العنوان فن التعامل مع الناس
الكاتب فهد عبدالرحمن الرشدان
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1992
مشاهدات 57
نشر في العدد 1006
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 07-يوليو-1992
هذا العنوان قد يثير فيك عدة تساؤلات، هل التعامل مع الناس يعد فنا؟ وهل لهذا الفن من أصول وقواعد ومهارات؟ وهل يجب عليّ إن أردت أن أتعامل مع الناس بطريقة صحيحة أن أتبع هذه الأصول والقواعد؟، هل... وهل... وهل... كثير من الأسئلة يثيرها هذا العنوان يثيرها في نفسك؛ لتبحث عن جواب لها.
أنت تتعامل مع الناس من يوم أن وطئت هذه
الأرض، والناس يتعاملون فيما بينهم من يوم أن خلق الله آدم وأسكنه الأرض، ملايين
من البشر على مدى ملايين من الأيام يتعاملون فيما بينهم بملايين من المعاملات، هل
حقًّا لهذه الملايين المملينة أصول وقواعد يجب أن تتبع؟
تبدأ إجابتنا على هذه الأسئلة بالقول بأن
التعامل مع الناس لكسب مودتهم ومحبتهم، ولحملهم على العمل بأمر معين أو لتغيير شيء
من عاداتهم وسلوكياتهم، هذا التعامل يحتاج ممن يقوم به إلى شيء من الفنون
والمهارات التي تسهل عليه طريقه، وتفتح له مداخل يصعب عليه فتحها.
هذه الفنون والمهارات إن استوعبها كل منا،
كما ينبغي للمرء أن يستوعبها، ثم أجاد تطبيقها باقتدار وتمكن، فسيلحظ وبلا شك قدرة
جديدة لديه يضيفها إلى مجموعة القدرات الكامنة في نفسه، إنها قدرة الولوج إلى
القلوب ومخاطبتها وتغييرها إلى الأفضل.
وهذا الفن في التعامل مع الناس هو ما عناه
داهية العرب معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنه- حينما قال قولته المشهورة الحكيمة:
«إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني
وبين العامة شعرة لما انقطعت، قيل له: وكيف ذاك؟ قال: إن جذبوها أرخيتها، وإن
أرخوها مددتها»([1]).
هذا الداهية يعرف كيف يتصرف، وكيف يتعامل،
ومتى يستخدم سيفه، ومتى يستخدم سوطه، ومتى يستخدم لسانه، وهو مع كل هذا، وفي كل
الظروف فإن صلته بالناس لا تنقطع، بل لا يسمح لها بأن تنقطع، وهذه المقولة تنم عن
ذكاء، واسع وخبرة عريقة في التعامل مع الآخرين تجسدت في الحكمة الخالدة: «لو أن
بيني وبين العامة شعرة ما انقطعت».. وهذا بالضبط ما نعنيه عندما نتحدث عن فن
التعامل مع الناس.
يقول أحد الحكماء: إنما أنتم أخبار فطيبوا
أخباركم([2]).
وأخبارك إنما تطيب وتبقى عطرة فواحة لا
يمل الناس من الحديث عنها، والإشادة بها عندما تدرك أسرار القلوب ومفاتيحها.
لقد فطن لهذه المقولة ابن المبارك- رحمه
الله- فلقد كان لعبد الله بن المبارك جار يهودي، فأراد أن يبيع داره، فقيل له: بكم
تبيع؟ قال: بألفين، فلما قيل له لا تساوي إلا ألفًا، قال: صدقتم ولكن ألف للدار
وألف لجوار عبدالله، فأخبر ابن المبارك، فدعاه فأعطاه ثمن الدار، وقال: لا تبعها([3]).
وفي الخلافة الإسلامية كان عمر بن عبدالعزيز
أحد أولئك النفر القلائل الذين استطاعوا عمل تغييرات إصلاحية واسعة في فترة قصيرة
من الحكم لم تتجاوز الثلاث سنوات، ولم تتمثل عبقرية عمر بن عبدالعزيز في بسط العدل
والأمن في الإمبراطورية الإسلامية فحسب، وإنما تجاوزتها لتدخل إلى نفوس المحكومين
وطرائق تفكيرهم.
ففي العهد السابق لعمر بن عبدالعزيز كان
الناس يتساءلون فيما بينهم متفاخرين: كم تملك من القصور والدور؟ وكم عندك من
الجواري الحسان؟ وعندما جاء عمر بن عبدالعزيز أخذ الناس يتساءلون فيما بينهم
متسابقين: كم تحفظ من القرآن؟ وكم تقوم من الليل؟ وهكذا فالناس على دين ملوكهم.
_____________
[1] طرائف ونوادر ج 2،
ص 15.
[2] العقد الفريد ج 1،
ص 232.
[3] مفيد العلوم ومبيد الهموم:
ص 269.