحيد الخالص لله تعالى وفي العقول بحرية النظر، كما في قوله تعالى: ﴿ قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ (يونس: ۱۰۱)، حتى في اعتناق الدين والذي يعتبر عند المسلمين بمثابة الحق الواجب فقد جاء في قوله تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ﴾ (البقرة : ٢٥٦) ليؤكد حرية الاختيار وعدم الخضوع لجور الأديان كما مارسته الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى بتعسف بالغ لا تحتمله  الطبيعة الإنسانية السوية.

تحرير الإنسان

بالإضافة إلى نصوص العدل وتحريم الظلم والدعوة إلى المساواة في الأحكام والعقوبات فكلها جاءت لتحرير الإنسان وفق قاعدة المقصد الأعظم في الشريعة كما يقول الشاطبي: «بإخراج المكلف عن داعية هواه ليكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطرارا الموافقات (٢٥١/٢).. وبناءً على ذلك التواتر من النصوص والأحكام قرر عدد من العلماء المجددين إثبات مقصد الحرية كمرجع كلي تعود إليه الأحكام والأنظمة في الشريعة، ولعل من أشهرهم الإمام الطاهر بن عاشور، فقد جعل الحرية من ضمن مقاصد الشريعة، وعليها أساس الفطرة التي جاءت كمشترك بشري جرت حياة الخلق على إقراره انظر مقاصد الشريعة الإسلامية، ص ۱۳۰، ووافقه د. ابن زغيبة في المقاصد العامة للشريعة، ص ۱۹۸، وعبد النور بزا في مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية ص (٢٣٥).

وللأسف أن هذا السمو التشريعي الذي قاد المجتمعات الإسلامية من عصور الانحطاط إلى مرحلة الريادة والشهود الحضاري تراجع بشكل كبير، وتلاشت هذه الميزة الفريدة في الفكر الإسلامي بسبب الاستبداد السياسي والانغلاق المذهبي حتى تحولت مفردة الحرية» إلى «شغب على الثوابت، وأصبح روادها دعاة على أبواب جهنم، إما على وجه الحقيقة أحيانا وإما على سبيل الاتهام لخصومهم، ثم توالت اللعنات على مجمل الحريات في الإرادة والفكر والتعبير بالرضا بالعبوديات الخاضعة لأهواء البشر من الساسة والاقتصاديين، أو التعصب لأشخاص الفقهاء والوعاظ، أو التماهي مع زيف الإعلاميين وما حصل ويحصل هذه الأيام في بعض الدول العربية الثائرة على أنظمتها القمعية لهو أصدق تعبير عن حالة الكبت والظلم والقهر الذي فجر الفطرة الإنسانية لتثور لحريتها وكرامتها بالرغم من كل القيود وتراكمات أعوام الخوف والإذلال.

ظاهرة فريدة

أما المقاربة «السيسيولوجية » للقلق من الحرية والعبودية الطوعية للاستبداد ففيها العديد من الدراسات والكتب التي تناولت هذه الظاهرة الفريدة بالبحث في صفات الأنفس وماهية المجتمعات وأحوالها، ولعل أشهرها كتاب الخوف من الحرية لمؤلفه إريك فروم»، عندما تحدث عن التجربة النازية في ألمانيا، وقريباً منه كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد لعبد الرحمن الكواكبي ولكني في هذا المقال، سأتناول الدراسة القيمة التي كتبها «إيتيان دو لا بويسي المفكر والأديب الفرنسي في منتصف القرن السادس عشر الميلادي وسطرها في كتاب خرج بعنوان: «مقالة: العبودية الطوعية» تناول المؤلف طبيعة الإنسان عندما يألف الاستبداد، وكيف تصبح الحرية نوعاً من الهلع الرهيب الذي يهرب منه المرء بأقصى سرعة، ليعود بكل رضا وقناعة بوضع القيد على رقبته ويلعق أقدام الجلاد لظهره.. لقد كانت مقالة «لا بويسي» رسالة للمستبدين، شملت عدداً من النصائح التي استقرأ فيها مصائرهم المحتومة فوجدها إما القتل على يدي من أنعم عليهم، أو خيانة أقرب المقربين إليهم. وإما الموت الذي يجعلهم لعنة في صفحات التاريخ لا تمحى ولا تنسى عقودا من الزمن ومن تقريراته النفيسة، قوله: «فواهم كل الوهم من يظن أن فؤوس الحرب والحرس والمراصد تؤمن حماية للطغاة.. ونرى بكل يسر أن عدد الأباطرة الرومان الناجين من الخطر بفضل رماتهم الذين هبوا لنجدتهم أقل بكثير من عدد الذين قتلوا على أيدي أولئك الرماة أنفسهم مقالة العبودية الطوعية، ص (۱۷۸). وفي قول آخر له حول تكاثر الأعوان لدى المستبدين: "حينما يتحول أحد الملوك إلى طاغية فإن كل ما في المملكة من شرّ ومن حثالة، يجتمعون من حوله ويمدونه بالدعم لينالوا نصيبهم من الغنيمة مقالة العبودية الطوعية ص ۱۸۰). 

أما عن حال أولئك الأعوان والمتملقين فيقول: وحين أتفكر في هؤلاء الناس الذين يتملقون الطاغية من أجل أن ينتفعوا بطغيانه وبعبودية الشعب يتولاني الذهول حيال شرهم بقدر ما تنتابني الشفقة حيال غبائهم، فهل يعني تقرب المرء من الطاغية سوى ابتعاده عن الحرية، وبالتالي ارتمائه كليا في أحضان عبوديته مقالة العبودية الطوعية، ص۱۸۰). 

أما عن طبيعة العلاقة بين الطاغية ومن حوله فيقول: «إذا ما التقى الأشرار فإنهم لا يؤلفون مجتمعا بل مؤامرة، وهم لا يتحابون بل يخشى بعضهم بعضا، وليسوا أصدقاء بل هم متواطئون .. يا إلهي، كيف يكون المرء منشغلاً ليلاً ونهاراً بإرضاء رجل، ويحذر منه ويخشاه أكثر من أي شيء في الدنيا مقالة العبودية الطوعية، ص ١٨٥).

إيقاظ العقول

أيضاً حوت المقالة رسالة أخرى للشعوب المستعبدة، وحاول إيقاظ عقولهم للتحرر، وأنفسهم للكرامة، من خلال الشواهد التاريخية، والمقارنات المجتمعية، وحتى المعالجة النفسية كذلك وفي هذا النوع من الإقناع بضرورة الحرية للشعوب، يقول: «إن الشعب الذي يستسلم بنفسه للاستعباد يعمد إلى قطع عنقه والشعب الذي يكون حيال خيار العبودية أو الحرية، فيدع الحرية جانبا ويأخذ نير العبودية هو الذي يرضى بالأذى، بل يسعى بالأحرى وراءه مقالة العبودية الطوعية، ص (١٥١). 

ويحلل كيف يمكن للناس أن يعجلوا بزوال الطغاة دون فعل للمواجهة، فيقول: « إن النار التي تبدأ من شرارة صغيرة لتتأجج ويزداد سعيرها على الدوام، وكلما وجدت حطبا سارعت بالتهامه، فحسبنا أن نكف عن تزويدها بالحطب، فحينها تأكل بعضها وتغدو فارغة من كل قوة لتصير إلى العدم، كذلك هي حال الطغاة مقالة العبودية الطوعية، ص ١٥٢).

فهنا يؤكد لابويسي أكثر من مرة أن الكف عن دعم الطغاة سيؤدي إلى تفريغهم من سطوتهم، وبالتالي يعجل نهايتهم، مع تذكيره الدائم بأن الناس لو عاشوا مع الحقوق التي وهبتنا إياها الطبيعة، ومع التعاليم التي لقنتنا إياها، لكنا مطيعين لأهلنا خاضعين للعقل غير عبيد لأحد مقالة العبودية الطوعية، ص ١٥٤).

 الدفاع عن الحرية

وحول حق الحرية التي قررتها الأديان والمواثيق، يقول: إننا لم نولد وحريتنا ملك لنا فحسب، بل نحن مكلفون أيضاً بالدفاع عنها ( مقالة العبودية الطوعية، ص (١٥٦).

الحقيقة أن التأمل النفسي والاجتماعي الذي قدمه لا بويسي قبل أكثر من أربعة قرون لعبودية الإنسان المثيله الإنسان، وفلسفة الخوف من الحق الطبيعي في الحرية ليعتبر وثيقة تاريخية لا تزال كلماتها حتى اليوم تبعث في الأنفس الانعتاق نحو فضاءات الحرية الملتزمة بالحق، وتؤكد قيمة العدل المتحرر من الاستبداد والنفعية.

ولا أظن أن إنسان اليوم يستطيع أن يعيش بكرامة، ويشعر بقيمته دون حرية تسمو على نزعات الهوى والعبودية للآخر وإذا فقد الفرد هذه الروح؛ فإما الاستسلام للموت البطيء أو الثورة والتغيير..

الرابط المختصر :