; في الساحة المصرية: حزب العمل المصري يتبنى النهج الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان في الساحة المصرية: حزب العمل المصري يتبنى النهج الإسلامي

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1989

مشاهدات 54

نشر في العدد 910

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 28-مارس-1989

وقف المهندس إبراهيم شكري أمام المؤتمر العام الخامس لحزب العمل الاشتراكي وأعلن: إنني أقف بكل قوتي مع التوجه الإسلامي لحزب العمل، ولا أوافق على الاتجاهات العلمانية التي تريد أن تبعد الإسلام عن حياة المجتمع، وما كنت أرضى طوال عمري أن أتشرف برئاسة الحزب على مثل هذا الموقف، ولو أحسست أن أغلبية الحزب لا تساندني في هذا الموقف، فإن ردي لن يكون بتغيير إيماني واعتقادي، بل سأقوم وسأخلي مكان لمن يكون معبرًا عن إرادة الحزب، إنني لا أقف على الحياد بين الانتماء الإسلامي وبين الدنيوية أو العلمانية، وإذا كان المؤتمر الحالي خطوة كبيرة نحو تأكيد مفاهيمنا الإسلامية، وتحديد ما تعنيه منها في شئون السياسة والاقتصاد، فإن القيمة الأكبر لهذا المؤتمر ستتجلى إن شاء الله في انتخاب قيادة قوية مناضلة متجانسة، لا يطعن أفرادها بعضهم بعضًا، أرجو من الله أن يوفقكم في اختيار العناصر التي ترونها تحقق الهدف، حتى نكون قادرين على اجتذاب الجماهير حولنا.

لم ينقطع التصفيق المتواصل من أعضاء المؤتمر العام الخامس للحزب طوال حديث المهندس إبراهيم شكري زعيم المعارضة ورئيس الحزب، وهو يعبر عما يجيش في صدورهم، ويعتمل في نفوسهم، من تأكيد وترسيخ الهوية الإسلامية للحزب، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن نتائج انتخابات اللجنة التنفيذية «30 عضوًا» قد عبرت بصورة واضحة وقوية عن ذلك التوجه نحو السلام ففازت القائمة الإسلامية بكامل أعضائها، وحصلت على أعلى الأصوات، ولولا تنازل العضو رقم 30 عن مقعده مختارًا لعضو آخر من الناصريين هو الأستاذ الصحفي حامد زيدان لما نجح أي من التيارات الأخرى في الفوز بعضوية اللجنة التنفيذية لحزب العمل!

كان هذا الحدث التاريخي هو انعقاد المؤتمر العام للحزب تحت شعار «إصلاح شامل من منظور إسلامي» وهو بذلك واحد من أهم وأخطر المؤتمرات السياسية الحزبية التي عقدت طوال السنوات الأخيرة، بل إن صحيفة الحزب نفسها «الشعب» وصفته بإنه أخطر مؤتمر سياسي منذ «37 عامًا» أي منذ انقلاب يوليو 1952.. فقد سقط فريق العلمانيين سقوطًا فاضحًا، بل إن نائب رئيس الحزب السابق قد فشل في الفوز بعضوية اللجنة التنفيذية التي يختار من بين أعضائها نائب الرئيس والأمين العام وأمانات اللجان، وفي الوقت نفسه نجح فريق الإسلاميين بالرغم من أن بعضهم ليس له تاريخ سياسي بارز أو عمل حزبي معروف.

  • مرحلة جديدة.. نحو الإسلام

ولا شك أن حزب العمل قد بدأ مرحلة جديدة من تاريخه، بالتبني الواضح للخط الإسلامي الأصيل، والرفض الواضح والقوي أيضًا للخط العلماني والدنيوي، ووصفت صحيفة «الشعب» لسان حال الحزب هذه المرحلة الجديدة بأنها شهادة ميلاد جديدة في تاريخ نضال الحزب، صاغتها جماهير الحزب من مختلف المحافظات، باعتبارها طليعة قيادية لقاعدة شعبية صلبة مؤمنة بدور الحزب الوطني والقومي على الساحة المصرية والعربية والإسلامية، وهي مرحلة حسمت فيها جماهير الحزب الهوية الفكرية والنضالية لمستقبل الحزب، وأعطت للجميع درسًا في الديمقراطية والانضباط الحزبي.

لقد استطاع المهندس إبراهيم شكري ومعه الدكتور محمد حلمي مراد الأمين العام والأستاذ عادل حسين رئيس تحرير جريدة «الشعب» والأستاذ مجدي أحمد حسين الأمين المساعد وأمين الشباب وغيرهم، أن يثبتوا ويدعموا الهوية الإسلامية داخل الحزب وداخل قواعده، باعتبار الخط الأصيل للحزب منذ نشأته، وإن كان هناك انحراف عن هذا الخط في السابق، فالوضع الطبيعي هو تصحيح المسار وإعادة الهوية الحقيقية، فكانت شعارات المؤتمر: إصلاح شامل من منظور إسلامي- الإسلام هو الحل- الحل الإسلامي يقضي على البطالة والغلاء ومشاكل الإسكان- الحل الإسلامي يرفض الفروض وتوجيهات الدول الأجنبية- الإسلام عقيدتنا.. لا شيوعية ولا رأسمالية- نحو إصلاح إسلامي شامل من أجل تدعيم التحالف الإسلامي.

  • أسباب التحول:

ولكن كيف حدث هذا التحول؟ وهل هناك صلة بين انتخابات 1987 والتحول الحادث الآن في الحزب؟ يقول المهندس إبراهيم شكري: نعم.. لقد كان لانتخابات إبريل 1987 آثارها التي كان من المحتم أن تظهر في المؤتمر الخامس للحزب.. كان هناك تياران يتفاعلان داخل الحزب.. الأول يرى ضرورة التمسك بالشكل الظاهري لبرنامجنا، والذي اضطررنا إليه عند تأسيس الحزب للتغلب على قانون الأحزاب، والتيار الثاني يرى أن الدين عبادات ومعاملات وأنه هو الوحيد القادر على تأسيس مجتمعنا، وكان هذا التيار الأخير هو التيار الأصيل داخل الحزب منذ عام 1933؛ حيث كانت كتابات أحمد حسين «مؤسس حزب مصر الفتاة» سواء في بداية حياته أو في نهايتها، تؤسس لهذا الاتجاه وتؤكده.. ففهمنا لدور مصر الإسلامي ومكانتها، واضح وضوح الشمس.. وقد وضح هذا تمامًا في برنامجنا، عندما أعلنا أن غايتنا هي أن تصبح مصر والسودان دولة كبرى تتزعم العروبة والإسلام، وهذه الحلقات الواضحة في تطورنا الفكري، هي التي تقود اليوم إلى التغيير.

إن الأمر لا يحتاج إلى مزيد من إيضاح حول الدور الذي لعبه التحالف الإسلامي الذي تم مع انتخابات إبريل 1987 بين حزب العمل وبين الإخوان المسلمين وحزب الأحرار، هذا التحالف الذي كان وراء التصاق أعضاء حزب العمل وقياداته بالخط الإسلامي الواعي وتأثرهم به واقتناعهم بمبادئه ومعايشتهم له رغم قصر المدة، ولعل هذه إحدى الإيجابيات الهامة التي كانت وراء قرار الإخوان بخوض الانتخابات والنزول إلى ساحة العمل السياسي على قوائم حزب العمل، وإن كانت هذه الإيجابية لم تظهر في وقت الانتخابات، إلا أنها تمثلت الآن في هذا التوجه الإسلامي الذي سيطر على قواعد حزب العمل وقياداته في هذه المرحلة التاريخية الهامة.

  • «آية الله» شكري!

وكانت التساؤلات التي ظهرت في أعقاب إعلان نتائج اللجنة التنفيذية تتحدث عن تحول حزب العمل إلى الخط الإخواني وعن إبراهيم شكري الذي أصبح «آية الله شكري» وعن خروج الحزب عن الخط الاشتراكي، وساهمت أجهزة الأمن في دفع عدد من الفاشلين في الانتخابات إلى إثارة القلاقل والزوابع والاستيلاء على مقر الحزب بحدائق القبة، والحديث عنهم في الصحف الحكومية والمجلات اليسارية، وقد رد الدكتور محمد حلمي مراد الأمين العام للحزب على الادعاء بأن حزب العمل أصبح حزبًا للإخوان المسلمين بقوله:

إنه يسعد حزب العمل، كما أعتقد أنه يسعد الإخوان المسلمين أيضًا، أن يتلاقوا تمامًا في وجهات نظرهم من أجل خير الإسلام والوطن الإسلامي ويتم الاندماج بينهم، ولكن إذا كان هناك نقاط كثيرة للاتفاق والتلاقي برزت في برنامج التحالف الانتخابي المتخذ أساسًا للعمل البرلماني، فإنه ما زالت هناك نقاط تحتاج إلى النقاش والتحاور.. ونتمنى أن يتسع هذا الفهم المشترك ليعم كافة الجماعات والفرق الإسلامية، بل كل التيارات السياسية والوطنية في البلاد.

ويقول الأستاذ عادل حسين رئيس تحرير صحيفة «الشعب» حول نفس الموضوع: الإخوان المسلمون هيئة دولية متعددة النشاط، ولها تاريخها العريق المعروف، وأساليبها في العمل، ولها تنظيمها المستقل داخل مصر وخارجها، بقيادة المرشد العام والمجاهد الإسلامي الكبير الأستاذ محمد حامد أبو النصر، وهذا الحديث عن تنظيم الإخوان معروف تمامًا لدى كل الجهات المعنية.. وحزب العمل شيء مختلف، نحن هيئة مستقلة في كيانها التنظيمي، نشأنا وفق قانون الأحزاب ووفق قواعده؛ لجاننا في المراكز والأحياء والمحافظات مستقلة، واللجنة التنفيذية والمنتخبة في المؤتمر الأخير تتألف كلها من أعضاء أصلاء في حزب العمل يمثلون فكره الإسلامي وأساليبه في العمل السياسي.. ولا يوجد في اللجنة التنفيذية عضو واحد يمثل «الإخوان المسلمين».

إن العلاقة بين حزب العمل وبين الإخوان هي علاقة ائتلاف أو جبهة أو تحالف بين تنظيمين لهما نقاط اتفاق، ولهما نقاط أخرى يختلفون عليها.. إنه لا يوجد بيننا وبين الإخوان خلاف أيديولوجي باعتبار أن كلًّا منا يدين بالإسلام، ويعتبر أحكامه مرجعًا أعلى عند الاجتهاد والحكم؛ ولكن هذا الاتفاق حول الأصول والمبادئ الكلية لا يعني تطابقًا في الفروع وفي البرامج السياسية وأساليب العمل.

  • الاستعداد للتحديات:

لقد أحدثت النتائج الأخيرة للمؤتمر العام الخامس لحزب العمل دويًّا في ساحة العمل السياسي والحزبي، ولكن الحزب نجح في النهاية في تأكيد الهوية الإسلامية والخط الإسلامي، ويبقى أمران:

الأول: أن يسعى القائمون على أمر الحزب في دعم هذا التوجه على كل المستويات، وتعميق هذا الفهم من خلال السلوك والفكر، استعدادًا لمرحلة قادمة تحتاج إلى جهد ضخم وصمود وصبر وحسن استيعاب.

الثاني: أن يدرك قادة الحزب أن الطريق شاق وأن التحديات قد كثرت، وأن الموقف الحكومي والحزبي منهم، لم يعد كما كان سابقًا، وعليهم أن يستعدوا لتلك المرحلة، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).

الرابط المختصر :