العنوان في السياسة الشرعية.. شرعية السلطة السياسية متى تتحقق؟ (الحلقة ٥١)
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الأربعاء 04-مايو-1983
مشاهدات 81
نشر في العدد 620
نشر في الصفحة 23
الأربعاء 04-مايو-1983
كي
تكون السلطة السياسية التي تحكم الجماعة المسلمة شرعية لها حق الطاعة على الأفراد،
ينبغي أن يتوافر لها أمران:
1-
إقامتها الشريعة الله.
2-
رضا عموم المسلمين عنها.
الأمر
الأول: يقتضي من السلطة السياسية تنفيذ أحكام الشريعة وإعطاءها
صفة الإلزام.. فالدولة في الإسلام هي في الأساس وسيلة وأداة لتنفيذ أحكام الشريعة في
حياة الجماعة التي تدخل في نطاق سيادة الدولة، والتشريع الإسلامي يشتمل على كثير من
الأحكام التي تمس حياة عموم الناس بشكل مباشر كأحكام الأسرة، وما يدور في مدارها من
زواج وطلاق ونفقات وحقوق ومواريث.. كذلك يشتمل التشريع الإسلامي على كثير من الأحكام
المتعلقة بالمعاملات بين الناس مثل التجارة والبيوع وسائر المعاملات المالية.. كذلك
كافة العبادات المالية والبدنية مثل: الزكاة والصيام وغيرها..
كل
هذه الأحكام لابُدَّ أن تتحول إلى حركة اجتماعية يتحرك ضمنها المجتمع المسلم ووفق إطاراتها
الشرعية، والسلطة السياسية الإسلامية هي المكلفة بإقامة كل هذه الأحكام وتنفيذها وحراسة
هذه الحركة الاجتماعية الشرعية وتنميتها، وإذا كانت حكومات اليوم في عالمنا المعاصر
هذا تسهر على تنفيذ وحماية قوانينها الوضعية، فإن حكومة الإسلام تتحمل مهمة السهر على
تنفيذ وحماية الأحكام الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وتفقد السلطة
السياسية شرعيتها إذا زاغت عن هذا الطريق، وبالتالي لا تكون طاعتها واجبة على المسلمين
في حال انحرافها عن تنفيذ الأحكام الشرعية، بل إن الإمام ابن تيمية يوجب جهاد وقتال
من يفعل ذلك، إذ يقول رحمه الله: «وأيما طائفة ممتنعة انتسبت إلى الإسلام وامتنعت عن
بعض شرائعه الظاهرة المتواترة، فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله
الله».
الأمر
الثاني: الذي ينبغي أن يتوافر للسلطة السياسية رضا عموم المسلمين
عنها، وهذه قضية جديرة بالتأكيد، فالقيادة السياسية في الإسلام تستمد شرعيتها من بيعة
الناس لها وهي بيعة صريحة وواضحة لا إكراه فيها ولا إجبار، والقائد السياسي في الإسلام
هو واحد من الناس وليس مكانه فوق الناس، والحرام حرام عليه وعلى الناس، والحلال حلال
له وللناس.. حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (الكهف:١١٠)، وأبوبكر
يقول: «قد وليت عليكم ولست بخيركم»، كما أن عمر يقول لأبي موسى الأشعري: «إنما أنت
واحد من الناس غير أنك أثقلهم حملًا». والرضا العام من جمهور المسلمين إزاء القيادة
السياسية التي تقودهم أصل مهم من أصول السياسة الإسلامية، وما أحكام الشورى والبيعة
إلا سبل لتحقيق ذلك، والرضا أساس كبير من أسس التعامل السياسي والتجاري والعبادي في
مجتمع الإسلام ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ
تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ (النساء:۲۹).
حتى
إمامة الصلاة لا تصح إن كرهها المأمومون: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوقهم
شبرًا.. منهم.. من أمَّ الناس وهم له كارهون»[1].
هذا
ولقد حرص المصطفى صلى الله عليه وسلم على الرضى قبل أن يلي أمور الدولة في المدينة،
فكانت بيعة العقبة الأولى ثم الثانية، ثم إن المصطفى صلى الله عليه وسلم انتقل إلى
الرفيق الأعلى تاركًا أمر القيادة واختيارها عن رضا للمسلمين، ولو نص الرسول صلى
الله عليه وسلم على أحد لما كان خلاف يوم السقيفة شغلهم عن دفن النبي صلى الله
عليه وسلم، وهاهو عمر يقول: «من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة
له، ولا الذي تابعه، تغرَّة أن يقتلا» (رواه البخاري).
وأشار
إليه ابن تيمية في منهاج السنة، والقيادة السياسية «الإمامة العامة» عند الفقهاء «عقد»
بين طرفين -أي الإمام والأمة- وأساس العقود في الإسلام -بل في كل القوانين والشرائع-
الرضا.
- هكذا إذن يتبين لنا أن شرعية
السلطة السياسية في الإسلام لا تتحقق إلا إذا توافر لها أمران، أولهما إقامة شريعة
الله، وثانيهما رضا عموم المسلمين عنها. والله أعلم.
[1] نص الحديث: « ثلاثةٌ لا تُرفعُ صلاتُهم فوق رؤوسِهم شبرًا رجلٌ أمَّ قومًا وهم له كارهون وامرأةٌ باتت وزوجُها عليها ساخطٌ وأخوانِ مُتصارِمان» (أخرجه ابن ماجه).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل