; في العصر الحديث نساء مجاهدات: فايزة حسن عطية.. زوجة رجل مهم | مجلة المجتمع

العنوان في العصر الحديث نساء مجاهدات: فايزة حسن عطية.. زوجة رجل مهم

الكاتب مريم السيد هنداوي

تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009

مشاهدات 63

نشر في العدد 1870

نشر في الصفحة 36

السبت 19-سبتمبر-2009

من مواليد ۱۹٣٥م تعرفت على الدعوة مبكرا ونشأت في منزل عشق فكر الإخوان المسلمين وتكبد الكثير من الأذى في سبيله

تربت على يد خالها المجاهد غریب عوض.. وتزوجت من سعد لاشين أحد رجالات الدعوة

انضم زوجها إلى صفوف النظام الخاص.. جمع السلاح وأمد به المجاهدين في حرب فلسطين

تحملت ١٠ سنوات من الضغوط القاسية من رجال الأمن ولم تستجب للابتزاز

يقول الإمام حسن البنا: «وأريد بالثقة: اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أنفُسهمْ حَرَجًا فَمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (النساء:65).

والقائد جزء من الدعوة، ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة، وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْل مَعْرُوفِ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ (محمد:20-21).

وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا، والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات».

وبهذه المفاهيم كانت فايزة حسن نعم الزوجة التي وثقت في الطريق الذي سار عليه الزوج ولحقت به متحملة كل الصعاب، بل ووثقت في المنهج.

 

نشأتها

في منزل عشق دعوة الإخوان المسلمين وأُوذي من أجلها كثيرًا نشأت هذه الفتاة، وُلدت فايزة حسن في ١٤ يونيو ١٩٣٥م في محافظة الشرقية لأب كان يعمل منجدًا وأمها الحاجة فتحية عبد العال عوض في هذا البيت تربت والتحقت بالتعليم غير أنها لم تكمله فأتمت المرحلة الابتدائية وتوقفت.

تعرفت على الدعوة في وقت مبكر فعاشت بها ولها فقد كان خالها الحاج غريب عوض عبد العال - الذي كان يعمل مقاولًا - قد تعرف على دعوة الإخوان وربي أهل بيته عليها، ولقد اعتقل في محنة ١٩٥٤م وأيضًا في محنة ١٩٦٥م، وبعدما تزوجت انتقلت لتعيش مع أحد رجالات الدعوة الذين تعرفوا عليها في وقت مبكر وهو الحاج سعد لاشين مسؤول المكتب الإداري لإخوان الشرقية حاليًا (1).

الرباط الدعوي والحياتي

لقد ارتبطت الحاجة فايزة بالدعوة من عدة روابط سواء الرباط العائلي عن طريق خالها الحاج غريب عبد العال أو عن طريق زوجها أو عن طريق أبنائها الذين أصبحوا شامة في هذه الدعوة المباركة، حتى وصل اعتقال أحدهم إلى ثلاث عشرة مرة وهو الأستاذ عادل سعد لاشين.

ولم نستطع الحصول على معلومات عن الحاج غريب عبد العال، لكننا استطعنا الحصول على معلومات عن الحاج سعد لاشين الزوج فمن هو؟

سعد الدين مرسي يونس لاشين من مواليد ١٦ يونيو ١٩٢٤م؛ حيث ولد بقرية «هورين» مركز السنطة محافظة الغربية، وتعلم فيها حتى حصل على دبلوم زراعة الذي عُيِّن به.

تعرف على دعوة الإخوان عام ١٩٤٥م ويقول في ذلك: «عرفت الإخوان تحديدا عام ١٩٤٥م، وكان قد تم تعييني بإحدى الوظائف بوزارة الزراعة قبل ذلك بعام في ظل وجود حكومة الوفد التي صدر قرار فيما بعد بحلها، ونكاية فيها أصدرت الحكومة الجديدة قرارًا بنقل جميع الذين التحقوا بالوظائف الحكومية في عهد حكومة الوفد إلى الوجه القبلي، وكنتُ من بينهم بالطبع؛ حيثُ نُقلت إلى محافظة سوهاج.

مبادئ سامية: وبعد هذا بفترة وجيزة جاء خطاب إلى أحد الأصدقاء، وكانت به كلمات عن الإخوان والجهاد بالنفس والنفيس والتضحية، وغير ذلك من المبادئ الإسلامية الممتازة، وبعد أن قام بقراءته عليَّ قلتُ له: إن هذه مبادئ سامية وأمور متميزة جدًا، واتفقنا على أن نذهب مع بقية الزملاء إلى المقهى عصرًا كما هي عادتنا، وبعد الجلوس بفترة نقوم نحن الاثنين، وعندما يسألنا الباقون إلى أين تذهبان؟ نقول: إننا ذاهبان إلى الصيدلية التي كانت تقع بجوار دار الإخوان التي ذهبنا إليها بالفعل في نهاية المطاف؛ حيث قابلونا بشكل جيد، وقاموا بإعطائنا رسالة «دعوتنا»، كما قاموا بضمَّنا إلى إحدى الأسر، بعد هذا وفي سبتمبر ١٩٤٦م انتقلت إلى محافظة الشرقية التي كانت تموج بالعمل الدعوي، واستفدت من نشاط الإخوان هناك كثيرًا.

 لقاء «البنّا»

وأول مرة قابلتُ فيها الإمام الشهيد حسن البنا كانت في احتفال أُقيم في سوهاج وعقب انتهائه جلسنا معه في إحدى الغرف بدار الإخوان، وقمنا بعمل تعارف، وسألني عن صلة القرابة التي تربط بيني وبين الأستاذ محمود لاشين، وقلتُ له: إنه عمَّي، والعجيب أنني عندما قابلتُ عمي هذا فيما بعد وقلت له إن الإمام البنا يعرفك جيدًا حتى إنه سألني عنك، قال لي: إن هذا شيء مدهش، فأنا لم أتقابل مع الإمام البنا إلا مرةً واحدةً عام ١٩٢٩م، وذلك أثناء اشتراكنا في الرقابة على امتحانات الشهادة الابتدائية».

النظام الخاص

انضم إلى صفوف النظام الخاص وأصبح أحد رجاله المخلصين، وكان من المشهود لهم أثناء حرب فلسطين في جمع السلاح وإمداد المجاهدين به.

اعتقل بعد سقوط السيارة الجيب وهي السيارة التي كشفت النظام الخاص، فقد سقطت في ١٥ نوفمبر ١٩٤٧م لكنه لم يُقدِّم للمحاكمة بسبب عدم ثبوت الأدلة عليه.

وأثناء حكم الثورة اعتقل بعد حادثة «المنشية» وقُدّم للمحاكمة؛ حيث حكمت عليه بالسجن لمدة عشر سنوات من عام ١٩٥٤ - ١٩٦٤م وبعد خروجه بعدة أشهر صدر أمر باعتقاله مرة أخرى؛ حيث ظل في السجن حتى عام ۱۹۷۱م، وبعد خروجه استأذن المرشد العام وسافر للإمارات لمدة ١٢ عامًا حتى عام ١٩٨٤م، وعاد من السفر وتم اختياره من وقتها مسؤولًا عن إخوان الشرقية ودخل انتخابات مجلس الشورى المصري «أحد مجلسي البرلمان» عام ۱۹۸۹م، وحصل على 11 ألف صوت رغم التزوير والبلطجة التي تعرض لها الإخوان من قبل الحزب الوطني الحاكم في مصر.

ومن مواقفه المشهودة كما يروي أنه كان في المعتقل الناصري في مقتبل العمر، وكان رجال البوليس السياسي يعذبون الإخوان بشراسة منقطعة النظير، حتى يكشف كل منهم عن اسم مسؤوله في الجماعة وأسماء أعضاء أسرته التربوية ليتمكنوا من عمل نموذج الهيكل الجماعة وسلمها الإداري.

 ولما كان جميع الإخوان في المعتقل، فقد قرر الإخوان أنه لا مانع من الإدلاء بهذه المعلومات؛ إذ لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها اتقاء العذاب الكهرباء والسلخ والكي بالنار.

الجميع بدأ بإخبارهم بالأسماء.. إلا الحاج سعد لاشين.. وكان الأستاذ الـمـرشـد حـسـن الهـضـيـبـي حينئذ يقول له: «يا سعد أنا بأقول لك قول اللي هما عاوزينك تقوله»، من شدة التعذيب الذي تعرض له الحاج سعد وكان رده: «يا أستاذنا هما أكيد عارفين لكن هما عاوزين يكسروا إرادتي.. لكن أنا اللي هاكسر إرادتهم».

 ومن أقواله: «سهام الحقد الموجَّهة إلى دعوة الإخوان لا تستحق الرد.. ودعوة الإخوان دعوة عالمية علنية.. مشرفة» (2).

 تعرف الحاج سعد على زوجته عن طريق خالها الذي كان أحد رجالات الدعوة، وتم الزواج بعد عيد الفطر في ٤ من شوال عام ۱۳۷۱م الموافق ٢٦ يونيو عام ١٩٥٢م، في الزقازيق وسط حشد كبير من الإخوان، وقد رزقهما الله بصلاح في 29/٤/1953م، ثم أسماء في 8/2/1955م - أي بعد اعتقال والدها بشهور، ثم عادل الذي ولد بين الاعتقالين في 2٥/٨/1965م.

 

رحلة عُمر

منذ أن تزوجت الحاج سعد ورجال المباحث في بيتها بين الحين والآخر سواء لزوجها أو لأبنائها، فقد تحمل قلبها الكثير بسبب فجيعتها في زوجها بعد الزواج؛ حيث تم اعتقاله بعد حادث «المنشية» وظل بعيدا عنها لمدة عشر سنوات، وتركها مع ولدين صغيرين فلم تستطع فعل شيء معهما إلا أن تلجأ إلى الله أن يكون معينا لها في محنتها.

ظل ضغط المباحث عليها كبير خاصة أنها زوجة أحد رجال النظام الخاص، وهذا كان يعطيها وبعض الأخوات خصوصية في تعامل رجال البوليس معهن؛ لأنهم يستشعرون أن مثل هذه البيوت تمثل خطرا كبيرا على النظام؛ ولذا لاقت من العنت الشديد طيلة ١٠ سنوات، غير أنها استطاعت أن تحافظ على بيتها، ولا تستجيب لابتزاز نظام عبد الناصر، بل كانت سندا وعونا لبيت خالها الحاج غريب.

خرج الزوج بعد ١٠ سنوات ليجد البيت كأن لم يتركه لحظه من قبل، إلا أنها شهور معدودة حتى اعتقل الزوج مرة أخرى، وزجّ به في أتون محنة قاسية ليست عليه فحسب، بل على الأهل أيضًا حتى أن الأهل ظنوا أنها النهاية لقسوة المحنة وزاد الأمر قسوة بعد هزيمة ١٩٦٧م وتعرّض مدن الشرقية للقصف المستمر حتى وصل الطيران «الإسرائيلي» إلى «بحر البقر» ليقصف مدرسة الأطفال، فأفزعها الوضع وأصبحت بین نارین: نار الحفاظ على أطفالها الصغار مما يحدث من جراء القصف الهمجي الصهيوني، ونار بُعد الزوج عنها في مثل هذه الظروف، غير أنها كانت مثالًا طيبًا سار على دربه كثير من الأخوات اللاتي تعلمن منها هذه المعاني.

 لقد تم اعتقال الزوج ما يقرب من خمس مرات بلغت ما يقرب من ١٨ عامًا.

وبعد خروج الزوج عام ۱۹۷۱م شاركته معاناة الغربة عن الناس، خاصة أنه عاش بعيدًا عن المجتمع ما يقرب من 17 عامًا، وما كاد زوجها يخبرها بالسفر للإمارات حتى تكالب عليها هم الغربة أيضًا، لكنها تحملت في سبيل دعوتها وأبنائها.

وبعد عودتها كانت تنتظرها مفاجآت عندما أعلن زوجها الدخول في انتخابات مجلس الشورى المصري عام ۱۹۸۹م، كانت في مقدمة الصفوف التي حملت مشعل توصيل الدعوة إلى البيوت، وتعريف المجتمع بالزوج والفكر الذي يحمله وهو فكر الإخوان المسلمين.

ومرت السنون تترًا، وكانت المفاجآت الأخرى أن أمن الدولة زاد من التردد على بيتها لا لاعتقال زوجها هذه المرة بل اعتقال أبنائها، حتى بلغ عدد زيارتهم لأحدهم ما يقرب من ١٣ مرة، وهي نعم الأم الصابرة من أجل دعوتها وربها.

لقد أنهكتها هذه الظروف، ومع ذلك ما زالت نعم الزوجة والجندي بجانب القائد الزوج في حمل الدعوة، خاصة أن المسؤولية التي يتحملها زوجها ليست بالسهلة.

وقد اشتهرت وسط مجتمعها بحُسن صلتها لأرحامها وتفقدهم والاطمئنان عليهم ومواساتهم في كل وقت وفي كل مناسبة (٣).

الهوامش

(۳-۱) حوارات أجراها عبده مصطفى دسوقي مع الحاج سعد لاشين وابنه عادل سعد لاشين.

(۲) موقع «إخوان لاین» 11/٨/2005م.

(*) كاتبة مصرية

الرابط المختصر :