العنوان في الذكرى الثامنة عشرة لوفاته:
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1982
مشاهدات 59
نشر في العدد 593
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 02-نوفمبر-1982
مصطفى السباعي
مدرسة في الدعوة والفكر والحركة.
أبناء الجيل الذي تربى مع السباعي يواجهون اليوم في بلاد الشام أقصى طواغيت الأرض.
إن كان حسن البنا رجل الصحوة في مصر فالسباعي رجلها في بلاد الشام
حياة المرحوم السباعي بكل تفاصيلها نموذج كامل للقائد الإسلامي المعاصر.
السباعي
لعل الحكمة الإلهية العظيمة أبت إلا أن يوجد في كل قطر مسلم زمن التسلط الاستعماري داعية عظيم وقائد إسلامي محجل، يفتح منافذ النور وسط الديجور القائم، ويبسط الرؤية الإسلامية الساطعة في طرق الناس، وإذا كان حسن البنا- رحمه الله- هو رجل الحركة الإسلامية وباعثها في مصر- فإن مصطفى السباعي هو رجلها وباعثها في بلاد الشام، بل هو واحد من أبرز مفكري الحركة الإسلامية المعاصرة في العالم الإسلامي وكان قدره أن يجدد للمسلمين في الشام دينهم.. ليخرجوا بعد ذلك من هلامية الحياة.. وليخرج الله من أًصلابهم بعد ذلك فتية أشداء لا يخافون في الله لومة لائم.. أولئك الذين كتب عليهم أن يواجهوا أشرس طواغيت الأرض وملعونيها..
(الطائفيين في سورية.. واليهود في فلسطين)
على أننا نجد أنفسنا مدفوعين إلى الوقوف عند بعض المحطات من حياة السباعي الداعية المخلص، والقائد الفذ، ولا سيما أننا عشنا في شهر «أكتوبر» ذكرى وفاته الثامنة عشرة
قائد من حمص:
ولد القائد السباعي عام 1915 في مدينة حمص السورية من أسرة علمية عريقة توارثت العلم والفضل جيلًا بعد جيل، ولقد تأثر في أول نشأته بوالده الشيخ (حسني السباعي) رحمه الله، فقد كان عالما مجاهدًا مصلحًا، وكان خطيب الجامع الكبير في حمص، وقد دأب على اصطحاب ابنه إلى حلقات العلم، التي فتحت مداركه وذهنه نحو طريق العلم والعلماء، حتى صار رحمه الله كما أراد له والده عالمًا فقيهًا من نوادر أصحاب العلم والفقه في العالم الإسلامي.
بدأ مصطفى «الصغير» يحفظ كتاب الله منذ نعومة أظافره، ثم التحق بالمدرسة السعودية الابتدائية، فالثانوية الشرعية التي تخرج فيها عام 1930 ليلتحق بالأزهر في قسم الفقه عام 1932، وبعد ذلك انتسب إلى كلية أصول الدين حيث حصل على شهادة الدكتوراه «العالمية» في التشريع الإٍسلامي وتاريخه، وكانت أطروحته هي: «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» كان ذلك عام 1949.
الوجه السياسي لعصر السباعي:
على أن الظروف السياسية التي نشأ فيها القائد السباعي من أخطر الظروف التي مرت بتاريخ الأمة الإسلامية الحديث..
ففي هذه الفترة سقطت الخلافة عام 1924 وقامت دولة علمانية مكانها.. وبالطبع لا يحس بقيمة هذا الحدث إلا الذين يدركون بعمق معنى الخلافة ومعنى الدولة الإسلامية، ومعنى أن تقوم مكانها دولة غربية علمانية تضطهد الإسلام والمسلمين.
وفي هذه الفترة استعمرت وقسمت بلاد المسلمين إلى دويلات هزيلة.. فوضعت بريطانيا يدها على قسم وسيطرت فرنسا على قسم وإيطاليا على قسم آخر.. وكانت سوريا التي قسمت بدورها إلى دويلات أصغر من نصيب الاستعمار الفرنسي..
وفي هذه الفترة ظهرت ولأول مرة بين المسلمين الحركة القومية والنعرات الإقليمية- وصار الإسلام غريبًا في بلده وصار المسلم منبوذًا بين بني قومه هذا في الجانب السلبي.
أما في الجانب الإيجابي فقد قامت في مصر عام 1928 حركة الإخوان المسلمين وبدأت تستنهض الهمم وتنادي بالإسلام الدين الشامل الذي يتناول مظاهر الحياة جميعًا.. وتستنفر المسلمين في أنحاء العالم ليحزموا أمرهم ويجمعوا شتاتهم ويكونوا أمة على من سواهم.. وبالطبع فقد وصلت هذه الحركة إلى سوريا وكان استاذنا السباعي أول الملبين والمتجاوبين، بل حمل لواء الدعوة وكان القائد المجلي الذي لا يشق له غبار.. وكل الذي نراه اليوم في سوريا من آثار إسلامية إيجابية هي من توفيق الله ومما أكرم الله به فضيلة الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله.
تربوي وهب نفسه لله:
عندما انتقل السباعي إلى دمشق أسس مع مجموعة من إخوانه «المعهد العربي الإسلامي».. وفي حمص ودمشق بدأ السباعي «رحمه الله» يغرس الفكر الإسلامي الأصيل في نفوس وعقول وقلوب طلابه.. وبدأت الغراس تنمو وتمتد، ولقد تخرج على يد السباعي في هذه الفترة مجموعة كبيرة من الشباب الذين تحملوا فيما بعد مسؤولية الدعوة وحملوا راية الإسلام مع أستاذهم في حياته وبعده بعد مماته.
والقائد لا يقف طويلًا في موقعه بل يطور طاقاته ووسائله..
إن الفرق بين القائد والإنسان العادي.. أن الأخير يقف طويلًا في مكانه، والأول يطور نفسه باستمرار، وكذلك كان أستاذنا السباعي.. فقط بدأ مدرسًا ثم أنشأ مدرسة ثم انتقل إلى الجامعة فعين فيها منذ عام 1950 أستاذًا في كلية الحقوق فكان من ألمع وأنشط مدرسيها.. وبعد «عام 1954» أنشأ في جامعة دمشق ولأول مرة كلية للشريعة، وكان أول عميد لها.. وكان الهدف البعيد من إنشاء كلية الشريعة أن يتخرج منها قادة العمل الإسلامي، وأن نظرة على الدعاة الذين تحملوا مسؤولية الدعوة في سوريا في السنوات الأخيرة، تجد أن معظمهم من خريجي هذا المعهد الشامخ الذي أعطاه أستاذنا مصطفى السباعي خلاصة فكره وعقله وأودع فيه جزءًا من روحه وقلبه.
على أن عقليه السباعي المبدعة المتطورة لم تكن لتقف عند حد.. فقط كان يدرك أن الجامعة تخرج العلماء.. ولكنه كان يريد لكلية الشريعة أن تخرج العلماء الدعاة.. فأحدث درسًا أسبوعيًا سماه «قاعة البحث» وقد تولى بنفسه إدارة هذه القاعة وإلقاء محاضراتها التوجيهية، وكان «رحمه الله» حريصًا على عدم الانقطاع عنها لأي عذرً أو سبب ولو كان المرض الشديد والآلام المبرحة.. وقاعة البحث أسلوب جديد متطور من وسائل التربية والتعليم يحتاجه الدعاة فإذا لم توفره لهم الأنظمة الجائرة في المدارس والجامعات فعلى الجماعات الإسلامية أن توفره بوسائلها التربوية الخاصة بها.
ولقد حاول جمال عبد الناصر عندما حكم سوريا بعد عام 1958 إغلاق كلية الشريعة فلم يستطع، ولقد منع توظيف خريجي هذه الكلية وحاول التضييق عليهم بمختلف الوسائل ومع ذلك صمدت الكلية وصمد طلابها..
وكذلك حاولت حكومات البعث بعد عام 1963 إغلاق كلية الشريعة واستبعاد الأساتذة الجيدين منها وإدخال طلاب غير مسلمين إليها..
ومع ذلك ورغم هذا العسف والجور فستبقى كلية الشرعية شامخة شاهدة على بعد نظر الأستاذ السباعي «رضى الله عنه وأرضاه».
ومن كلية الشريعة ولدت فكرة «موسوعة الفقه الإسلامي» التي كانت تهدف إلى إحياء التراث الفقهي الإسلامي العظيم وبعثه بقالب جديد يلائم التطورات الاجتماعية والتشريعية الحديثة، فعمل أستاذنا السباعي بالتعاون مع إخوانه في كلية الشريعة لإخراج هذا المشروع الكبير إلى حيز التنفيذ وكان أول رئيس لهذه الموسوعة التي جمعت خيرة العناصر العلمية والفقهية والقانونية في الجامعة.
وبعد وفاة السباعي توقف مشروع الموسوعة، وقد تبنته دولة الكويت فيما بعد وحاولت أن تستثمر فيه على خطوات السباعي رحمه الله.
السباعي
الفصل الثالث
السباعي مؤسس حركة الإخوان المسلمين في سوريا
كان السباعي رفيق كفاح الإمام الشهيد مؤسس حركة الإخوان المسلمين حسن البنا.. وأن له دورًا بارزًا في الدعوة في سوريا قبل الإخوان وفي مصر مع الإخوان، ثم عاد إلى سوريا ليؤسس فرعًا آخر للدعوة فكانت سوريا المركز الثاني بعد مصر، وإذا كان حسن البنا[1] نموذجًا من النماذج النادرة التي عرفها تاريخ الإسلام الطويل، وواحدًا من عقد الدعاة الأبرار والمصلحين الربانيين الذين عرفتهم الأمة الإسلامية، فصححوا مسيرتها، وغيروا أعرافها، وطبعوها بطابع الحق، وأعادوها إلى الصراط المستقيم، هؤلاء الذين يظهرون فجأة فيملئون الدنيا علمًا وإيمانًا، ثم يختفون فجأة كذلك بعد أن يكونوا قد أحدثوا دويًا عالميًا في آذان الدهر وأسماع الناس.
إذا كان حسن البنا بهذه الصفات فإن الداعية مصطفي السباعي لا يقل عن ذلك بحال.. ولقد عرف إمامنا الشهيد قدر داعيتنا العظيم مصطفى السباعي، فاعترض على صحافة الإخوان في مصر عندما نشرت صورة للرجلين وكتبت القائد والمريد.. فصحح حسن البنا العبارة وقال بل القائد وأخوه..
رحم الله القائدين.. فلا يعرف غير الرجال قدر الرجال. وإذا أردت أن تتحدث عن مصطفى السباعي السياسي.. لوجدت نفسك أمام سياسي بارع، ومناضل فذ، دخل السجن ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره.
كافح بالكلمة والبيان،، فكان إمام البيان..
وكافح بالموقف الإسلامي المتميز. وله في برلمان سوريا عندما كان نائبًا لرئيس المجلس النيابي وعضوًا في لجنة صياغة دستورها صولات وجولات.. مواقف دونها المواقف الكبار.
وكافح بالسلاح في ساحات سوريا ضد الفرنسيين، وفي ساحات فلسطين ضد اليهود.. وباختصار فقد كان سياسيًا من أعظم ساسة هذا الزمان.. جاهد بالكلمة واليد واللسان والحسام وكان يردد دائمًا «خير لي أن أموت وأنا أقوم بواجبي نحو الله من أن أموت على فراشي، فالآجال بيد الله وإن ألمي من حرمان إخواني من دروس التوجيه أشد وأقسى من آلامي الجسدية وحسبي الله وعليه الاتكال»..
وإذا أردت أن تتحدث عن مصطفى السباعي الكاتب العام فستجد نفسك أمام بحر دافق زاخر.. ولقد سمعنا من مشايخنا الكبار أن السباعي متقدم في كتابته على زمانه.. بل لقد شاركت كتاباته في تكوين الوعي الحركي الذي يعيشه جيلنا المسلم اليوم.
« وقد تعددت تآليفه حتى أربت على خمسة وعشرين مؤلفًا تناول فيها موضوعات شتى في ميدان الفكر وأهمها الفقه والسياسة والاقتصاد والأخلاق والاجتماع، وفي أغلبها عناية خاصة بالرد على الشكوك والتهم التي يثيرها المستشرقون والمستغربون والحاقدون على الإسلام، وأبرز مثال على ذلك دفاعه بالذات عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفنيده لأباطيل المغرضين»
وإذا أردت أن تتحدث عن مصطفى السباعي الصحفي فستجد أنك وراء جميع الصحف والمجلات الإسلامية التي صدرت في سوريا، فلقد أدرك «رحمه الله» أهمية الإعلام كسلاح ضروري في يد الحركة الإسلامية، تدافع فيه عن نفسها، وتشرح به الإسلام بأيسر الوسائل وأحسنها فأنشأ جريدة المنار عام 1947 وفي عام 1955 أسس مع نفر من إخوانه جريدة الشهاب ومجلة المسلمون، ثم بعد ذلك حضارة الإسلام.
وعندما يذكر السباعي اليوم.. يذكر كقائد كبير من قادة حركة الإخوان المسلمين أسس الدعوة في سوريا وركز الراية طويلًا في ربوعها وفي ظل هذه الراية خطب وحاضر وكتب وجاهد فالمسلم شخصية متكاملة والإسلام دين شامل كامل.
حركة الإخوان المسلمين
كانت حركة الإخوان المسلمين التي أنشأها الإمام الشهيد حسن البنا «رضى الله عنه» عام 1928 هي الرد الطبيعي والسليم على التحديات التي واجهت العالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الأولى عام 1914، وسقوط الخلافة عام 1924 واستعمار بلدان العالم الإسلامي ونهب ثرواته ولقد حاول الاستعمار عن طريق تغيير المناهج وبرامج التعليم، إيجاد جيل يؤمن بالأفكار الغربية التي تتلخص في نبذ الإسلام والتعلق بنظريات أخرى أنتجتها مطابخ اليهود مثل العلمانية والوجودية والرأسمالية والشيوعية وغيرها.
وهكذا أنقسم المجتمع الإسلامي إلى قسمين بارزين، المثقفين ومعظمهم بعيد عن الإسلام وقسم آخر تمسك من الدين بالقشور، وعاش الإسلام في غربة مع كلا الفريقين.
وكان الأستاذ السباعي، يشعر بضرورة قيام حركة إسلامية تستوعب جميع الطاقات وتوجيهها نحو إعادة مجد الإسلام، وكان يشعر أن الجمعيات الإسلامية سواء الموجودة منها أو تلك التي أنشأها مثل: الرابطة الدينية بحمص، وشباب محمد -صلى الله عليه وسلم، والشبان المسلمين في دمشق هي دون مستوى طموحاته الإسلامية.
وعندما سافر أستاذنا إلى مصر سنة 1933 لمتابعة دراسته العليا هناك، بادر للاتصال بالإمام الشهيد حسن البنا وكان قد سمع عنه من قبل وعرف جهاده في سبيل الإسلام.
«ولقد أعجب الأستاذ السباعي بعمل الإمام الشهيد حسن البنا ورأي فيه بغيته وطريقته، كما رأى أن ما كان ينشده ويفكر به من تنظيم جماعة تنهض بعبء رسالة الإسلام قد تحقق على يدى الإمام البنا، فساهم خلال وجوده في مصر بدفع هذه الحركة وتوسيع نشاطها وتدعيم أسسها فاستفاد من تجربتها وأفادها من خبرته ونشاطه».
وبلغ نشاطه حدًأ أفزع الاستعمار البريطاني وأتباعه في مصر آنذاك فألقي عليه القبض من قبل القيادة البريطانية في مصر بتهمة تحريض الشعب المصري على الثورة ضد الإنكليز وزج به في السجن وبعد شهرين سلم إلى السلطات الإنكليزية بفلسطين فأودع معتقل «صرفند» وبعد مضي أربعة أشهر أفرج عنه، لتعيد السلطات الفرنسية في سوريا اعتقاله من جديد فور وصوله إليها وزجته في سجون لبنان أكثر من سنتين ونصف، وبعد أن أفرج عنه عاد إلى بلده حمص ثم انتقل إلى دمشق ليتابع نشاطه في الدعوة إلى الإسلام وقيادة الجماهير في طريق الحق والقوة والحرية..).[2]
وفي دمشق وفي عام 1945 أعلن القائد مصطفى السباعي قيام جماعة الإخوان المسلمين كجزء من حركة الإخوان المسلمين العالمية التي أنشأها الإمام الشهيد حسن البنا.
[1]) من كتاب حسن البنا بقلم أنور الجندي ص 3
[2]) حضارة الإسلام- ديسمبر 1964
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل