; في المنتدى الفكري: جلسة مع أقدم عضو في جماعة الإخوان المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان في المنتدى الفكري: جلسة مع أقدم عضو في جماعة الإخوان المسلمين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1988

مشاهدات 60

نشر في العدد 862

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 12-أبريل-1988

قصة نشأة الإخوان المسلمين يرويها أقدم أعضائها

فضيلة الشيخ عبد الرحمن حسب الله، أحد الستة الذين بايعوا الإمام الشهيد حسن البنا على تأسيس جماعة الإخوان بمدينة الإسماعيلية في مارس 1928، وآخر من بقي منهم على قيد الحياة، ويبلغ في مارس الحالي عامه الثمانين، وفي نفس الشهر تبلغ الدعوة عامها الستين.

والشيخ عبد الرحمن حسب الله كان يعمل سائقًا، وهو بالمعاش الآن. وهو والحمد لله يتمتع بصحة جيدة وذاكرة قوية وجسم سليم، لا تفارقه الابتسامة، وحماسته للدعوة كأنها حماسة الشباب. وهو رجل بسيط تحبه أول ما تراه، وهو الآن يعيش بمفرده متنقلًا بين أبنائه بعد وفاة زوجته منذ نحو أربعة أشهر.

سألته عن الكثير وأجاب في بساطة ووضوح، وكان سؤالي الأول:

سؤال: ما هي قصة الإخوان المسلمين.. كيف بدأت؟

جواب: بسم الله الرحمن الرحيم، أراد الله تبارك وتعالى لدعوة الإخوان المسلمين أن تبدأ في مدينة الإسماعيلية «تبعد عن القاهرة نحو 120 كيلومتر». وكانت مدينة الإسماعيلية أشبه بمكة، فمكة كانت كلها عباد أصنام أو مشركين، والإسماعيلية كانت شبه محتلة لشركة قناة السويس في الشرق، ومعسكرات القوات الإنجليزية في الغرب، وكانت هيئة القنال هي التي تتولى تنفيذ كل مشروعات المدينة، ولم يكن هناك بلدية أو مجلس تنظيم أو ما شابه في ذلك الوقت، حتى إن هيئة القنال كانت مسؤولة عن توزيع المياه.. مياه الشرب على الناس، أي أنها كانت قائمة مقام الحكومة. وفي الجهة الغربية من المدينة يقع معسكر الطيران الأكبر للإنجليز.

البنا يؤذن فوق الكوبري

بدأت الدعوة في هذا الجو البعيد عن الإسلام وكانت عادات الناس إفرنجية غربية، فلم تكن العطلة الأسبوعية مثلًا يوم الجمعة، بل كانت يوم الأحد، ولم يكن في الإسماعيلية غير مسجد واحد هو المسجد العباسي، ولم يكن يرتاده إلا كبار السن والشيوخ، ولا يمتلئ بالمصلين إلا يوم الجمعة فقط. وعندما عُين الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله مدرسًا بمدينة الإسماعيلية، كان أول ما فعله بعدما نزل من محطة القطار وصعد إلى الكوبري العلوي لينتقل إلى الجهة الأخرى حيث يدخل المدينة، أن أذن لصلاة العشاء وهو فوق الكوبري: الله أكبر.. الله أكبر.. وكانت هذه هي أول بداية للإمام الشهيد في مدينة الإسماعيلية لنشر الإسلام. وبالطبع لم يألف الناس مثل هذا المشهد، وخصوصًا أن المدينة كانت مليئة بالأجانب والخواجات، فكان أذان العشاء فوق كوبري محطة القطار حديث الناس. ونزل الإمام الشهيد وصلى العشاء في المسجد العباسي. وفي اليوم التالي ذهب إلى المدرسة الابتدائية وكانت هي المدرسة الوحيدة الموجودة بمدينة الإسماعيلية في ذلك الوقت، لم تكن هناك مدارس، ولكن كانت توجد بعض الكتاتيب القائمة على تحفيظ القرآن الكريم. وبدأ الشيخ البنا يرتاد المسجد العباسي، ويعطي فيه دروسًا بعد صلاة المغرب للعدد القليل الموجود بالمسجد. هذا الدرس أخذ من الناس مأخذًا حسنًا، وتناقله المصلون، وبدأوا يحضرون أقاربهم وأصدقاءهم لسماع الدرس، حتى ازداد العدد واتسع، واشتهر حسن البنا بأنه يلقي درسًا في المسجد العباسي كل يوم.

ولما تكاثر العدد خاف إمام المسجد -رحمه الله- وقال للإمام البنا: هذا مسجد أوقاف وأنت تعطي فيه الدرس دون إذن من الوزارة، فلا بد أن تحصل على إذن من الوزارة لإلقاء الدروس وإلا فابحث عن مكان آخر. فطلب منه الأستاذ حسن البنا إمهاله بعض الوقت حتى يبحث عن مكان آخر.

وتحدث المصلون مع إمام المسجد طالبين استمرار حسن البنا في إلقاء الدرس، فهو درس ديني ولا يجب أن يُمنع، دون جدوى. وفي خلال أيام لم تتجاوز الأسبوع كان أحد الذين يحضرون الدروس واسمه الشيخ علي الشريف رحمه الله يمتلك مكتبًا لتحفيظ القرآن الكريم، فعرض على الأستاذ البنا أن يستضيفه في المكتب مساءً لإلقاء الدرس، وكان هذا أول مقر اتخذه الإمام البنا لإعطاء الدروس.

يقول الشيخ عبد الرحمن حسب الله: في هذا الوقت تعرفنا نحن الستة على الأستاذ حسن البنا، سمعنا أن مدرسًا بالمدرسة الابتدائية يلقي دروسًا فحضرنا نحن الستة، ستة من الشباب أراد الله تبارك وتعالى لنا الهداية والحمد لله. وحضرنا أحد الدروس، وبعد الدرس التقى بنا وجلسنا سويًا وتعارفنا، وقلنا له إننا نريد جلسة خاصة معك نتدارس فيها أحوال المسلمين. وفي ذات يوم بعد إلقائه الدرس ذهبنا معه إلى المنزل، كان عبارة عن حجرة بسيطة الأثاث، وتحدث معنا في أحوال المسلمين والحالة التي وصل إليها الناس من ضعف في الدين، وحاجة الناس إلى من يعرفهم دينهم، ومن يعرفهم الطريق إلى الله تبارك وتعالى، وأنه يجب على كل مسلم عرف ربه أن يبلغ هذه الدعوة وأن ينصح إخوانه... وهكذا.

وهكذا بايعنا الإمام البنا

كانت هذه الجلسة طيبة جدًا والحمد لله، استغرقت حتى قرب منتصف الليل، ثم قال لنا: الحمد لله هذه أول جلسة، وننصرف على أن نلتقي غدًا إن شاء الله. وقبل أن ننصرف قال: عرفتم الآن أن واجب كل مسلم أن يكون داعيًا إلى الله وإلى دينه؟ فقلنا نعم. قال: إذًا فلنتعاهد على ذلك. فتعاهدنا وأخذ أيدينا ووضعها فوق يديه وقرأ الفاتحة، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح:10). ثم انصرفنا على سورة العصر كما كان يفعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكنا في غاية السرور في تلك الليلة، وحمدنا الله لتوفيقه لنا وهدايته لنا ولهذا الداعية الجديد القادم إلى مدينة الإسماعيلية.

الدعوة في المقاهي

تكاثر عدد الناس الذين يحضرون الدرس في مكتب تحفيظ القرآن الكريم، وذات يوم قال لنا الأستاذ حسن البنا: هناك أناس لا تصلهم هذه الدعوة، ويجب علينا أن نسعى إليهم. فقلنا: ماذا نفعل؟ فقال: نخرج إلى أولئك الذين يجلسون على المقاهي يقتلون الوقت دون فائدة، ونعظهم. وقد كان.. فكنا نجتمع في صلاة المغرب في المسجد ثم نخرج وفدًا ومعنا حسن البنا، وكنا نسميه حسن أفندي لأن المدرس كنا نطلق عليه في ذلك الوقت الأفندي، ونذهب إلى المقاهي. ولم يكن هناك في ذلك الوقت التلفزيون أو الفيديو، أو حتى الإذاعة، ولكن كانت هناك مسجلات غنائية يستمع إليها رواد المقاهي، فكنا نستأذن من صاحب المقهى أن يغلق المسجل ويقف حسن البنا على كرسي، ويعظ الناس في حدود عشر دقائق ولا يزيد على ربع الساعة. ثم نذهب إلى مقهى آخر فيجتمع خلفنا الناس يستمعون. وكان الإمام الشهيد يتحدث في مبادئ الإسلام وأن على كل مسلم أن يتعلم دينه، ويحدثهم عن أهمية الصلاة والصيام وعن الجنة والنار وغيرها... وبعد هذه الجولة يجتمع خلفنا خلق كثير، فنذهب بعد ذلك إلى مكتب تحفيظ القرآن الذي اتخذه الإمام الشهيد مكانًا لإلقاء دروسه.

في هذا الوقت كون الإمام الشهيد مجموعات منا، وقال لنا: إننا لكي نكون دعاة، لا بد من أن نتفقه في الدين. وجمع لنا بعض الكتب هدية منه اشتراها لنا من حسابه الخاص، وهي على ما أذكر: قصص الأنبياء، ومتن الغاية والتقريب للإمام الشافعي، والسالك في مذهب الإمام مالك، وتائية السلوك، والأربعين حديثًا النووية، ومعهم المصحف الشريف. وطلب من كل منا أن يجعل لنفسه حصة من القرآن الكريم يحفظها، وكذلك حفظنا الأربعين النووية وكانت مباراة في حفظ القرآن بيننا. وبذلك تكونت والحمد لله مجموعات لحفظ القرآن والحديث، والتفقه بقدر الإمكان في مذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام مالك... وهكذا.

قصة التسمية بـ «الإخوان المسلمون»

ضاق المكان الذي يلقي فيه حسن البنا الدرس، وبحثنا عن مكان آخر مستقل، ووجدنا منزلًا من ثلاث غرف وصالة في شارع اسمه شارع فاروق. وفي ذلك الوقت سأل أحد الحاضرين في الدرس: هل نحن جمعية دينية أم صوفية أم ماذا؟

فقال حسن البنا: لا تجهدوا أنفسكم، ألسنا مسلمين؟ وألم نتعاهد على أن نكون إخوة في الله؟ قلنا: بلى. قال: فأنتم الإخوان وأنتم المسلمون وشعاركم الله أكبر ولله الحمد.

 وعلقنا لافتة على المكان الجديد باسم «جمعية الإخوان المسلمين». وكنا نجتمع في هذا المنزل الجديد في أي وقت صباحًا ومساءً، وكان إيجار هذا المنزل 130 قرشًا مصريًا شهريًا، وكان هذا المبلغ كبيرًا جدًا في ذلك الوقت أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات. واقترح بعض الإخوان أن ندفع اشتراكًا شهريًا لنتمكن من تسديد الإيجار، ونُعين ساعيًا يقوم على شؤون المنزل ونظافته. وبالفعل اتفقنا على دفع اشتراك شهري قدره خمسة قروش لمن أراد أن يدفع، وكانت هذه القروش القليلة نجمع منها مبلغًا طيبًا والحمد لله.

كان الأستاذ حسن البنا عليه رحمة الله لا يقطع أمرًا دون أن يجمعنا ويستشيرنا. كان من عادته الشورى في كل صغيرة وكبيرة، وكان يحب أن يسأله الأخ في كل شيء ويجيب عن كل سؤال. وكان -رحمه الله- رجلًا مباركًا.

أذكر موقفًا وهو أنه في إحدى الجلسات الخاصة، وكنا نجتمع بعد صلاة العصر، ذهبت لحضور الجلسة، وكانوا قد أغلقوا الباب على المجتمعين، فطرقت الباب فقال: افتحوا له. وجلست بين الحاضرين. وبعد لحظة طرق الباب آخر فقال: لا تفتحوا. فاستمر الطارق في طرقه والشيخ يقول: لا تفتحوا. فاستدار الطارق حول المكان ودخل من النافذة وجلس. وهذه واقعة أذكرها لأن هذا الشاب -عليه رحمة الله- لم يستمر سنة واحدة مع الإخوان وخرج بعدها والتحق بحزب مصر الفتاة.

أول مسجد ومعهد للإخوان

وفي إحدى الجلسات، وكان الإمام البنا يمنينا بقوله: إن هذه دعوة الله تبارك وتعالى، والله تبارك وتعالى سيحفظها وستنتشر في كل البلاد، وستعم كل الدول وكل الدنيا. فاقترح أحد الإخوة واسمه الحاج مصطفى أن نجمع التبرعات لنشتري أرضًا لبناء مسجد ومدرسة للدعوة. فقال الإمام: ما رأيكم؟ فأيدنا الاقتراح، وتبرع الحاج مصطفى صاحب الاقتراح بجنيه مصري، وكان للجنيه قيمة كبيرة وقتها مكنتنا من طبع إيصالات لجمع التبرعات لإقامة مسجد ومعهد للإخوان المسلمين. وبدأنا في جمع التبرعات وجمعنا مبلغًا لا بأس به، وعندما علم أحد أهالي البلد أننا نفكر في بناء مسجد جاء إلينا ليتبرع بقطعة أرض يملكها مساحتها 150 مترًا مربعًا. وذهب إليه الأستاذ حسن البنا ومعه بعض الإخوان، وكتبنا عقد التنازل عن ملكية الأرض ووقع الرجل عليه وكذلك الشهود. في ذلك الوقت كانت الدعوة بدأت تواجه بعض الحاقدين والحاسدين، كشأن كل الدعوات، فلما علم هؤلاء أن هذا الرجل تبرع بقطعة أرض ذهبوا إليه وأقنعوه بالعدول عن التبرع. وكان رجلًا ضعيف الإرادة، فأرسل للأستاذ البنا يتراجع عن التبرع بالأرض، فأعطاه الأستاذ البنا العقد. واعترضنا على ذلك لأن الرجل تنازل بكل اختياره عن الأرض، فقال الأستاذ البنا: مثل الذي ينفق شيئًا في سبيل الله ثم يرجع فيه، كمثل الكلب يتقيأ ثم يأكل قيئه، وسيكون ذلك ضررًا عليه، فاتركوه لله.

وبعد فترة طويلة جاءنا رجل اسمه محمد سليمان يملك قطعة أرض مساحتها 180 مترًا مربعًا، والتي أقيمت عليها دار الإخوان المسلمين وما زالت إلى الآن والحمد لله. وطلب شراء الأرض بمبلغ 180 جنيه، وبالطبع كان المبلغ كبيرًا. وأثناء جمع التبرعات وكان الإمام البنا ثاقب النظر بعيد الرؤية، فقال لنا: إننا نريد أن نختار أمينًا للصندوق نضع عنده ما نجمع من أموال، نختاره من أهل البلد، فاخترنا واحدًا من أكبر أعيان الإسماعيلية اسمه الشيخ محمد أبو حسين الزملوط، وهو شقيق والدة المهندس عثمان أحمد عثمان، وكان من الأغنياء وأصحاب المركز الاجتماعي في البلد. زاره الإمام البنا وطرح عليه الفكرة، فرحب الرجل وأخذ التبرعات ووضعها في البنك باسم المشروع. وعندما اكتمل المبلغ ذهبنا ومعنا صاحب الأرض إلى منزل أمين الصندوق وكتبنا عقد الشراء، ورفض البائع أن يوقع قبل أن يتسلم المبلغ أو شيك بقيمته. واستنكر البعض هذا التصرف، فقال الرجل: «إن هناك من حضروا إلى بيتي يحاولون إقناعي بالعدول عن البيع لأنكم لن تدفعوا المبلغ، فأقسمت لهم أني لن أوقع عقد البيع إلا بعد أن أتسلم الثمن كاملًا».

وهكذا واجهت الدعوة في بدايتها بعض الحاقدين.

سؤال: هل تذكر بعضًا من مواقف حسن البنا في مجال الدعوة؟

جواب: كان الإمام الشهيد حسن البنا يذهب إلى المقاهي لدعوة الناس، وذات مرة تتبعنا رجل من رواد المقاهي -رجل مخمور- وسار وراءنا من مقهى إلى آخر، حتى وصلنا إلى مكان إلقاء الدرس، وجلس واستمع إلى الدرس ثم بكى بكاءً شديدًا، وبعد أن انصرف الناس لم ينصرف، وذهب إلى الأستاذ حسن البنا وقال له: أريد أن أتوب وأريد أن أتعلم الصلاة. فاستجاب له الإمام البنا وعلمه أن يقول: تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا... إلخ. ووعظه بأن الخمر تضر بصحة الإنسان وحذره من غضب الله. وطلب هذا الرجل أن يتعلم الصلاة، فناداني الإمام الشهيد وقال: يا عبد الرحمن، خذ هذا الرجل فعلمه الوضوء والصلاة. فترددت لأنه كان سكران. فقال لي: لا تتردد، ما يدريك لعل الله يأتي منه بالخير، اذهب فعلمه الوضوء، وبالفعل توضأت وتوضأ هو مثلي، وصليت معه ركعتين. وفي اليوم التالي كان معنا في صلاة الفجر وصدق في توبته، وذهب لأداء فريضة الحج، وكان من أصلح الإخوان بعد ذلك ببركة توبته على يد الأستاذ حسن البنا. وهكذا من هذه الأمثلة الكثير والكثير والحمد لله.

في ملجأ التائبات الذي أنشأه الإمام البنا، هدى الله الكثيرات من محترفات الدعارة والبغاء وأصبحن زوجات صالحات.

قصة ملجأ التائبات

موقف آخر يرويه الشيخ عبد الرحمن حسب الله فيقول: كانت قطعة الأرض التي اشتريناها كمسجد ومعهد للإخوان تجاور بيتًا من بيوت الدعارة، وكانت بيوت الدعارة في مصر في هذا الوقت مصرحًا بها رسميًا، كان هذا البيت لا يبعد أكثر من مائة متر. فقلنا لا بد أن نترك هذا المكان ونشتري مكانًا آخر. فجمعنا الأستاذ البنا وقال لنا: إنهم لن يُطفشونا أي يُخرجونا من هذه الأرض، ولكننا بإذن الله سوف نُخرجهم منها. وعندما وضعنا أساس المسجد ومعه معهد حراء الإسلامي، أنشأ الأستاذ البنا معهدًا باسم ملجأ التائبات، وأعلن أن من أرادت من محترفات الدعارة والبغاء أن تتوب يمكنها أن تتخذ من هذا الملجأ سكنًا لها، تأكل وتشرب وتتعلم مهنة من المهن الشريفة مثل الخياطة أو التطريز أو التمريض. وبالفعل تم افتتاح الملجأ وأشرف عليه رجل من الصالحين كان يعمل بالنجارة، اسمه الشيخ علي الجداوي، وكان يحفظ القرآن حفظًا جيدًا وصوته جميل بالتلاوة، وهدى الله الكثيرات من هذه النوعية، ووفق الله بعضهن للزواج من بعض الطيبين، وكانت فكرة طيبة أنقذت الكثيرات بفضل الله. وبالفعل لم تمر فترة -كما توقع حسن البنا- حتى انتقل بيت البغاء القريب من مكان التقاء الإخوان إلى منطقة بعيدة، وبعد عدة سنوات أُلغي البغاء رسميًا، فكان الأستاذ البنا يذكرنا دائمًا بقوله: من الذي أخرج من؟! فالحمد لله نحن أحق بالبلد من أي فريق آخر لأننا مسلمون والإسلام هو الأحق.

حسن البنا.. شاعرًا

سؤال: كيف انتقلت دعوة الإخوان المسلمين خارج مدينة الإسماعيلية؟

جواب: سنة الله في خلقه أن يكون هناك من يحقد على الدعوات وأن يحاربها، وكان في مدينة الإسماعيلية واعظ أزهري اسمه الشيخ حامد عبده عسكرية، وهو أول واعظ يُعين في مدينة الإسماعيلية بعد أن انتشرت فكرة الوعاظ رسميًا. وكان هذا الرجل من الصالحين، والتزم مع الأستاذ البنا التزامًا تامًا، يخرج معه في الحفلات والندوات والمحاضرات فكان خير مُعين. هذا الواعظ كان يخطب في المسجد العباسي -المسجد الوحيد بالمدينة- كتب بعض الحاقدين في حقه شكاوى كثيرة إلى وزارة الأوقاف بأنه يخرج عن حدود وظيفته، وأنه يسير مع حسن البنا. ولما كثرت الشكاوى أصدرت الوزارة قرارًا بنقل الشيخ حامد عبده عسكرية إلى بلدة شبراخيت محافظة البحيرة. وحاولنا أن نمنع هذا النقل، ولكن الأستاذ البنا قال لنا إن من مبادئنا أن ننشر هذه الدعوة، والآن فُتح لنا فرع جديد في شبراخيت. وأقمنا حفل وداع في نادي التعاون للشيخ حامد عسكرية، ودعا إليه الشيخ البنا كل الناس، بما فيهم الحاقدين الذين كتبوا الشكاوى في الشيخ حامد، وحضر الكثيرون حفل الوداع. وكان من عادة الأستاذ البنا أن يختار بعض الإخوان ويكتب لهم خطبًا يلقونها في مثل هذه المناسبات، وكان نصيبي الشعر لأنني أهوى الشعر، وكان الأستاذ البنا يكتب شعرًا، وطلب مني أن أُلقي شعرًا قد كتبه في هذه المناسبة في الحفل أمام الناس، وكان من بين ما قاله عليه رحمة الله في حفل وداع الشيخ حامد عسكرية، هذه الأبيات:

أخي هل رأيت الخطب كيف ينوب *** وكيف بنا هذا الزمان يهيب

تنقلنا الأيام حتى كأنما *** على رقعة الشطرنج نحن كعوب

أمنا من الأيام غضبة حانق *** ولله فينا قدرة وغيوب

وشوا ما وشوا يا خيب الله سعيهم *** وإن مساعي السوء سوف تخيب

وماذا على الواشين أن يتحدثوا *** سوى أن يقولوا مخلص وأديب

دعوت لدين الله أكرم دعوة *** تسدد سهم الحق فهو يصيب وكنت إذا يومًا سموت لمنبر *** هززت نفوسًا وارتعتك قلوب فسر في حمى الرحمن لا تخش لومة *** ومهما تكن بعد فأنت قريب

وما زلت أحفظ هذه الأبيات التي قرأتها منذ أكثر من نصف قرن أمام الناس لأني أعتز بها كثيرًا. وعندما انتقل الشيخ حامد عسكرية إلى شبراخيت فتح فرعًا للإخوان هناك.

دعوة الإخوان تنتشر

سؤال: هل كان هذا هو أول فرع للإخوان خارج مدينة الإسماعيلية؟

جواب: لا.. بل كان الفرع الرابع، الفرع الأول كان في منطقة تسمى «أبو صوير» وتبعد عن مدينة الإسماعيلية بنحو 14 كيلومتر. كان عدد من الإخوان من «أبو صوير» يعملون في الإسماعيلية وكانوا يحضرون درس الشيخ البنا، وعندما عادوا إلى بلدتهم طلبوا من الأستاذ البنا أن يفتتح فرعًا للإخوان عندهم، وكانت بلدتهم مقرًا لمعسكر طيران الجيش الإنجليزي. وذهب الشيخ البنا إلى «أبو صوير» واتفق مع شيخ البلد وكان رجلًا صالحًا بنى مسجدًا على نفقته، وتبرع بدار وقال هذه الدار للإخوان المسلمين، وفي يوم افتتاح الفرع ذهبنا في قافلة ضخمة ومعنا الأستاذ البنا رحمه الله وأقمنا حفلًا ضخمًا، واختير الشيخ عبد الله سليم رئيسًا للفرع، وكان ناظرًا لمدرسة أولية «ابتدائية». بعد ذلك كان الفرع الثاني في مدينة بورسعيد، كان الأخ أحمد المصري عليه رحمة الله وهو مقاول من بورسعيد وله أعمال في الإسماعيلية، كان يحضر دروس الشيخ البنا، وبعد انتهاء عمله في الإسماعيلية عاد إلى بورسعيد واستأجر مكانًا، وجمع عددًا من الشباب وكونوا جمعية الإخوان المسلمين - فرع بورسعيد. أما الفرع الثالث فكان في قرية المحمودية - محافظة البحيرة، وهي مسقط رأس الشيخ حسن البنا، كان هناك صديقه وزميله -أمد الله في عمره- الشيخ أحمد السكري، وكان سكرتيرًا للمدرسة الابتدائية في القرية، وعند افتتاح الفرع ذهبنا في وفد كبير وحضرنا افتتاح فرع الإخوان المسلمين بالمحمودية - بحيرة. ثم كان الفرع الرابع الذي افتتحه الشيخ حامد عسكرية في شبراخيت.

وبعد ذلك جاءنا الأستاذ عبد الرحمن البنا أمد الله في عمره، وكان مشهورًا باسم عبد الرحمن الساعاتي، وكانت له جمعية باسم جمعية الهداية الإسلامية في سوق السلاح بالقاهرة، وكان موظفًا بالسكة الحديد. ذهب الأستاذ عبد الرحمن ومعه عدد من أعضاء جمعيته لمقابلة شقيقه الأستاذ حسن البنا، وطلبوا انضمامهم بجمعيتهم إلى الإخوان المسلمين، فلم يمانع الإمام البنا. وتم تحديد الموعد لذهابنا وسافرنا وفدًا إلى القاهرة، وافتتحنا فرع الإخوان المسلمين بالقاهرة وبدأت الدعوة في القاهرة.

دعوة للشباب

سؤال: هل لك احتكاك بشباب الإخوان في مصر الآن، وماذا تقول للشباب في هذه الفترة؟

جواب: شباب الإخوان ألتقي به في كل مكان أستطيع الذهاب إليه والحمد لله، وأنصح كل شاب مسلم أن يلجأ إلى هذه الدعوة.. دعوة الإخوان المسلمين، وأنا أرى أنه لا نجاة للمسلمين إلا بهذه الدعوة، التي تترسم خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس لأنها دعوة الإخوان، ولكن لأنها تترسم خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوة بخطوة. فهذه فرصة للشباب أن يلتحق بهذه الجماعة، وأن يعمل على نشر كتاب الله وسنة رسوله. والله تعالى يقول: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104). أنصح الشباب أن يكون من هؤلاء المفلحين الذين يرضى الله تبارك وتعالى عنهم.

 

 

الرابط المختصر :