; في بيتنا أم أخرى | مجلة المجتمع

العنوان في بيتنا أم أخرى

الكاتب حياة الجاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1993

مشاهدات 57

نشر في العدد 1032

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 05-يناير-1993

في بيتنا أم أخرى

تحقيق من إعداد: حياة الجاسم

لا.. ليست هي الجدة أو حتى زوجة الأب، كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكنها للأسف الخادمة، نعم، ففي كثير من البيوت والأسر صارت الخادمة أمًا للأطفال، تقوم بكل مهام الأم وواجباتها نحو أطفالها ما عدا الحمل والولادة بالطبع، فكيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟، وما المهام التي يجب ألا تتعداها الخادمة والأعمال التي ينبغي ألا تقوم بها؟

ولماذا وصل الأمر إلى هذا الحد؟ وما مدى خطورته؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا التحقيق من خلال مقابلاتنا مع بعض الأمهات من العاملات وغير العاملات.

  • لقاؤنا الأول كان مع السيدة سلوى البدر- الموظفة في جامعة الكويت والحاصلة على شهادة الماجستير في الكيمياء- تقول السيدة سلوى:

بحكم وظيفتي فإني متغيبة عن منزلي طوال النهار، ولله الحمد فقد وفقني الله بخادمة ممتازة تجيد اللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم، ولذلك صرت أعتمد عليها في تدريس الأطفال إلى جانب تدبير شؤون المنزل، وفي الحقيقة فقد كنت مسرورة بها غاية السرور، فقد كفتني هم تدريس الأولاد وحتى عندما يحضرون الشهادة الدراسية، فهي التي تتولى مراجعة الدرجات، وأنا كنت أسألها عن كل صغيرة وكبيرة في هذا الأمر، كنت راضية عن الوضع تمامًا حتى تبين لي مع الوقت أمر ضايقني جدًا، ليس ذلك تعلق أطفالي الشديد بها، فقد لاحظت تعلقهم من البداية، ما ضايقني حقًا هو شدة سيطرة تلك الخادمة على جميع أمور المنزل وعلى تصرفات أطفالي؛ حتى إنني عندما كنت أطلب من أحد أطفالي أن يقبلني ما كان يجرؤ على ذلك حتى يستأذن الخادمة، فإن قبلت كان بها، وإن رفضت كان الصغير يرفض تمامًا، هذا في الواقع ما ضايقني جدًا.

وكيف كان حلك للمشكلة؟

  • بصراحة لم أستطع حل المشكلة، فهذه الخادمة عندي منذ سنوات، وأنا أعتمد عليها اعتمادًا كبيرًا في تدبير شؤون المنزل، وتدريس الأولاد كما ذكرت!!

انتهى حديث السيدة سلوى، والذي لا بد وأنه أثار الدهشة لدى العديد من الأمهات؛ إذ كيف تسمح أم عاقلة أن تصل الأمور داخل منزلها إلى الحد، الذي تحدثت عنه صاحبة الحديث، ثم لا تعرف كيف تجد حلًّا مناسبًا لها؟

  • الأخت ح. م. ف.. - مدرسة مستقيلة، وربة بيت حاليًا- لها رأي مخالف تمامًا لرأي السيدة سلوى، فتقول:
  • إني أرى أن دور الخادمة في المنزل يجب ألا يتعدى المساعدة في تدبير شؤونه المادية من غسيل وكنس وتنظيف؛ لتخفيف العبء على الأم سواء كانت عاملة أو غير عاملة، لكني أرفض تمامًا أن يكون لأطفالي علاقة خاصة بالخادمة أكثر من العلاقة الأخوية التي حددها الإسلام بقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «إنما إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم»، وعليه فإني لا أحب أن تتولى الخادمة أي شأن من شؤون أطفالي سواء تنظيفهم أو تلبيسهم أو تغذيتهم أو حتى إطالة مدة المكوث معهم، ولكن حتى أكون صادقة فيما ذكرت فإني لا أمانع في ذلك وقت الضرورة مثل المرض أو انشغال اضطراري، كما أني لا أذكر بحمد الله أني تركت الخادمة تقوم بعملية الاستحمام لأحد أطفالي أو إعطائه الرضاعة الصناعية لمن لم أرضعه رضاعة طبيعية، فأنا أرى أن هذا من صميم واجب الأم تجاه أبنائها، كذلك لا أسمح للخادمة بأن تقوم بعملية التربية أو تشاركني فيها وإن كانت الخادمة مسلمة، فإن كنت لا أحب أن تشاركني أمورهم المنزلية، فكيف أرضى أن تصوغ أفكارهم وأسلوب حياتهم وثقافتهم وتصرفاتهم؟، إني والله لأغار إن رأيت بعض التعلق من طفلي بها بحكم التعود على وجودها في المنزل، فكيف ألقي بهم إليها المدد الطويلة وأنا غائبة عنهم لا أدري ما تفعل بهم أو لهم؟!! هذا الأمر هو الذي دفعني للاستقالة على مغريات العمل، فقط كي لا أترك أطفالي في رعاية الخدمة بعد انتقالنا لمسكن مستقل، وانعدام الرقابة من جدة أو عمة!

انتهى حديث الأخت «ح»، والذي يتبين من خلاله حرص هذه الأم على أداء مسؤوليتها كاملة نحو أطفالها ووعيها التام بمخاطر وجود الأم البديلة داخل منزلها، لكن مع الأسف الشديد قلة من الأمهات من ينظرن للأمر من منظار الأخت «ح» المثالي، وتعالوا نسمع رأي السيدة فضيلة عبد الله حول هذه القضية.

  • «أنا امرأة عاملة وأم لأربعة أطفال، وأنا في الواقع أعترض على رأي السيدة «ح» تمامًا، فلست أرى بأن تقدم الأم جميع هذه التضحيات، فمباشرتي التامة لأطفالي ستكون على حساب صحتي وراحتي وهنائي، كذلك أرى أن الناس تبالغ كثيرًا حين تتحدث عن مخاطر الخادمة عند قيامها بتربية الأطفال، وأنا عن نفسي أعهد إليها بكل أمور أطفالي منذ الصغر، فأنا مثلًا بمجرد الولادة أعهد بطفلي الصغير للخادمة منذ أسبوعه الأول، فهي التي تطعمه وتسهر معه أثناء الليل، وإلا لماذا أحضرتها أنا ما دمت سأتولى جميع أموره!

س: ألا تعتقدين أن هناك بعض الخطر عند تسليم طفل صغير لم يتجاوز عمره أسبوعًا واحدًا لخادمة؟

جـ- لا.. لست أرى أي خطر عليه، وها هم أولادي جميعهم ربيتهم بنفس الطريقة، كما قلت الناس تبالغ كثيرا عند حديثها عن هذا الأمر، وهل يجب على الأم أن تتعب وتشقى طوال العمر؟

وهكذا بينما نرى علماء النفس يشددون على ضرورة أن تكون الأم هي الشخص الوحيد، الذي يتولى العناية بالطفل في عاميه الأوليين نرى السيدة فضيلة تضرب بآراء العلماء عرض الحائط مفضلة راحتها وهناءها على أي أمر آخر.

أما الأخت ف. س الموظفة حديثًا، فتقول:

«الخادمة في بيتي تقوم بالغسيل والتنظيف والطبخ، إضافة إلى العناية بطفلي والتغيير له وتلبيسه أحيانًا، وأنا أعتقد أن تعلق طفلي بها بسيط وهو يحبها».

س: هل تسمحين لها بالمشاركة في عملية تربيتهم؟، وما مدى خطورة هذا الأمر برأيك؟

جـ- طبعًا، لا أسمح لها أن تربي أطفالي، لكني لاحظت أنها علمت طفلي ذا السنتين تعداد الأرقام باللغة العربية، وهذا في نظري جيد، أما أن يزيد الأمر عن تعليم الأمور البسيطة والعادية، فهذا غير مقبول عندي كأن تعلمه عادات غير عاداتنا، وأنا أراقبها دائمًا».

السيدة م. التمار- ربة بيت- تقول:

«لا يمكنني الاستغناء عن الخادمة، ومن أهم سلبياتها تعلق الطفل بها، وهذا يتضح جيدًا وقت سفرها إلى بلدها، فالطفل يتألم كثيرًا لفراقها، والأم تتأثر كذلك بسوء مزاج طفلها، إضافة إلى أن الخادمة قد تعلمهم أشياء ليست من عاداتنا أو تقاليدنا أو حتى ضد تعاليم ديننا».

إن الطفل عجينة لينة بيد المربي يشكلها كيف يشاء، ولذلك فإنه متى ما اكتسب الطفل من الخادمة بعض التصرفات أو العادات تأصلت فيه وشب عليها وصعب بالتالي تخليصه منها.

لقاؤنا الأخير كان مع الدكتورة ضياء عبد الله، التي تشارك في القضية من منظور عملها كطبيبة أطفال، فتقول:

«من المؤسف أن حوادث الأطفال الذين يتركون برعاية الخادمة كثيرة ومتنوعة، وأنا من خلال عملي قد مرت علي حالات عجيبة ومذهلة من أمراض شتى أصيب بها الأطفال، الذين عهد برعايتهم إلى الخادمة، ومن المؤسف أن أغلب هذه الحوادث سببها الإهمال من الخادمة ليس إلا، وأقول بصراحة: إنني آسفة كثيرًا أن أرى الكثير من الأمهات قد اتكلن على الخدم في رعاية أطفالهن، وأنا غالبًا عندما أسأل الأم عن كيفية إصابة طفلها بهذا الجرح أو ذاك الحرق، فإنها تقول: لا أدري، لقد كان عند الخادمة، وقد كانت دهشتي شديدة عندما شاهدت الأم تتركه في المستشفى برعاية الخادمة وتنصرف هي لسهرة من سهراتها، هذا مثال من أمثلة كثيرة مؤسفة نتعرض لها من خلال عملنا بالمستشفى، وإنني ألقي باللوم الشديد على الأم التي تتجاهل نداء ضميرها وتعهد برعاية طفلها إلى خادمة أيًا كانت جنسيتها وثقافتها!!

وهكذا نأتي إلى ختام هذا التحقيق الصحفي، وقد لاحظنا أن الغالبية ترفض مشاركة الخادمة في عملية التربية، ولكن من هي الأم الصادقة مع نفسها الحريصة على فلذات كبدها، التي يكون تصرفها مطابقًا لقولها، إنني أرى الكثير من الأمهات اللاتي يدعين رفضهن أن يتعلق أطفالهن بالخدم، وقد تعلق أطفالهن بالخادمة فعلًا، وبنظرة سريعة لإحدى الحدائق أو الأماكن السياحية نشاهد أغلب الأطفال بصحبة الخادمة، فهي التي تطعمه وتلبسه وترفه عنه، كذلك وحتى في حالة المرض فالخادمة هي التي تحمله على صدرها سائرة خلف الأم المهتمة في زينتها!!

لقد قرأنا مقالًا للأخ فيصل الزامل في جريدة القبس يروي فيه حادثة عجيبة متعلقة بموضوعنا، ويتضح لنا من خلال القصة التالية عظيم الخطر، الذي يؤثر في نفوس الأطفال، وينغرس فيهم حتى إذا ما كبروا صعب عليهم أن يتخلصوا منه؛ لفرط تعلقهم بالأمهات البديلات، وشعورهم بقوة الرباط النفسي بينهم، هذا إن كانت الخادمة حنونًا عطوفًا، وإلا فإن كثيرًا من الخدم لا يتورع عن إيذاء الأطفال بصور مختلفة مادية أو معنوية، انتقامًا أو إهمالًا، عمدًا أو جهلًا، والأثر النفسي في كلتا الحالتين غير سوي ولا صحي ولا هو مطلوب، والحادثة كما يرويها الأخ الزامل تتلخص في أن أحد الرجال ممن بلغ الثلاثين وأب لأطفال يروي لطبيبه النفسي أنه يتحين الفرصة لزيارة الهند ويركب قطارًا يأخذه إلى إحدى القرى البعيدة؛ حيث توجد مربيته الهندية، التي لم ينسها منذ طفولته، فيذهب إليها مشتاقًا يرتمي بين أحضانها يبكي حنينًا وحبًّا، كما أنه لا ينكر وهو الملتزم بدينه أنه يشعر بنوع من القدسية لدين هذه الهندية، والترانيم التي كانت تغنيها له منذ طفولته، فاقرأ أخي المسلم، أختي المسلمة.. وتأمل.





 

الرابط المختصر :