; في السياسة الشرعية – الحلقة 26 | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية – الحلقة 26

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1982

مشاهدات 64

نشر في العدد 567

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 20-أبريل-1982

النضال السياسي ظاهرة لازمت تاريخ الرسل والدعوة إلى الله

في صحيح البخاري -كتاب بدء الوحي- وفي قصة ورقة بن نوفل رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وأوذي».

هذه كلمة تفتح مغاليق كثيرة وتفسر موقف: الملأ، وأولو الطول، وأولي النعمة، والمترفين -أي الطبقة السلطوية في كل عصر- من دين الله وشريعته، فالأذى الذي يلقاه الدعاة إلى الله ومن هذه الطبقة بالذات في كل مكان وزمان والنضالات التي خاضها رسل الله ودعاته ضد هذه الطبقة المستكبرة التي تمثلت بأبي جهل وأبي لهب ورأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول وغيرهم وغيرهم في تاريخ الإسلام وقبلهم في تاريخ الرسالات الأخرى، نقول بأن هذا الأذى هو جزء لا يتجزأ من مهمة الدعوة والدعاة أي مهمة التصدي لهذه الطبقة التي لا يقوم وجودها إلا على الظلم والاستغلال والاستعباد للناس، عموم الناس، فالعداء لدين الله مغروس في كينونة هذه الطبقة من الناس لأن دين الله يدعو للقسط بين الناس ووجودها لا يقوم إلا على أساس التمايز بينهم، ولأن دين الله ينظر للمال على أنه ذو وظيفة اجتماعية، بينما تنظر هي للمال على أنه قيمة في ذاته لذلك تحرص على خزنه واحتكاره وتحارب كل محاولة تشريعية لتفتيته اجتماعيًا عبر الزكوات والصدقات والقرض الحسن، ولأن دين الله لا يؤله إلا الواحد الأحد وأما هذه الطبقة ممثلة بفرعون وجنوده فتقول: لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين، فالقمع والإرهاب والسجون والمعتقلات لا تغيب في أي مرحلة من مراحل التاريخ عن ذهنية هذه الطبقة، لماذا؟ لأنها طبقة ضعيفة في تماسكها النفسي الداخلي لذلك فهي دائمة المعاناة من المشكلة الأمنية ودائمة الخوف من الناس على عكس المؤمنين الذين -برغم كل الأذى الذي يتعرضون له- يصفهم الله بـ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ (الأنعام: 82) لقد كانت الغزوات الإسلامية صورة من صور الجهاد والنضال العسكري والسياسي للتخلص من عجرفة أولو الطول ومن سيطرتهم على مقاليد المجتمع المكي والمدني، وحتى في لحظات الموت لا تتخلى هذه الطبقة عن عجرفتها التاريخية، فحين لقي أبو جهل مصرعه في غزوة بدر لم يأسف على مقتله بقدر ما أسف على انتهاء حياته بيد المسلم الأكار «الفلاح» إذ يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: «فلو غير أكار قتلني» أراد به احتقاره وانتقاصه أي: كيف مثله الأكار يقتل مثله أبو جهل؟ (انظر: صحيح البخاري، جـ5، ص486، كذلك انظر ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، جـ1، ص7) كذلك قال أبو جهل عندما ارتقى ابن مسعود -الصحابي الجليل- عنقه: «لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رويعي الغنم» (انظر ابن هشام، ج5، ص277) وهو قول يعكس احتقار أبي جهل -وهو من أولي الطول، والملأ، والنعمة وفئة الحكم والسيطرة- لرعاة الغنم، أولم يعلم أبو جهل لعنه الله ولعن أحفاده بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرعى غنم أهل مكة مقابل بضع قراريط (انظر ابن حجر، فتح الباري، ج4، ص349).

الملأ، أولو الطول، أولي النعمة، المترفون أي هذه الشريحة الاجتماعية المحددة من الناس والتي تكررت عبر التاريخ البشري ستظل على موقفها من دين الله ودعاته لأن ذلك من طبيعتها ومن طبيعة الأشياء، ونضال الدعوة ضدهم تكرر عبر التاريخ البشري واتخذ أشكالًا متعددة وهذا أيضًا موقف ثابت لأنه من طبيعة دعوة الله أن تقارع الظلمة في كل عصر ومكان، ومن يراجع قصص الرسل في القرآن ويتابع إلى النهاية يجد أن مصير هذه الطبقة من المستكبرين على دين الله دائمًا إلى زوال وهلاك:

□ ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (هود: 37).

□ ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ (المؤمنون: 48).

□ ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (القمر: 45).

□ ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 165).

صدق الله العظيم

الرابط المختصر :