العنوان في الساحة العربية
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1983
مشاهدات 52
نشر في العدد 644
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 08-نوفمبر-1983
فدائي واحد يقتل مئات الإسرائيليين، بينما مئات الفلسطينيين يقتلون بالأسلحة العربية.
حشود سورية إسرائيلية قبل كل هجوم على الفلسطينيين.
هل هناك علاقة بين الفعل السوري والفعل الإسرائيلي؟
ما هي المفاجآت التي حدثت أثناء الهجوم على مخيمات اللاجئين قرب طرابلس؟
الثورة الفلسطينية تستقوي بالمسلمين في لبنان كما يستقوون بها.
فصائل من القوات المهاجمة تنضم لقوات عرفات المحاصرة من قبل السوريين.
لماذا تحوم الطائرات الإسرائيلية فوق طرابلس والبواخر الإسرائيلية على شواطئها أثناء الهجوم السوري الليبي؟
معركة طرابلس الحالية حلقة في سلسلة إلغاء العمل الفلسطيني.
في كل مرة يعلن فيها عن حشود سورية إسرائيلية، وعن موقف سوري متشدد إزاء إسرائيل، وعن تهديدات إسرائيلية لسوريا تتهيأ أذهان الجماهير العربية لحرب وشيكة بين سوريا وإسرائيل، ثم تفاجأ هذه الجماهير العربية بوقوع الحرب بين السوريين والفلسطينيين، أو كما هو معلن بين الفلسطينيين والفلسطينيين.
الإعلام الببغاوي:
وحتى ساعة إنجاز هذا الموضوع، مئات القتلى، ومئات الجرحى تسقط في مخيمي البداوي، ونهر البارد، بل في أحياء طرابلس وشوارعها تحت حمم القنابل التي تقذفها الوحدات السورية الخاصة، والعملاء المنشقون على المقاومة الفلسطينية بدوافع وولاء لسورية وليبيا، وهكذا يذبح الفلسطينيون بالسكاكين العربية، أما الإعلام العربي الذي ينقل جزءًا بسيطًا من المذبحة الفلسطينية الجديدة، فإنه مايزال يردد -وبشكل (ببغاوي)- أنباء معركة محتملة بين سورية وإسرائيل، وهذا شأن الإعلام في كل مرة تنصب فيها المذابح للشعوب، بدءًا من تل الزعتر، ومرورًا بمذبحتي تدمر وحماة، وانتهاء بالبداوي ونهر البارد.
حدث هذا مع بداية التمرد المسلح على قيادة ياسر عرفات في شهر مايو الماضي، وما أعقب ذلك من قتال عنيف بين المتمردين المدعومين من سوريا وليبيا، وبين الموالين لياسر عرفات الذين يصرون على رفع شعار «استقلال القرار الفلسطيني»، وظل القتال مستمرًا فلسطيني الوجه، سوري المحتوى، ليبي الدعم، وفشلت كافة الجهود المبذولة للمصالحة، وبدأ وكأن هناك إصرارًا سوريًا ليبيًا -وربما عربيًا- على إبعاد عرفات عن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وربما إبعاد العمل الفلسطيني العسكري والسياسي نهائيًا عن الساحة، وذلك بتحجيمه، وربطه بالنظام السوري تحت يافطة الإصلاح.
وحدث ذلك مؤخرًا وبعد انفجار مقر القيادتين الأمريكية والفرنسية في بيروت- حيث بدأت بعض أصابع الاتهام الأمريكية توجه إلى سوريا، التي تريد الآن أن تثبت براءتها بفعل ما تقدمه على المسرح اللبناني، وبدأت إسرائيل تبدي استعدادها لعمل اللازم، ثم أعلن عن حشود إسرائيلية سورية، وأخذ الناس ينتظرون الحرب التي حدثت، ولكن بين السوريين والليبيين من جهة، وبين الفلسطينيين في طرابلس بدءًا من مخيمي البداوي ونهر البارد، وكالعادة تحت يافطة المعارضين والموالين لياسر عرفات.
المذبحة الجديدة:
وهكذا تبدأ مذبحة جديدة للفلسطينيين، يشنها الجيش السوري؛ إذ أن القيادة السورية تريد أن تقدم خدمة ما لأمريكا، بينما تعيش مناطق القتال في طرابلس وضواحيها واقعًا مأساويًا، وصل إلى درجة استحالة خروج المواطنين لتأمين حاجياتهم اليومية، أما الحرائق فحدث ولا حرج، فلقد شملت كل شيء حتى امتدت إلى منشآت النفط،وخزانات الوقود مما أوقع رجال الإسعاف والإطفاء في العجز عن السيطرة على الحرائق المنتشرة هنا وهناك.
ويعلن ياسر عرفات من مخيم البداوي أثناء المعارك أن هناك أكثر من (۱۳۰) مدفعًا تصب حممها على المخيمين، بالإضافة إلى راجمات الصواريخ وقذائف الدبابات المهاجمة، ويؤكد عرفات أن السوريين قد أقسموا على قتله خلال أيام، وأن القذائف تتساقط على المخيمين بمعدل (۷۰) قذيفة في الدقيقة، وأن الهجوم يستهدف قطع الصلة بين المخيمين وبين طرابلس، ثم بين المخيمين الذي يبعد أحدهما عن الآخر مسافة عشرة كيلو مترات.
ذكرت صحيفة «الديلي إكسبرس» في مقابلة لها مع عرفات قوله: إن المعارضين لقيادته هم دمى في يد سوريا، وأنهم أحصنة طروادة التي تراهن سوريا عليهم»، كما ذكرت مجلة «المجلة» السعودية أن عرفات رفض عرضًا من رفعت أسد بتأمين خروجه من لبنان، وقال عرفات للمراسلين في مخيم البداوي: «إنها حرب مفتوحة من قبل السوريين وحلفائهم الليبيين، الذين يشاركون أيضًافي الهجوم مع الفئات المعارضة».
هذا وقد أعلن عن مقتل حوالي مائة، وجرح حوالي مائتين من الفلسطينيين في المخيمين في اليوم الأول للهجوم، كما أعلن عن تدمير (١٠) دبابات سورية، وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن القوات المهاجمة لم تستول على أي موقع لقوات عرفات، ولم تحقق أي تقدم في اليوم الأول للقتال.
وكان أحد قادة المعارضة في دمشق قد أعلن أنهم «سيلقون بياسر عرفات في البحر»، كما أعلن ناطق باسم المعارضين في دمشق واسمه أبو أحمد «أننا نتوقع أن ينجو عرفات على متن سفينة مصرية؛ لأن هذا هو سبيله الوحيد للخروج من طرابلس».
مفاجآت:
وحدثت بعض المفاجآت في اليوم الأول للمعارك، فبينما كانت قوات حطين التابعة لجيش التحرير الفلسطيني في سوريا، والتي يرأسها اللواء طارق الخضراء تقاتل إلى جانب المهاجمين؛ انشقت عنها (٤) فصائل، وانضمت إلى قوات عرفات، وأخذت مواقعها الدفاعية في الصفوف الأمامية لصد الهجوم.
وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» إن هناك كتيبة دبابات وكتيبة مدفعية سوريتين تشاركان في الهجوم، ثم انضمت إليهما كتيبة سورية ثالثة، كما أن هناك كتيبة دبابات وكتيبة مشاة ليبيتين تشاركان في الهجوم، بالإضافة إلى قوات أحمدجبريل، وقوات «أبو موسى».
إلا أن هناك مفاجأة أخرى حدثت أثناء المعارك، وجاءت هذه المفاجأة من منظمة «الصاعقة» التابعة لحزب البعث السوري، التي أصدرت بيانًا تحيي فيه المقاتلين في جيش التحرير الفلسطيني، الذين رفضوا أوامر أبو خضرا «وأبوا أن يقتلوا شعبهم وإخوانهم في المخيمات».
والغريب في الأمر أن الهجوم على قوات عرفات في طرابلس جاء في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي يحيون ذكرى وعد بلفور المشؤوم بانتفاضات جماهيرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت الذي أعلن فيه «إيتان» عن تأسيس حزب صهيوني جديد، هدفه المزيد من الاستيلاء على الأرض، وتفريغها من سكانها بأي وسيلة كانت؛ من أجل إقامة دولة إسرائيل الكبرى في كل أرض إسرائيل، ومن المعروف عن «إيتان» هذا أنه شارك في مجازر صبرا وشاتيلا.
ومن الجدير بالملاحظة أيضًا أن الهجوم السوري الليبي -ولا نقول الفلسطيني- على مخيمات اللاجئين في طرابلس جاء بعد ساعات من توصل المتحاورين في جنيف على إلغاء الاتفاق اللبناني الإسرائيلي «بالتقسيط»؛ أي على مراحل، وبناء على ضمانات لكل الأطراف المتحاورة، فما هي الترتيبات التي ستتم خلال هذه المراحل؟ ولماذا تصر سوريا على انسحاب قواتها من لبنان بعد انسحاب قوات إسرائيل؟ ثم ماذا يعني إعلان إسرائيل أنها ستبقى في جنوب لبنان إلى الأبد في حالة إلغاء الاتفاق اللبناني الإسرائيلي بحجة الحفاظ على الأمن؟ وماذا تعني تصريحات وليد جنبلاط أنه يتفهم دواعي الأمن الإسرائيلية، وأنه لن يسمح للفلسطينيين بدخول الجبل أو مهاجمة إسرائيل؟ هل تكتفي إسرائيل بهذه الضمانات الدرزية المعلنة؟
مما لا شك فيه أن انسحاب سوريا من لبنان يعني انسحاب الفلسطينيين معها، أو انسحابالقوى المسلحة للفلسطينيين على أقل تقدير إن بقي لدى الفلسطينيين قوى مسلحة لحين الانسحاب السوري، وهذا لا يمكن أن يتم إلا إذا كانت سوريا تملك الهيمنة التامة على منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا هو الذي يجري اليوم، وما معركة طرابلس الحالية إلا حلقة في سلسلة تدجين العمل الفلسطيني الثوري المسلح، وإلغائه في نهاية المطاف.
وقبل أن تقوم «حركة أبو موسى الانشقاقية» كانت هنالك رسالة، قيل إن عبد الحليم خدام صاغها بنفسه للأمريكان، تتضمن استعداد سوريا للمشاركة في عملية السلام في الشرق الأوسط أو السماح لمنظمة التحرير باعتماد هذا الاتجاه إذا لمست سوريا من الولايات المتحدة اهتمامًا بإعادة مرتفعات الجولان إليها مثلما هي مهتمة بإعادة الضفة والقطاع إلى الأردن.
وجاء الرد المعروف من ريغان على شكل برقية تهنئة لحافظ أسد بمناسبة جلاء القوات الأجنبية عن سوريا في ۱۷/۲/۱۹۸۳م، وفيها يقول: «إنه يأمل في توسيع مبادرة السلام الأمريكية لتشمل إعادة كل الأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧م، بما في ذلك مرتفعات الجولان».
وطلب ريغان من الدول العربية سحب اعترافها بمنظمة التحرير التي رفضت مبادرته، ورفضت تقويض الأردن بالتفاوض نيابة عنها، فقامت على الفور حركة «أبو موسى» التي كانت مجرد واجهة لأكبر وأخطر عملية تصفية للثورة الفلسطينية المعاصرة، وبطبعة جديدة مزيدة ومنقحة، وبإخراج متقن وخطوات مدروسة، وأدوات جاهزة للعمل، ودعم دولي وعربي لا بأس به.
الطوربيد الجديد في مقر الحاكم الإسرائيلي في الجنوب:
مع بزوغ فجر يوم الرابع من شهر نوفمبر الجاري دوي انفجار هائل دمر مقر الحاكم العسكري الصهيوني في مدينة صور ومقر قيادة القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ويأتي الانفجار الجديد بعد أيام معدودات من الانفجارين الهائلين اللذين دمرًا مقري قيادتي المارينز، ومقر القوات الفرنسية في بيروت، وأسفرا عن مقتل المئات من أفراد وضباط القوتين.
نصف طن متفجرات:
يقول شهود العيان في وصفهم للانفجار الجديد أنه في تمام السادسة صباحًا انطلقت شاحنة مفخخة بنصف طن من المتفجرات نحو مقر الحاكم العسكري الصهيوني في صور، على الرغم من تعرضها لنيران إسرائيلية، ودمرت المبنى المؤلف من طابقين، وسوته بالأرض تمامًا، وقد أفادت الأنباء الأولية أن أكثر من (مائة جندي وضابط صهيوني) قد قتلوا، إضافة لبعض اللبنانيين والفلسطينيين الذين كانوا محتجزين لدى القوات الصهيونيةداخل المبنى.
في حين يحاول العدو الصهيوني كعادته التخفيف من حجم خسائره المادية والبشرية، والجدير بالذكر أن هذا الانفجار المدمر يأتي قبل أيام من مضي عام كامل على نسف مقر الحاكم الصهيوني السابق في المدينة نفسها، والذي أدى في حينه إلى مقتل أكثر من سبعين عسكريًا صهيونيًا باعتراف العدو الصهيوني نفسه.
قصف عشوائي:
وكما يحدث دائمًا وعقب كل انفجار مدمر لأي موقع صهيوني تقوم الطائرات الصهيونية بقصف المواقع المدنية الأهلة بالسكان، لذلك فقد قامت طائرات العدو الصهيوني بقصف تجمعات فلسطينية في وسط لبنان، وتركزت الغارات التي اشتركت فيها (١٦) طائرة من طراز أف (١٦) وأف (١٥)، وكفير على مناطق بحمدون، وعالية وصوفر، ويقول المراقبون إن الطائرات السورية لم تتصد للطيران الصهيوني، بل ظهرت بعده مباشرة في سماء وادي البقاع على بعد (۱۲) كم شرقي المنقطة التي قصفتها الطائرات الصهيونية.
ومهما كانت هوية الفاعل فإن الفعل حدد هوية العداء المتأصل في نفس هذا الفدائي للوجود اليهودي في الأرض العربية، على أن مراقبين في بيروت رجحوا أن العملية قام بها أحد الفدائيين الفلسطينيين، وهذا يصور بالتالي حجم الجريمة في قرار ذبح الفلسطينيين في مخيمات الشمال؛ إذ أن هذا القرار هو محاولة نهائية لمنع تكرار تفجير المؤسسات الصهيونية العسكرية في الأرض العربية.
إن المؤامرة على القضية الفلسطينية بدأت أول ما بأدت عبر إجراءات إعلامية، روجتها في البدء الأبواق الثورية، ولما جاء دور السكاكين الخائنة، تعامى الإعلام المعربي عن الحقيقة المرة، وبدأت بعض منابره تزور الحقائق الواضحة في الوقت الذي ينتظر فيه المنتظرون قطع الرأس الفلسطيني، وبتره نهائيًا عن الجسد لتزهق روح المقاتل الفلسطيني، وينقل بعد ذلك في نعشعربي إلى مثواه الأخير.
ترى هل يحدث ما يحدث لأنه من شرائط التصديق على بعض المقرارات في مؤتمر القمة العربي القادم في منظور بعض الثوريين؟
أم أن ما يحدث في شمالي لبنان هو شهادة الولاء التي يقدمها المعتدون للولايات المتحدة وللحكومة الإسرائيلية؟
قد يعاب علينا وقوفنا إلى جانب المقاومة الفلسطينية باعتبار أن موقفنا هذا هو في نهاية المطاف موقف إلى جانب ياسر عرفات وضد خصومه المعارضين.
ونحن من موقف المسلم الملتزم بقضية فلسطين وشعبها، والمنطلق من رؤية إسلامية شاملة وعميقة- نقول إن لنا على ياسر عرفات مآخذ كثيرة مسلكية وأيديولوجية قد تصل في بعض الأحيان إلى حد التناقض بيننا وبينه، ولكن ذلك لا يمنعنا من التعامل مع الواقع الفلسطيني تعاملنا مع أي واقع عربي آخر، يضاف إلى ذلك الخصوصية التي يتميز بها الوضع الفلسطيني شعبًا وثورة وقيادة.
المطلوب منا أن نكون مع الشعب الفلسطيني باعتباره شعبًا مسلمًا، ومع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية إسلامية، أما موقفنا من القيادة الفلسطينية فهو يقترب منها بمقدار اقترابها من الإسلام الجهادي، ونبتعد عنها ونلجأ إلى النصح كلما ابتعدت عن هذا المنهج شأنها شأن أي نظام عربي.
أما إن كان المتآمرون على هذه القيادة متآمرين أيضًا على الشعب والقضية، متحالفين مع أعداء الله وأعداء الوطن؛ فلا بد أن نكشف زيف هؤلاء المتآمرين، وزيف شعاراتهم المرفوعة، وزيف رموزهم التابعة والمأجورة والمجبرة على أن تسلك هذا الطريق.
القضية أكبر من أن تكون خلافًا بين ياسر عرفات، وأبو موسى، أو بين ياسر عرفات، وحافظ أسد؛ القضية هي تصفية جارية للثورة الفلسطينية، والقضية الفلسطينية لأن بقاء هذه الثورة وهذه القضية حية في الفكر والممارسة يجر في المدى القريب أو البعيد إلى قيام الحركة الجهادية الإسلامية لتصحيح المسيرة والوصول إلى النصر، ولهذا كانت الهجمة المستمرة لتصفية الثورة الفلسطينية وفصلها عن المنهج الإسلامي.
وإذا كانت هذه الثورة قد استقوت بالمسلمين في غرب بيروت، واستقووا هم بها؛ فإنها اليوم تستقوي بالمسلمين في طرابلس، ويستقوي المسلمون في طرابلس بها، ومهما قيل عن بعض السلبيات والتحفظات فإن الجوهر يظل هو الجوهر. فانفضوا -أيها المسلمون- عنكم غبار السلبية، وشاركوا في الجهاد، وارفعوا -أيها الفلسطينيون- راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله» تفلحوا، قال -تعالى- في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة التوبة: 14) صدق الله العظيم.
إن من أشد المفارقات حزنًا وألمًا ما حدث في لبنان يوم الجمعة الماضية، ففي الوقت الذي كان الشاب المسلم الذي لم يتجاوز العشرين من عمره يندفع بشاحنة نحو مبنى الحاكم العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان يضع الموت والاستشهاد نصب عينيه لتنفجر شاحنته بما تحمله من أطنان المتفجرات، ولتجعل المبنى أثرًا بعد عين مما أدى إلى مقتل وجرح حوالي مائتين من الضباط والجنود الإسرائيليين- نقول في نفس الوقت كانت المخيمات الفلسطينية في شمال لبنان تتلقى أكثر من (۲۰) ألف صاروخ سوري، مما أدى إلى وقوع مئات من الضحايا المدنيين من سكان المخيمين الفلسطينيين، هذه المفارقة المؤلمة تعطي دلالات أكيدة على أن الوصول إلى العدو ليس بالأمر الصعب، أو المستحيل كما تدعي قيادات بعض الأنظمة العربية، بل أن هذه المفارقة تذهب إلى أبعد من ذلك حيث يعطي انطباعًا بأن هذه الأنظمة باتت تسير في ضحى واحد مع اتجاهات العدو الإسرائيلي.
فالعدو يحاول -منذ عدة سنوات وبشتى السبل- ضرب المقاومة الفلسطينية وتصفية منظمة التحرير، ولكنه لم يفلح في تحقيق هذا الهدف، وبعض الأنظمة العربية حاولت وتحاول تحجيم المقاومة الفلسطينية، واحتواء منظمة التحرير بشتى السبل أيضًا، وما يجري اليوم في شمال لبنان يؤكد صحة ما ذهبنا إليه.
إن فشل المناورات السياسية، والالتفاف من خلف خطوط المنظمة، وشق صفوف المقاتلين- عجل باللجوء إلى استعمال القوة العسكرية باعتبارها الوسيلة الأقوى والأسرع في تحقيق الأهداف المشبوهة.
إن تمركز مئات الدبابات السورية على التلال المحيطة بالمخيمات الفلسطينية مع الآلآف من الجنود القابعين داخل السيارات المدرعة وراجمات الصواريخ منذ أشهر عديدة كانت تنتظر ساعة الصفر المحددة لتنفيذ المشهد الأخير من قصة المقاومة الفلسطينية.
إن القضية ليست في وجود عرفات، أو في عدم وجوده كما يدعي بعض الأفاكين، بل إن القضية في الحقيقة هي في محاولة إنهاء الاتجاه الجهادي الذي ينمو حثيثًا داخل الشعب الفلسطيني خاصة، وشعوب المنطقة بشكل عام، وإلا فكيف يمكن تفسير سقوط آلآف القذائف فوق الآلآف من الرجال والنساء والأطفال في قصف عشوائي مجنون، والغريب أن عرفات قال للصحفيين الأجانب: (انظروا إن الطيران الإسرائيلي في السماء، والبحرية الإسرائيلية كذلك أمام سواحل طرابلس، والقوات السورية في الجبال والتلال المحيطة بطرابلس)، فسأله أحد الصحفيين: (هل هناك علاقة بين هاتين القوتين، وبين الهجمات على المخيمات؟) ونحن أيضًا نتساءل هل هناك علاقة؟