العنوان الانسحاب الإسرائيلي والمساعي السلمية
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1985
مشاهدات 59
نشر في العدد 706
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 26-فبراير-1985
- لم يكد الإسرائيليون ينسحبون من صيدا حتى ارتفع في سماء المدينة هتاف «الله أكبر».
- المجاهدون في لبنان لا يشغل بالهم ما يجري على الساحة السياسية.
وأخيرًا، جرجر الإسرائيليون آلياتهم ومعداتهم الثقيلة والخفيفة وانسحبوا من المدينة الباسلة صيدا دون شروط مسبقة، ودون بنود سِريَّة، ودون نصوص تحتمل التأويل، ودون تنازل من الطرف المقابل الذي أجبرهم على الانسحاب، انسحب الإسرائيليون من طرابلس وهم مذعورون، عيونهم زائفة وأصابعهم على الزناد مرتجفة، لأن هناك شبابًا نذروا أنفسهم في سبيل الله وقرروا أن يلاحقوا أعداء الله بقوة الإيمان أولًا ثم بعد ذلك بما تقع عليه أيديهم من سلاح.
ولقد أبلى المجاهدون في جنوب لبنان البلاء الحسن فقهروا الجيش الذي لا يقهر وحركوا في وجدان الأمة روح الجهاد التي غابت عنها مع تراكم الفلسفات الغربية والشرقية التي أفسدت هذه الأمة، وابتعدت بها عن الأصالة وسارت بها بعيدًا في طريق التيه.
لم يستنجد المجاهدون بشرعية دولية ولا بشرعية عربية ولا بشرعية لبنانية، وإنما استنصروا بالله فنصرهم الله، وصدعوا للحق فأعزهم الحق، وعملوا في الظلام فأضاء الإيمان قلوبهم، وابتعدوا عن الأضواء فأضاء الله لهم الطريق.
كلمات بسيطة يقولها المجاهد وهو يهم بأداء الصلاة: نحن غير معنيين بما يجري من مباحثات حول الانسحاب الإسرائيلي أو حول حل مشكلة الشرق الأوسط سنطارد اليهود حتى نحرر فلسطين منهم كما حررنا طرابلس ونصلي في المسجد الأقصى بعون الله.
كلمات بسيطة، ولكنها قوية قوة المؤمن المجاهد الذي عرف حلاوة الإيمان وحلاوة الجهاد في سبيل الله فقرن القول بالفعل وهو ينشد إحدى الحسنيين «النصر أو الشهادة». ولم يكد الإسرائيليون يخرجون من صيدا حتى ارتفعت في سماء المدينة الإسلامية هتافات «الله أكبر»، هذا الهتاف الذي ما رفعه مسلم إلا انتصر، وما تخلى عنه مسلم إلا انهزم رفعه المسلمون الأوائل ففتحوا به الدنيا، ورفعه المسلمون الأواخر في بعض الأحيان فنصرهم الله رفعه الجندي المصري وهو يعبر خط بارليف فانتصر وحطم خط بارليف، رفعه أهل مدينة السويس فلم يتمكن اليهود من اقتحامها. رفعته النواة الأولى من الفدائيين الفلسطينيين فنصرهم الله، ارتفع هتاف «الله أكبر» في بيروت المحاصرة فلم يتمكن اليهود الغزاة من اقتحامها انطلقت به حناجر الفتيان الأشبال من حملة الآر بي جي فسدد الله ضرباتهم وأرهب بهم عدوهم رفعه المجاهدون الجزائريون فهزموا فرنسا وحرروا الجزائر.
ولكن أعداء الله يمكرون، يعلمون أن المجاهدين يزهدون في الدنيا ومتاعها فيتسللون لاستلاب النصر وتحويله إلى هزيمة، هكذا فعلوا في كثير من النماذج التي ذكرنا، اقتطفوا ثمار النصر وحولوه إلى وبال على المنتصرين شوهوا الأهداف السامية للجماهير المسلمة وساقوها إلى متاهات الضياع، أحدثوا الفتنة وأوقعوا الناس فيها جير السادات نصر رمضان الصالح الاعتراف بالكيان اليهودي في فلسطين متباكيًا على أرواح الشهداء حريصًا على دماء «أبنائه» الجنود فكانت اتفاقيات الذل في «كامب ديفيد» حيث وضع المسلمين طعمًا في فم الثنائي المتحالف ضد المسلمين «الصليبية واليهودية».
وحتى يتم قتل روح الجهاد لدى المسلمين كان لا بد للطرف الآخر الشيوعية العالمية صغار في المنطقة أن يتحركوا بثوب المساند لقضايا التحرر ضد الصهيونية والإمبريالية فوضعوا صور لينين على المساجد في عمان ثم انطلقت صواريخهم إلى البداوي ونهر البارد لتحرر اللاجئين الفلسطينيين من أنفسهم!!
واليوم تزحف «الشرعية» إلى صيدا بعد أن جلا اليهود عنها ولا تزحف إلى أوكار «الكتائب» التي أنت باليهود إلى صيدا، ويزحف الذين حرروا «البداوي ونهر البارد» إلى مخيمي «عين الحلوة والمية مية» ليحرروهم من أنفسهم!!
ويتحرك «الكبار» في واشنطن وموسكو ليجتمعوا في فيينا ويبحثوا مشكلة «الشرق الأوسط» سرًّا، وتنتهي الاجتماعات دون بيان مشترك، وتتسرب الأخبار من هنا وهناك بأن الولايات المتحدة طلبت من الاتحاد السوفييتي إن أراد المشاركة في مباحثات السلام في الشرق الأوسط أن يعيد علاقاته التي انقطعت مع «إسرائيل» وأن يفتح الباب لليهود السوفييت للهجرة إلى «إسرائيل».
ويزور "البابا" يوحنا بولس الثاني «إسرائيل» ويجتمع مع شمعون بيريز ويتداولان في وضع مدينة القدس التي يصر العرب على وجوب عودتها إلى «الحظيرة» العربية في أي تسوية سلمية قادمة، ويصر اليهود على اعتبارها «عاصمة أبدية لإسرائيل» بينما يرى «البابا» ترتيب وضع دولي لها، ويقول بيريز بهذا الصدد: «أن إسرائيل لن تساوم على القدس، وأضاف: أن البابا أبدى اهتمامًا كبيرًا بالسلام في الشرق الأوسط ورفاهية إسرائيل وقال: إن مشكلة القدس قد بحثت، ولكن كان من الواضح في الاجتماع أن الجانب الديني في المشكلة يجب أن ينظر إليه بمعزل عن جانبها السياسي كما يجب أن تكفل الحرية الدينية للجميع. وقال: لقد قلت لقداسة البابا من وجهة النظر السياسية فإن القدس تظل عاصمة إسرائيل الموحدة».
هكذا يهتم الشرق والغرب بقضية الشرق الأوسط ومحورها القضية الفلسطينية، الأمريكان يريدون إذلال العرب عن طريق هذه القضية وكتم أنفاسهم وسلب خيراتهم، والروس يريدون أن ينازعوا الأمريكان نفوذهم في المنطقة -ولكل أتباعه- وأما «البابا» فهو يرى في القدس مدينة مسيحية -أقام فيها الكتائبيون مكتبًا- سلبها المسلمون منهم ثم سلبها اليهود، وهو في حرصه على «الفلسطينيين» أكد على حقهم في «الوطن» ولم يوضح ماهية هذا الوطن ولا أين يكون هذا الوطن، ولكن حين يتحدث عن «رفاهية إسرائيل» يصبح المعنى واضحًا وأن أخفاه «البابا».
ولم تعد أوروبا معنية بمجاملة العرب ما دام ذلك يغضب الولايات المتحدة وبالتالي «إسرائیل» وحتى إيطاليا التي قيل إنها اندفعت في الآونة الأخيرة بالنيابة عن أوروبا لتأييد المؤتمر الدولي تراجعت على لسان كراكسي رئيس وزرائها الذي نسب إليه بيريز بعد اجتماعه به إنه «يعارض عقد مؤتمر سلام دولي حول الشرق الأوسط»، وقال بيريز «إن كراكسي أكد لي بأن إسرائيل تستطيع الاعتماد على تعاون إيطاليا فيما يتعلق بالمساعي السلمية».
إن كافة التحركات الدولية والعربية الرسمية لم تستطع أن تقنع اليهود بالانسحاب من شبر واحد من أرض لبنان فكيف يمكن أن تقنعها بالانسحاب من أرض فلسطين دون أن يكون وراء هذا الانسحاب كارثة سياسية أخطر من كارثة «كامب ديفيد»؟
الشيء الوحيد الذي يزعج اليهود الآن ومن ساندهم، ومن خطط معهم لتدمير هذه الأمة وإذلالها وتمزيقها هو المقاومة المسلحة، الجهاد.
إن المجاهدين في جنوب لبنان هم وحدهم الذين أجبروا اليهود على إعادة النظر في كل مخططات الاستيطان في لبنان، وفي إلحاق لبنان بالكيان اليهودي، وأن عملاء العدو اليهودي في الجنوب اللبناني فروا من طرابلس قبل أن يفر اليهود منها، ولقد تم تنظيف صيدا من كل العملاء، ويواجه العملاء في بقية المناطق المحتلة مصيرًا أسود في الشهور القادمة، ولقد قلنا قبل ذلك إن هذه الفئة الضالة التي ظهرت في ظل الاحتلال الإسرائيلي وتحت حمايته أصبحت وظيفتها الآن حماية الاحتلال وحماية انسحابه، ولقد عاد الكثيرون منهم فتابوا والبعض الآخر أخذته العزة بالإثم ووجد نفسه متورطًا لا يستطيع العودة ومصيره جهنم وبئس المصير.
إن محاولات احتواء المقاومة في جنوب لبنان وتدجينها وإفسادها وتشويه أهدافها السامية، وقصر مهمتها على إجلاء اليهود من لبنان دون مطاردته في فلسطين المحتلة، إن هذه المحاولات جارية على قدم وساق، وإن ما يدور خلف الكواليس يتناول هذا الأمر في الدرجة الأولى وسيرافق ذلك غطاء إعلامي تشويهي معد المثل هذه المناسبات.
وسيحاول أعداء الإسلام استفزاز المجاهدين ليظهروا في العلن دفاعًا عن مكتسباتهم وبالتالي يسهل حصارهم وضربهم، وستعقد الصفقات ليكون رأس المقاومة هو الثمن الباهظ التكاليف مرورًا إلى مزيد من الاستسلام باسم التحرر والوحدة الوطنية وسيادة الشرعية ومعاداة الرجعية والطائفية وما إلى ذلك من الشعارات.
فليحذر المجاهدون في جنوب لبنان والمسلم كيسُّ فَطِن وإلى الأمام، إلى فلسطين بعد لبنان ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55)