; في السياسة الشرعية (الحلقة ٤٠)- شيوع الاستغلال الاقتصادي في العالم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية (الحلقة ٤٠)- شيوع الاستغلال الاقتصادي في العالم الإسلامي

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1983

مشاهدات 68

نشر في العدد 605

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 25-يناير-1983

من أخطر الآفات الاجتماعية التي تتعرض لها الأمم آفة سوء توزيع الثروة. فإذا استعرضنا واقع العالم الإسلامي اليوم لوجدنا أن هذه الآفة أخذت تنهش في المجتمعات الإسلامية نهشًا، وأفرزت بدورها قائمة من الانهيارات البنيانية وبالأخص: الطغيان السياسي والتحلل الاجتماعي. فثمة ترابط وثيق بين أضلاع هذا المثلث الخطير، ولا يمكن للمسلمين أن يقضوا على واحد من هذه الأضلاع دون المباشرة في القضاء تمامًا على الضلعين الباقيين. ويتبدى سوء توزيع الثروة في العالم الإسلامي اليوم من خلال استئثار طبقة رقيقة من المجتمعات الإسلامية بالثروة، وكافة ما تعنيه على الصعيد الاجتماعي والسياسي، بينما تئن جماهير وسواد الإسلام من الجوع والمرض والجهل والتخلف المهاري والعلمي والمعيشي. هذا الواقع الذي تعيشه جماهير الإسلام لم ينشأ من عدم بل تكون على مهل وبغفلة من هذه الأمة. 

ولسنا هنا في صدد التشخيص الموسوعي لهذه القضية: «سوء توزيع الثروة في العالم الإسلامي»، حيث إن ذلك يتطلب بحوثًا مفصلة، غير أننا نستطيع أن نقرر هنا أن من ضمن العوامل التي أدت لهذا الانهيار البنياني في الأمة الإسلامية شيوع الاستغلال الاقتصادي فيها؛ فعلى طول وعرض العالم الإسلامي هناك طبقة من أبناء جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا ويدينون بديننا ويعيشون بيننا، هذه الطبقة تحالفت مع المؤسسات التجارية والاقتصادية الغربية العملاقة لنهب ثروات العالم الإسلامي.. نفط.. أخشاب.. مطاط.. مياه.. سواحل.. حدید.. نحاس.. أسماك.. جلود.. مواشي.. زروع وثمار، وتصنيعها في بلاد الغرب وإعادة تصديرها لنا بالأسعار التي يحددونها وتناسبهم. هذه العملية الاستغلالية الكبيرة التي يمارسها الغرب بالتحالف مع طبقة معينة ومعروفة من أبناء المسلمين- وهي طبقة تحقق هوامش من الأرباح خلال ذلك وعلى حساب أمة الاسلام- أقول هذه العملية الاستغلالية الكبيرة ما موقف الإسلام منها؟ وكيف يجب أن يكون موقف المسلمين منها؟ 

موقف الإسلام من الاستغلال الاقتصادي هو بلا شك موقف الرفض التام؛ لأن الإسلام يقرر أن للمال وظيفة اجتماعية عمرانية ينبغي أن تؤدي إلى المصلحة الجماعية للمسلمين. ومن هنا ولأجل هذا حرم الربا وحجر على السفيه ومنع الإضرار بكل ضروبه وأشكاله، حتى لو كان هذا الإضرار يحقق مصلحة لبعض المسلمين. أما الاستغلال الاقتصادي الذي يمارسه الغرب في العالم الإسلامي من نهب للثروات وتصنيعها، وإعادة تصديرها لنا على أنها بضاعة غربية يبيعها لنا بالأسعار التي يحددها، فإن هذا الضرب من الاستغلال والسماح به وتغاضي المسلمين عنه ليس فقط أمرًا يؤدي إلى الإضرار بمصالح المسلمين وهو أمر محرم، بل إنه أخطر من ذلك لأنه يرفع علامات الاستفهام حول مسألة الولاية، وهي مسألة حسمها القرآن الكريم وسنة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. وهذا التحالف والتناصر الحاصل بين تلك الطبقة من أبناء جلدتنا والغرب الصليبي الحاقد أمر تحرمه الشريعة الإسلامية، وسبق أن تداولت حوله الجماعة الإسلامية الأولى. فالقضية مبدئية من ناحية ووظيفية من ناحية أخرى.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (المائدة: ٥١) 

والولاية هنا تعني التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم. ولقد نزلت الآية لحسم قضية كانت ساخنة في أوساط الجماعة الإسلامية. فقد كان البعض من الجماعة الإسلامية بحكم ما كان واقعًا من تشابك المصالح والأواصر مع اليهود والنصارى يواصل صلات التحالف والتناصر معهم، حتى نزلت الآية لتأمر بإنهاء وقطع الصلة التي كانت قائمة لأنها كانت تؤدي إلى الإضرار بالجماعة الإسلامية. إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء واتخاذهم أولياء شيء آخر، وهو الحاصل اليوم بين طبقة من أبناء جلدتنا والغرب الصليبي الحاقد. وهذا هو الذي أدى وما زال يؤدي إلى أشكال كثيرة من التبعية السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، التي غرق فيها العالم الإسلامي وصار لقمة سائغة في فم الصليبية الحديثة المتمثلة بالغرب الحاقد. هذا التحالف والتناصر القائم بين الأطراف التي حددناها أعلاه هو الذي أفرز بدوره الاستغلال الاقتصادي، الذي تئن منه جماهير المسلمين، والذي ألقى بها في بحر من الجهل والمرض والجوع. وإن بعض صوره هذه المليارات من أموال المسلمين والمودعة في مصارف الغرب و«المستثمرة»! في مؤسساته الاستراتيجية، ومنها هيئات لتطوير الأسلحة العسكرية الغربية، ومصارف لا تتردد في منح القروض لإسرائيل. فأين علماء الإسلام من هذه القضية؟

الرابط المختصر :