; في المنتدى الفكري (3) راشد الغنوشي: علينا دعم لقاءاتنا مع مخالفينا | مجلة المجتمع

العنوان في المنتدى الفكري (3) راشد الغنوشي: علينا دعم لقاءاتنا مع مخالفينا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1989

مشاهدات 73

نشر في العدد 928

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 15-أغسطس-1989

في المنتدى الفكري - 3 - راشد الغنوشي - علينا دعم لقاءاتنا مع مخالفينا

نشرنا في العددين السابقين القسمين الأول والثاني من الندوة الفكرية الممتعة التي التقى فيها المفكر الإسلامي التونسي الأستاذ راشد الغنوشي مع أسرة تحرير المجتمع... وفي هذا العدد ننشر الجزء الثالث وذلك كما يلي:

المجتمع: يدعو بعض الدعاة في الحركة الإسلامية إلى ديمقراطية التنظيم بينما يرى بعض آخر إن استجلاب هذا المفهوم هو محاولة تلفيق ما بين الإسلام وما بين المفاهيم الغربية ولا يوجد في الحركات الإسلامية شيء اسمه ديمقراطية التنظيم.. ما رأيك في هاتين المقولتين؟

الغنوشي: أولًا: الحل هو جملة من الإجراءات السياسية فكثيرًا ما اتخذنا إجراءات سياسية ومواثيق سياسية رائعة ولكن ما أن ننزلها إلى الواقع تراها سرابًا يحسبه الظمآن ماء... فإذا جئته لم تجده شيئًا ووجدت الاستبداد .... لأن المسألة ليست مسألة قشرية سطحية حتى تعالج بأساليب إدارية وسياسية... الاستبداد مسألة عميقة ومتجذرة تحتاج إلى إعادة نظر في مواريثنا... تحتاج إلى نخل.. غربلة لهذه المواريث العاملة في حياتنا.... تحتاج إلى تأصيل المفاهيم الحرية والشورى واحترام الآخر، تأصيل هذه المفاهيم في ثقافتنا.. في مواريثنا... في أدبياتنا... وفنوننا حتى تنال حظها في حياتنا السياسية وحياتنا الإدارية، ولا أقول أن ننتظر سياسيًّا وإداريًّا من القوانين الديمقراطية حتى تنضج الشعوب وتنضج الثقافة... فهذه أيضًا حجة أخرى للاستبداد.. الاستبداد أيضًا يحاجج عن نفسه بأن الشعوب لم تنضج بعد... والحقيقة أن المشكلة الكبرى ليست في الشعوب وإنما في النخب.. أكبر عائق في طريق نهضة الأمة هذه النخب التي نصبت نفسها وصية على الشعوب.... لا تزال شعوبنا فيها خير كثير ولكن العائق الأكبر هي النخب وما أوتيت من قدرة على اللحن بحجتها وعلى تغطية الاستبداد  وتسويقه... وعلى ممارسة دور السحرة... سحرة فرعون... الاستبداد  ما عاش وفرخ وما يزال يعيش إلا بدعم من قطاع واسع من نخبتنا... والحل هو كما قلت، عمل على كل الواجهات وخاصة الواجهة الفكرية والثقافية بتأصيل مفاهيم الشورى والحرية... ممارسة الحرية... الصدع بالرأي المخالف لا لمجرد المخالفة وإنما للإصلاح والتعليم وأحيانًا كان بعض الفقهاء يعلنون رأيًا لمجرد المخالفة... فقد كان الإمام مالك يتخذ موقفًا لمجرد ألا يفهم الناس أن ذلك فرضًا على الأمة... حتى يفهم الناس أن في الأمر سعة مثلًا لا يصلي سنة المغرب حتى لا يظن الناس أن ذلك فرضًا... لا يصوم أحيانًا ستة من شوال حتى لا يظن الناس أنها فرض رغم أنها ثابتة... يعني كان مفهوم المخالف أيضًا للتعليم... فمثلًا مخالفة المرأة التي استفتت الرسول صلى الله عليه وسلم عن أبيها الذي زوجها وهي كارهة.. فلما قال لها صلى الله عليه وسلم أنت حرة أقرت ما أثر أبوها وقالت... ليعلم الناس أن المرأة حرة فقط في اختيار زوجها... فقد خالفت هذه المرأة قرار أبيها فقط لتُعلم البشرية أن المرأة حرة في زواجها.. لابد إذن من تكريس العمل على اتخاذ المواقف ولو أحيانًا لمجرد المخالفة ليفهم الناس أن هناك رأيًا آخر وأن الرأي الذي يقال ليس هو الرأي الوحيد.

 ثم يحتاج الأمر كما قلت إلى تقنية، أن نقنن حياتنا على نحو أن يصبح الرأي الآخر له مكان في الإدارة في البيت الطفل ينبغي أن نشجعه على أن يكون له رأي يخالفنا أن نحترم ذوق الطفل، أن نستشيره في لباسه في لونه وفي ساعته وفي الطعام الذي يأكله وفي مواعيده، أن تربيه على أن يقرر بنفسه، قال لي أحد الإخوة البارحة لماذا لا تشتري ثيابًا لزوجتك وكنت قد اشتريت ثوبًا لنفسي، فقلت له غالبًا إن ذوقي لن يعجبها، فقال هي تلبس لك لماذا يجب أن تختار، فقلت له ليس الأمر كما تقول أنا أقول لها أن تراعي آداب الحشمة وآداب العفة في الإسلام، أما بعد ذلك فلها مجال كبير في الاختيار، إن معاملة الزوجة والطفل بصور المصادرة هو تكريس للاستبداد في الأسرة والاستبداد الكبير يصنعه الاستبداد الصغير، فالحاكم المستبد يبدأ بالأسرة، ولذلك لابد أن نقوض أركان الاستبداد  في التربية الأسرية وفي التربية المدرسية أو في المؤسسات الإدارية وفي الحركات السياسية ومنها الحركات الإسلامية، أن نكرس للرأي الآخر أن تصبح الإمارة مؤسسة، أن نجعل من الإمارة مؤسسة وليس حاكمًا ولا حقًّا مكتسبًا، وأن تصبح قوامة الرجل ليس استبدادًا وإنما إدارة، أما عن الديمقراطية فمشكلها فرع آخر من هذا المشكل إننا أولًا نحن إذا كان هناك فن الإخراج في هذا العصر أو فن التزويق، يبدو أنه ليس أعجز منَّا نحن الإسلاميين في هذا الفن.

كثير من السلع الفاسدة البسيطة يتناولها فنانون ومحامون ويجعلون منها سلعة رائجة، أما نحن فسلعتنا يتناولها محامون فاشلون فتخسر ويلصقون بها أبغض ما يكره الناس من القبح... مثلًا حركة إسلامية في بلدنا تعبر تعبيرًا صادقًا عن فساد ذوق المسلم في هذا البلد يصدر بيانًا بالعنوان التالي «لا حرية في الإسلام» هل هناك أبشع من هذا الذوق، قد يكون قصده حقًا هو «لا حرية مطلقة في الإسلام» فالحرية في إطار قيم الشريعة الواسعة ولكن انظر إلى هذا الحضيض في الذوق، أن أقول لا ديمقراطية في الإسلام ولا حرية في الإسلام.... لماذا يفعل هذا المسكين هكذا؟ لمجرد أن يناوئ حركة إسلامية أخرى وهي لیست حركة سياسية؟! إلى متى نصوِّب سهامنا إلى بعضنا البعض؟! إلى متى نصوِّب سهامنا إلى الإسلام فنسيء إليه من حيث ظننا أننا نحسن صنعا، الديمقراطية مفهومها واسع وهي من الألفاظ المشتركة التي قد تصدق على أنظمة في غاية التباين إلى درجة التناقض... الديمقراطية اليوم تطلق على الأنظمة الاشتراكية حيث الحزب الواحد والرأي الواحد .. وتطلق على ديمقراطية ليبرالية وتطلق على أنظمة في بلادنا هي معادية للديمقراطية، فهي مصطلح مشترك فأولى بنا أن نحدد مفهومها لهذا المصطلح، فإذا كان هذا المفهوم يعني حق تقرير المصير... إن للإنسان أن يختار معتقده وأن يعبر عنه وأن السلطة ليس لها من شرعية إلا ما تستمده من رضا الناس وأن الناس قوامون على حكامهم وأن من القوامة أن يوالوهم وينصحوهم وأن يخلعوهم من السلطة خلعًا.... فأي معنى من معاني الديمقراطية الذي نقصده؟! إلا أن يكون قد ترسخ في أذهاننا ما ورثنا عن فقهائنا ويكادون يُجمعون على هذا وهو شرعية حكم المتغلب» إنه أمام حكام يتنازعون السلطة، فالفقيه يتربص ما ستسفر عنه النتيجة ويصدر إقراره بشرعية السلطة الغالبة... إذا كان هذا ما ورثنا في حياتنا عندئذ من حقنا أن نكون أعداء للديمقراطية... لم نسجن.. لم نقهر... لم تُقْصَ حركتنا الإسلامية... لم تذبح إلا عندما ساد الاستبداد !! فقضيتنا وعدونا الأول والأخير هو الاستبداد، فلماذا نفتعل الأعداء، أَحْسَبُ أن للمسلم اليوم عقلية مركبة تركيبًا عجيبًا أن يفتعل أعداء غير موجودين وينصرف عن أعدائه الحقيقيين أن يصطنع عدوًا مثل الديمقراطية بينما هو ضحية للاستبداد وينصرف عن مقارعة عدوه الألد وخصمه الأكبر وهو الاستبداد، قطعًا إن الديمقراطية لا تعني أن يصبح الحلال حرامًا والحرام حلالًا، فما أحله الله سبحانه وتعالى وما حرمه ثابت إلى الأبد هناك حرية واسعة في دائرة الإباحة الشرعية والله سبحانه وتعالى قد خلقنا أحرارًا لم يرهقنا بالتكاليف وجعل لنا حدودًا واسعة نتحرك في إطارها... فأن نختار من يحكمنا شخصًا أو حزبًا، وأن نختار السياسات التي تحكمنا حربًا أو سلمًا، وأن نختار النظام الاقتصادي إلى حد كبير أن يميل إلى الاقتصاد الموجَّه أو إلى الاقتصاد الحر، ونختار نظام تعليمنا هل يعتمد على النظام الخاص أو النظام العام، فالذين يظنون أن الإسلام قد حدد كل شيء وأن الدولة الإسلامية مفهوم جاهز حاضر واهمون....

والله أعلم.

  • كيف ننزل مقولة الإمام البنا «أن نعمل على ما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه في إطار هذا الخلاف؟»

هذه المقولة نقلها الإمام البنا رحمه الله حسبما ما ورد عن الشيخ القرضاوي هي مقولة مدرسة المنار فأحياها الإمام البنا ونُسبت إليه وهو تعبير جميل وصياغة جميلة لما ينبغي أن يسود العلاقات بين المسلمين وغيرهم من تسامح يتجه أو يقوم على إبراز جوانب الاتفاق بيننا وبين خصومنا سواء كانوا سياسيين أو عقائديين، أن نتجه في وطننا وفي العالم إلى إبراز ما هو متفق عليه، ولا شك أننا سنجد في وطننا مخالفين إسلاميين وغير إسلاميين كثيرًا مما نتفق عليه خاصة ونحن في مرحلة تاريخية معرضون لأخطار جذرية تهدد فكرنا وثرواتنا وحرياتنا وأمتنا، أمام الخطر الإسرائيلي.... أمام الزمن الإسرائيلي، نحن حرِي بنا أن نرفع من شأن هذه المقولة ونتجه إلى إقرار صنوف من مستويات متعددة من التضامن الوطني ومن التحالفات لمواجهة العدو المشترك..... الاستبداد ... التخلف... ورأس ذلك كله إسرائيل والله أعلم.

المجتمع: ماذا لو جاء خطاب الحركة الإسلامية منفتحًا يتعامل مع الواقع بموضوعية ويتداخل مع الآخرين بحيث لا تصبح الحركة مجرد حزب وإنما تسير في نهج منفتح يتعامل مع الآخرين بصورة أوسع من الشكل الحزبي؟ ما هو تعليقك؟

الغنوشيحري أن يدعم هذا التوجه، أن ندعم في أمتنا التوجُّه نحو اللقاءات العامة التي تجمعنا على نطاق واسع مع كثير من مخالفينا... أن نبحث عن كل سبب يجمعنا مع مخالفينا لنعقد على أساسه تعاونا لمجابهة عدو من الأعداء أو لتحقيق مطلب من مطالبنا الوطنية.. مما يهدد وحدتنا اليوم، المذهبية الحزبية الضيقة الطائفية والعرقية، وهناك مخطط كبير لتمزيق أمتنا أحزابًا وأعراقًا وطوائف وآيات... ذلك ظاهرة على أكثر من صعيد، فما أحوج أمتنا إذن إلى أن تبحث بحثًا جادًّا وناصبًا عما هو مشترك في مكوناتها لتجعل منه رصيد انطلاق لمواجهة خطر التشرذم والتمزيق والمخطط الإمبريالي الصهيوني العامد إلى تحويل أمتها إلى شتات لا أمل للالتقاء بعده، هذا التلاقي يجب ألا يكون على حساب المبادئ والقيم، فأنا إذ ألتقي معك ينبغي أن أكون مدركًا ما بيننا من اختلاف وأيضًا مدركًا إدراكًا واعيًا ومركِّزًا ذهني عليه من نقاط اشتراك، فإذا نظرنا إلى أمتنا إلى ما يجمع بين جميع طوائفها لوجدنا الكثير مما يجمعنا كمسلمين وحتى بيننا وبين غير المسلمين هناك قضايا تجمعنا، ألم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته مبدأ مشتركًا بين كل التركيبة المكونة لذلك المجتمع الصغير، فإذا لم يختصر الرسول صلى الله عليه وسلم تلك التركيبات الصغيرة فما بالنا وأمتنا قد اتسعت عوامل التفرقة فيها والتدخلات الخارجية والموروثات التاريخية، فما أحوجنا إلى عقول كبيرة وقلوب كبيرة وأخلاقيات رفيعة تدفعنا للاتفاق، ومن واجب وحدة الصف إقرار الاختلاف وتنظيمه حتى لا يمزق الأمة وينبغي ألا يصرفنا إلى وحدة إرادتنا وقرارنا وما ذلك إلا بترسيخ مفاهيم الحرية والديمقراطية والشورى والتسامح وكرامة الإنسان، وإدارة الاختلاف عبر المؤسسات الصحفية والسياسية الدستورية وعبر تنمية المجتمع المدني على حساب المجتمع السلطوي المجتمع المدني المكون من أحزاب ونقابات وصحف واتحادات وجماعات خيرية هذا المجتمع الذي ينظم نفسه بنفسه على حساب المجتمع السلطوي الذي تنعقد له السلطة والسيادة، فإذا حرص حرص المجتمع وإذا صح صح المجتمع، هذا هو حال المجتمعات الإسلامية اليوم، على أن تاريخ المجتمع الإسلامي هو مجتمع شعبِي مدني ينظم الشعب فيه وعيه بأهميته وبحريته وثقته بنفسه، لذلك يعمد إلى الخروج عن السلطة عن طريق تنظيمات سياسية وحزبية ونقابية ومهنية، أن صلح الحاكم كانت له دعمًا كبيرًا، وإن فسد الحاكم وطغى كانت له كابحًا وشوكة في حلقه وقد يصل الأمر إلى تراص المجتمع المدنِي حتى الإطاحة بالنظام أن واصل احتقاره للشعب.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

191

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 3

153

الثلاثاء 31-مارس-1970

شكر وتقدير