العنوان في العصر الحديث نساء مجاهدات- فاطمة البنا: وحشة الغربة والفراق
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2007
مشاهدات 65
نشر في العدد 1777
نشر في الصفحة 50
السبت 17-نوفمبر-2007
(*) داعية إسلامية - مصر
تسابق الإخوان لخطبتها واختار شقيقها الشيخ حسن البنا عبد الحكيم عابدين ليكون زوجًا لها رغم فقره الواضح نظرا لمواهبه المتعددة وجهاده في الدعوة.
تحملت ابتلاءات عديدة.. فقد أسقطوا الجنسية عن زوجها ومنعوها من الالتحاق به فواجهت المصاعب بثبات.
رزقها الله بالذرية الصالحة وقامت بتربيتهم تربية إسلامية طيبة وبثت فيهم الحنان الذي افتقدوه لانشغال والدهم بالدعوة.
حاولت منع شقيقها حسن من الخروج يوم اغتياله لشعورها بان ضررًا سيصيبه.. لكنه قال لها: لو أن روحي في صندوق بداخل صندوق بداخل صندوق بداخل البحر وأراد ربك أن يحدث لي شيء لتحقق.
البيت هو المصنع الوحيد الذي يخرج الرجال، وعلى مقدار ما في هذا المصنع من استعداد تتوقف عظمة النتاج وأثره في حياة المجتمعات، والأم المسلمة قادرة على أن تجعل البيت حصنا من حصون الوطنية، وقلعة من قلاع الكفاح فهي تؤمن بالعاطفة فيصل إيمانها إلى العمق من قلبها الكريم، والأم المؤمنة بحق وطنها الخبيرة بأهداف دينها. العارفة لرسالتها في الحياة قديرة على أن ترضع ابناءها حب الدين والوطن وكراهية المعتدين.
فاطمة البنا نموذج لهذا البيت حيث نشأت في بيت أخرج رجالا عظاما، وعاشت في بيت حقي بمعنى الرجولة الحقة.
فاطمة هي الابنة الثالثة للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، وذلك نظرًا لعمله في إصلاح الساعات، وكان الشيخ أحمد عالمًا بالسنة فقد رتب معظم أسانيد الأئمة الأربعة على أبواب الفقه، وله مؤلفات في السنة منها. بدائع المتن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن، كما شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل، وسمى الشرح بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، وقد كان الشيخ يعتبر نفسه من تلامذة الإمام محمد عبده (۱).
كان الإمام الشهيد حسن البنا هو البكر، والذي ولد في ٢٥ شعبان ١٣٢٤هـ الموافق ١٩٠٦/١٠/١٤م، ثم عبد الرحمن وقد ولد في رمضان ١٣٢٦هـ الموافق ۱۹۰۸/۹/۲۸م، ثم فاطمة التي ولدت في صفر ١٣٢٩هـ الموافق ١٩١١/٢/٣م، ثم ولد بعدها أخوها محمد في ٢ من ربيع الأول ١٣٣١هـ الموافق ١٩١٣/٢/١م (توفي عام ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م)، ثم ولد أخوها عبد الباسط (وكان ضابطًا ) في ١٦ من شوال ١٣٢٤هـ الموافق ١٩١٥/٨/١٦م. ثم زينب التي ولدت في ١٤ من ربيع الثاني ۱۳۳۷ هـ الموافق ١٩١٩/١/١٦م. (غير أنها توفيت في العام نفسه)، وفي 5 من ربيع الثاني ١٣٣٩ هـ الموافق ١٩٣٠/١٢/١٥م ولد أخوها أحمد جمال الدين، ثم ولدت اختها فوزية في ٢٢ من رجب ١٣٤١هـ الموافق ٣/١٠/ ١٩٢٣م (تزوجت الأستاذ عبد الكريم منصور الذي كان مع الإمام البنا في السيارة وقت اغتياله عام ١٩٤٩م).
نشأتها: ولدت في المحمودية بالبحيرة وتربت فيها، وقد حرص والدها على تعليمها القرآن والقراءة والكتابة فأجادتها، غير أنها لم تلتحق بمراحل التعليم بسبب ضيق اليد الذي كانت تعانيه الأسرة، يقول الأستاذ البنا في أحد خطاباته لأبيه: «وأما جمال فهو مسرور كل السرور، وقد أدخلته مدرسة أولية فهو يتعلم بها، ويحبه أساتذتها ويكرمونه جدًا. وأما فاطمة فأنا أوصيها كلما سنحت الفرصة الوصايا التهذيبية، وسأشرع معها في القراءة والكتابة بحول الله وقوته. وعبد الباسط كذلك أهتم بتهذيبه جدًا. وبالجملة فأمل -بعون الله- أن أوفق إلى إرشادهم خير الإرشاد إلى ما ينفعهم في المعاش والعبادة، ولهم درسان في الأسبوع بعد العشاء يحفظون فيهما الحديث» (۲).
عاشت في المحمودية لمدة ستة عشر عامًا تعلمت فيها خبرات الحياة فقد حرصت والدتها على تعليمها كل ما يفيد الفتاة في حياتها، كما حرص والدها على تلقينها القرآن الكريم.
وفي ٢٢ من المحرم ١٣٤٣هـ الموافق ١٧ أغسطس ١٩٢٤م انتقلت مع أبيها وأسرتها إلى القاهرة للحياة فيها، وسكنوا في شارع ممتاز بالسيدة زينب، حيث تعرض أخوها البكر حسن إلى حادثة من قبل أحد زملائه حيث سكب على وجهه وهو نائم مادة صبغة بود لغيرته الشديدة منه بسبب تفوقه عليه، فأصرت الأم على الانتقال لتكون بجوار ابنها، أو ينقطع عن الدراسة في دار العلوم، فوافقها الأب وانتقل بأسرته للمعيشة في القاهرة خاصة بعد وفاة والده الشيخ أحمد عبد الرحمن البناء فانقطع آخر خيط له في البلد، حيث توفيا عام ١٩٣٤(٣).
لم تستقر الأسرة في مكان واحد: فقد تنقلت كثيرًا بين أحياء: السيدة زينب، والخليفة، والدرب الأحمر، والحلمية الجديدة، وكان المركز العام في معظم الأحيان يأخذ الدور الأول من المنزل حتى استقر في ميدان الحلمية الجديدة.
أسرة على طريق الدعوة
عاشت الأسرة المباركة في كنف أب عالم يحفظ كتاب الله وينافح عن سنة رسول الله ﷺ حتى إنه ألف «الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد» في ثلاثين جزءًا وغيره مما أورث أبناءه حب هذا الدين والعمل له فسارت الأسرة كلها في اتجاه الأب. والأخ الأكبر «حسن»، وحملوا معه جميعًا مشعل العمل لدين الله، وساروا في ركب جماعة الإخوان المسلمين، والتي أسسها الأخ الأكبر حسن ۱۹۲۸م، وكان لكل واحد منهم دوره في هذه الدعوة، ولمسة لا يجهلها أحد حتى الأخوات: فقد خدمن الدعوة بكل إخلاص، وكانت فاطمة إحدى دعائم أركان هذا البيت الذي أسس على التقوى.
زواج مبارك
كبرت فاطمة وتسابق الخطاب لينالوا هذه المصاهرة الكريمة؛ فأبوها هو الشيخ أحمد عبد الرحمن البناء وأخوها الإمام حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين تسابق عدد كبير من الإخوان الكرام والدين لهم فضل في الدعوة ليفوزوا بهذه الزوجة الكريمة، وكان من ضمن المتسابقين الأستاذ عبد الحكيم عابدين الذي ولد سنة ١٩١٤م في قرية «مطرطارس» مركز سنورس بمحافظة الفيوم، وكان من أوائل المنتظمين في صفوف الحركة الإسلامية، ومن أوائل شعرائها - تخرج في كلية الآداب جامعة فؤاد الأول «القاهرة حاليًا»، ثم عمل أمينًا لمكتبة الجامعة تولى منصب السكرتير العام للإخوان المسلمين حتى خرج من مصر للحج قبل حادث المنشية ١٩٥٤م، ولم يعد بعدها إلى مصر لأن الحكومة العسكرية قامت باعتقال جميع الإخوان المسلمين بمصر، وزجت بهم في السجون بعد حادث المنشية المفتعل، اختاره سماحة الحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين ليكون مستشارًا للهيئة العربية العليا في بيروت تحت رئاسة سماحته، كما اختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ليكون مستشارًا لها.
يقول الأستاذ محمود عبد الحليم: «وكان للأستاذ في ذلك الوقت ولد وبنتان، وكانوا صغارًا، وكان له شقيقتان فاتجهت انظار الإخوان المؤهلين للزواج في ذلك الوقت إلى شقيقته الكبرى، فتنافس الكثيرون في السعي للحظوة بهذا الشرف ودخل عابدين وهو أقل المتسابقين مالًا، وأدناهم مركزًا ومكانة في المجتمع، إلا أنه كان يمتلك من المواهب الكثير؛ حيث إنه كان من السابقين يحمل الدعوة في الجامعة وبعد تخرجه وهب وقته ونفسه لخدمة الدعوة وكانت مفاجأة أن اختار الأستاذ البنا عبد الحكيم زوجًا لشقيقته بعد استشارة والديه(4) .
ويذكر المستشار هشام عبد الحكيم عابدين أن والده أشار لهذا الزواج في مذكراته حيث قال: «أتذكر وأنا أمشي مع الإمام البنا على أقدامنا من دار الإخوان المسلمين بالعتبة الخضراء إلى بيته في شارع محمد علي كان يقول: لن تجد واحدة تصلح سكرتيرة أو لها من الثقافة ما يجعلها تصلح سكرتيرة لك كهذه».
ولقد حضر الإخوان المسلمون عقد الزواج، وكان الزفاف في الليلة نفسها. وأعطي إجازة إجبارية في هذه الليلة، وبعد أن قضى ليلته في إطعام الضيوف انصرف الناس، وخلا إلى زوجته، وقبل الفجر بساعة استيقظا وصليا وتهجدا، وبذلك أعطاها أول درس من سورة الأحزاب ابتداء من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (الأحزاب:28) إلى نهاية ما جاء في تأديب زوجات رسول الله ﷺ حين رغبن في الزينة وفي الحلي، وتأمرن عليه وكيف كان موقفه الصارم، مع أنه كان عطوفًا عليهن محبًا لهن.
وأراد عابدين أن يضع دستور حياته الزوجية في تلك الليلة، وما أن فرغا من ذلك حتى ذهبا إلى المركز العام حيث كان الإخوان الكتائبيون هناك يصلون الفجر، فذهب وأيقظهم وتناول الإفطار معهم وهم يشددون عليه اللوم «روح ارجع انت عريس.. استحي حس على دمك.. هي اللي في البيت ليس لها حقوق عليك (٥).
بارك الله لهما ورزقهما البنين والبنات، فقد رزقا بـ «إيمان» ثم «إلهام» ثم «هشام» الذي ولد في ١٩٤٩/١١/٧م، ثم «أميمة» ثم «محمد البراء» حيث ولد في ١٩٥٢/١/٧م.
وعاشت الأسرة وقد فتح الله عليها من فضله.
وقامت الأم بتربية أبنائها تربية إسلامية طيبة، وبثت فيهم الحنان الذي كانوا يفتقدونه لانشغال والدهم بالدعوة. حيث اعتبر الدعوة في المقام الأول والتي يجب أن يخدمها، وتفهمت الزوجة الطيبة طبيعة زوجها، حيث كان السكرتير العام لجماعة الإخوان المسلمين، وما تحمل هذه المسؤولية من أعباء جسام، معاونته على السير قدمًا في تحقيق الغاية التي كانت تنشدها الدعوة.
كان زوجها كأخيها الإمام البنا في كثرة انشغاله بالدعوة في بلاد الشام واليمن، حتى إنه تعرض عام ١٩٤٨م الحادثة في اليمن كادت تقضي عليه، ومع ذلك لم تجزع ولم تقنط بل كانت مثالًا للزوجة التي تضع الأمور في نصابها وتقدرها حق تقديرها.
في وجه المحن
الابتلاء سنة كونية من سنن الله حتى يمحص الله الخبيث من الطيب، وليبلو الناس أيهم أحسن عملًا، وفاطمة البنا من النساء اللاتي ابتلين مبكرًا، فقد اعتقل أخوها حسن بعد ثورة فلسطين الكبرى عام ١٩٣٦م بسبب كتاب: «النار والدمار» الذي طبعته جماعة الإخوان ووزعته، وأوضحت فيه الجرائم التي قام بها الإنجليز في حق الفلسطينيين.
وفي مايو ١٩٤١م أصدر وزير المعارف محمد حسين هيكل باشا قرارًا بنقل أخيها. الأستاذ البنا إلى فناء مما ترك في نفسها وحشة وغربة لتعلقها به، ولم يمض وقت حتى اعتقل أخوها وزوجها في أواخر عام ١٩٤١م، وظل زوجها شهورًا خلف القضبان. وكانا لا يزالان في بداية حياتهما الزوجية (٦).
وكما ذكرنا كان زوجها كثير المشاغل في عمله الدعوي، ومع ذلك كانت راضية صابرة لمعرفتها طبيعة الطريق الذي سار عليه قبل زوجها أبوها وإخوتها، لكنها استيقظت يومًا على قرار الرئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في 1948/12/8م بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أملاكها وأموالها واعتقال رجالها، فوقع هذا الخبر عليها كالصاعقة، لكنها أفاقت على الحقيقة، حيث اعتقل زوجها مع مئات من الإخوان المسلمين، وبطبيعتها كأنثى قلقت عليه، خاصة عندما تناقل الناس أخبار ما يحدث في المعتقل، حتى سمي عصر إبراهيم عبد الهادي عصر «العسكري الأسود» لشدة أنواع التعذيب التي كان يمارسها ضد الإخوان، لكن الفاجعة الكبرى كانت وقت أن علمت باغتيال أخيها الإمام حسن البنا وإصابة زوج شقيقتها فوزية الأستاذ عبد الكريم منصور في شارع الملكة نازلي أمام جمعية الشبان المسلمين يوم 9 فبراير ١٩٤٩م، وسارعت مع أبيها حيث يرقد أخوها في القصر العيني، وأخذت تجفف دمه المسكوب بمنديل معها حتى أخرجوها بالقوة من الغرفة.
ويذكر ابنها الأستاذ هشام أنه كان لديها شفافية عالية حيث كان يتحقق لها أي رؤيا تراها، فقبل اغتيال الإمام البنا رات أنه يقتال، وذهبت إليه وحدثته عما رات قربت على كتفيها وطمأنها متمثلًا بقول الشاعر:
أي يومي من الموت أفر *** يوم لم يقدر أو يوم قدر
لكنها يوم الحادث ذهبت إليه لتمنعه من الخروج لشعورها بأن ضرًا سيقع به فوجدته نائمًا فلم توقظه حتى تفوت عليه موعد جمعية الشبان، لكنه تنبه وقال لهم: لقد تأخرت عن موعدي، فحاولت منعه فقال لها: لو أن روحي في صندوق بداخل صندوق بداخل صندوق بداخل البحر، وربك أراد أن يحدث لي شيء لتحقق، ثم خرج فحدث له ما حدث (۷).
كانت تقطن مع زوجها في اليكنية التابعة للدرب الأحمر في بداية حياتها الزوجية، وكانت تتميز بالشجاعة والجرأة؛ عفي أحد الأيام جاء البوليس السياسي لتفتيش البيت وزوجها معتقل، ففتحت لهم بدون انزعاج، وأخذوا يفتشون، وفتحوا درج المكتب فوجدوا مصحفًا فأراد أحدهم أن يمسكه فضربته على يديه، وقالت: لا يمسه إلا المطهرون، فتركه الضابط وهو في أشد حالات الحرج ثم انصرفوا.
ومن المواقف المضحكة التي يرويها ابنها. المستشار هشام أنه صدر قرار باعتقاله عام ١٩٥٢م، وكان عمره لا يتجاوز السابعة وعندما جاء البوليس ليقبض عليه وقفت لهم الأم بكل قوة وقالت لهم: بلغوا محمد بيه إمام أني سآتي بهشام في الغد، وفي الصباح صحبتني وتوجهنا المقر البوليس السياسي، ودخلت على محمد إمام وقالت له: ها أنا قد جئت لك بهشام الذي تريد اعتقاله، فنظر إلي في دهشة وقال: هذا هو هشام ؟! قالت: نعم، فتأسف لها على هذا الخطأ ثم انصرفت(8).
ولقد عايشت أصعب أوقات الدعوة ضراوة، فعندما قامت الثورة في ٢٣ يوليو ١٩٥٢م لتطيح بنظام فاسد ذل البلاد وسلمها للاستعمار، ولتأتي بنظام نشده الإخوان للشعب المصري، فقد تعاون الإخوان المسلمون مع الضباط الأحرار في هذه الثورة بتأمين مداخل ومخارج البلاد لصد أي محاولة لإجهاض الثورة من قبل الاستعمار الإنجليزي كما قاموا بتأمين الجبهة الداخلية من العبث والفوضى التي كان من المحتمل أن تحدث اثناء الثورة شاركت الزوجة زوجها أحاسيسه والقلق والخوف من الفشل الذي كان من الممكن أن يقضي على الثورة والإخوان لو أنها فشلت. وتحملت قلق الأيام وشغفها على زوجها حتى تمت الثورة بنجاح.
وبعد نجاح الثورة طالب الإخوان رجال الثورة بالوفاء بما وعدوا بأن يرسخوا الحكم النيابي، ويعودوا لثكناتهم العسكرية ويحكموا شرع الله، وبالفعل شرعوا في تكوين لجنة لصياغة الدستور وفقًا للشريعة الإسلامية، وكان يرأسها د. عبد الرزاق السنهوري، وشارك في إعداد الصباغة الأستاذان عبد القادر عودة وحسن العشماوي، وتشكلت أول وزارة جمهورية برئاسة محمد نجيب، وطلب مجلس قيادة الثورة من الإخوان ترشيح ثلاثة وزراء فرشحوا لهم المستشار منهر الدلة، وحسن العشماوي، وأحمد حسن الباقوري غير أن مجلس قيادة الثورة رفض الاسمين الأولين وطلب غيرهما، فرفض الإخوان الاشتراك في الوزارة خاصة بعد أن علموا أن النية تتجه إلى عدم الحكم وفقًا للشريعة الإسلامية، وأن رجال الثورة قرروا الحكم العسكري (9).
وفي أحد الأيام جاء صلاح سالم إلى منزل عبد الحكيم عابدين الكائن في 11 (أ) شارع سليم بسراي القبة، وظل معه من الثامنة مساءً حتى الثانية صباحًا يحاول أن يقنعه بأن يمثل الأستاذ عابدين الإخوان في الوزارة -وكانت الزوجة شاهدة على هذه التطورات- وكانت هذه خطة رجال الثورة لزرع الشقاق والخلاف وسط الإخوان، لكن عبد الحكيم فطن لذلك، ورفض أن يخالف رأي الجماعة في رفض الوزارة وعدم الاشتراك فيها (١٠).
تأزمت الأوضاع بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة حتى عمد عبد الناصر في يناير ١٩٥٤م إلى حل جماعة الإخوان واعتقال قادتها، فاعتقل زوجها مع كثير من قادة الإخوان كالمرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد وبعد الإفراج عنهم في مارس ١٩٥٤م لم تكن الأمور على ما يرام بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة، واستشعر الإخوان ما يحاك لهم، كل ذلك والزوجة تدعو الله وترجوه أن يكشف هذه الغمة وبالرغم من الخطر الذي كان يقترب يومًا بعد يوم إلا أنها لم تجزع لذلك، بل كانت معينة لزوجها على الصبر على هذه المحنة.
سافر زوجها مع المرشد العام في جولة دعوية للسعودية وسورية ولبنان، وفي أثناء ذلك أعلن عبد الناصر توقيع اتفاقية الجلاء مع الإنجليز، وكانت بها بعض النصوص المجحفة بحق مصر، فأعلن الإخوان اعتراضهم، وبعث المرشد العام بمذكرة للرئيس نجيب يعلن اعتراض الإخوان على بعض النصوص، واكفهر الجو وازداد شعور الإخوان بالخطر، فطلب عابدين من المرشد العام عدم الرجوع لمصر حتى تمر الأزمة غير أنه رفض ذلك وقال: لأعودن لمصر لكي أشارك إخواني محنتهم، وبقي عابدين وبعض الإخوة في الخارج.
وفي 1954/10/26م في تمام الساعة الثامنة مساء أذاع الراديو خطاب عبد الناصر الذي كان يلقيه بالمنشية بالإسكندرية، وأثناءه انطلقت الرصاصات على عبد الناصر، وحدث بعض الهرج وبعدها أعلنوا أن الذي أطلق الرصاص أحد الإخوان، وقبل أن ينتهي من خطابه كانت سيارات المباحث العامة والمباحث العسكرية تجوب البلاد شرقًا وغربًا لتعتقل الإخوان المسلمين، وقبل أن يعود للقاهرة في اليوم الثاني كانت السجون قد امتلأت بآلاف الإخوان الذين لم يعرفوا سببًا لاعتقالهم وفتحت عليهم أبواب جهنم (۱۱).
هاجمت المباحث منزل عابدين وعبثت بمحتوياته، وظهرت الزوجة بمواقف الرجال فقد كانت شديدة الجلد والصبر خاصة بعد أن فقدت زوجها، وما هي إلا أيام معدودة وقد أصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا بإسقاط الجنسية المصرية عن عبد الحكيم عابدين ومن معه، ووضع على قوائم الوصول للاعتقال، فوقع هذا القرار على الزوجة بالشعور بالوحشة والغربة والفرقة التي حرمتها من زوجها ومن ظلم العسكر للإخوان، لكنها كانت صابرة.
سعت الزوجة في تربية أبنائها تربية إسلامية حسنة حتى سافرت لزوجها عام ١٩٥٨م، وظلوا معه بالخارج حتى عادوا عام ١٩٦١م، ومن هذا التاريخ لم تر زوجها. وتعرضت هي وأبناؤها للمضايقات الأمنية ففي عام ١٩٦٤م منع ابنها هشام من السفر لوالده بالخارج، كما منعت ابنتها إيمان أيضًا من السفر في العام نفسه لزوجها وكانت حاملًا في هذا الوقت، حتى إن شعراوي جمعة كان يقول لها: «لما كمال عابدين - زوجها - يرى حلمة أذنه لن تسافري إليه»، وفعلًا لم تسافر هي وأمها. حتى قدم السادات للحكم وسمح لها بالسفر.
في ظل هذه الظروف حملت فاطمة هموم الزوج والأبناء، وظلت المضايقات مستمرة والتفتيش الدائم، واستدعاء الأبناء حتى توفي عبد الناصر.
وفاتها
في 1970/11/12م فاضت روحها إلى ربها تشكو له الظلم الذي وقع عليها وعلى زوجها وأسرتها، ودفنت بمدافن البساتين. وبعد أن تولى السادات الحكم أعاد لعبد الحكيم الجنسية المصرية مرة أخرى فعاد عام ١٩٧٥م لكنه لم يبق طويلًا فلحق بزوجته في 1976/7/10م ودفن بمدافن الإمام الشافعي.
فرحمهما الله رحمة واسعة.
الهوامش
(1) جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين الكتاب الأول. دار التوزيع والنشر الإسلامية ٢٠٠٣م. ص ١٤٣.
(۲) جمال البنا: خطابات حسين البنا الشاب إلى أبيه، دار الفكر الإسلامي.
(۳) حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية دار النشر والطباعة الإسلامية
(4) محمود عبد الحليم الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، الجزء الأول. دار الدعوة، ۱۹۷۹م، ص ۲۷۰
(5) حوار إجراء الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع المستشار هشام عبد الحكيم عابدين يوم 2007/10/20م.
(6) جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان الكتاب الرابع، دار التوزيع والنشر الإسلامية ٢٠٠٥م.
(۸,۷) حوار مع المستشار هشام عابدين، مرجع سابق.
(9) حسن العشماوي: مذكرات هارب، دار الفتح.
(۱۰) حوار مع المستشار هشام عابدين.
(۱۱) عباس السيسي جمال عبد الناصر وحادث المنشية بالإسكندرية دار القبس للنشر والتوزيع ١٤١٤هـ -١٩٩٤م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل