العنوان في خطط الانحراف.. الشباب أول فئة مستهدفة
الكاتب نظيرة البدر
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988
مشاهدات 57
نشر في العدد 858
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 15-مارس-1988
إن الحديث عن
الشباب لا يقصد به الحديث عن فئة عمرية في داخل المجتمع، وإنما هو الحديث عن
المجتمع كله؛ فما قوام هذا المجتمع في حركته ونهضته ونشاطه إلا بالشباب. فما هو
إلا كتلك المضغة التي في جسد الإنسان والتي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد
الجسد كله، ألا وهي القلب. وما الشباب سوى قلب المجتمع الذي ينبض بالحركة والعمل
والأمل، فيمد المجتمع حياة وبقاء.
إن الشباب هم
الفئة التي يتصارع عليها العالم كله: بيهوده وشيوعييه ونصاراه وملحديه وفجاره
وفاسقيه. إن العالم كله يتنازع هذه الفئة، أيهم يصل إليها أولًا. من استطاع جذب
الشباب إلى صفه حقق له النصر والبقاء؛ لأنهم الشريان الذي يمد تلك الدعوات
بالحياة.
لذا كانت هي تلك
المرحلة الحاسمة في حياة الإنسان التي استوجبت أن يقف الإنسان بها يوم القيامة كي
يسأله الله -عز وجل- عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه. لم يقل عن طفولة
أو شيخوخة، وإنما سأله عن شبابه؛ يسأله سبحانه عن الفترة العمرية التي كان يعيش
بها في قمة حركته وحيويته ونشاطه وتفتحه الذهني ووعيه اليقظ، في تلك الفترة التي
كنت فيها غنيًّا بأعطيات مُنحت لك من الله سبحانه؛ ماذا فعلت بها؟ هل كانت فريسة
لهوى أم لشهوة أم لعقيدة باطلة أم لدين عظيم خالد بخلود خالقه ومرسله.
من هنا كان
الحديث عن الشباب حديثًا يمس شغاف القلب؛ يلامس سعادات القلب وآلامه. سعادات
نعيشها ونحن نرى شبابًا تعلق قلبه في المساجد فكان من الذين يظلهم الله بظله يوم
لا ظل إلا ظله. وهذا ما شهده مجتمعنا منذ سنوات قليلة مضت مباركة وجدت لها من
يرعاها ويوجهها فكانت إشراقة جميلة على جبين كويتنا الحبيب؛ فما كان ذلك الشباب
الذي أحب الله سوى شاب أحب الخير كل الخير لأرضه ووطنه وأهله. ولربما ليس هذا ما
طُلب مني الحديث عنه، لقد طُلب مني الحديث عن مشاكل الشباب، ولكني لا أريد أن
يفوتنا أن نسجل -ومن على هذا المكان- كلمة حب وتقدير وإعجاب لكل شاب ارتضى منهاج
الرحمن طريقًا ودربًا وغاية وهدفًا، فكان حب الله هو الفيض الذي يفيض خيرًا على
هذه الأرض. فما نبت هذا النبات الطيب إلا من هذه الأرض المباركة الطيبة؛ هذه
النباتات التي نمت بتوجيه ونصح أولي الأمر ومعلمينا ومشايخنا فكانت نباتًا طيبًا
عطرًا. ولا أملك في هذه اللحظة سوى أن أقول: اللهم اجز عنا ولاة أمرنا ومعلمينا
ومشايخنا وكل من سعى مخلصًا لله وللكويت؛ اللهم اجزهم عنا كل خير ووفقهم إلى ما
تحب وترضى.
إننا اليوم أمام
قضية قبل أن نسميها مشكلة الشباب، فنحن اليوم أمام قضية أبنائنا وأخواتنا قبل أن
نقول إننا أمام قضية عامة، فهي قضية تخص كل بيت من بيوتنا. لا نستطيع أن نطرحها
دون أن نُحس أنها قضية كل فرد قبل أن تكون قضية مجتمع.
إننا اليوم نضع
شبابنا في قفص الاتهام، الشاب اليوم متهم يُدار حوله الحديث والحوار والبحث
والتدقيق، وتُطرح قضيته أمام الملأ لا لتبرئته، وإنما لتحديد الأسباب التي دفعته
إلى ما هو فيه.
قبل البدء في
هذا لدي سؤال أحوج ما نكون إليه في هذا الوقت هو: هل الشاب جانٍ أم مجني عليه؟ هل
انحرف لأنه حمل في أعماقه نوازع الانحراف والضياع والتشرد؟ أم أنه غُذي بطعم
الانحراف فكان قادرًا على حمل الجرثومة أيًّا كان لأنه مهيأ للمرض؟
وآمل ألا نعاتب
شبابنا ونكون كمثل من قال: "ألقاه في البحر مكتوفًا وقال له إياك إياك أن
تبتل بالماء".
الجولة قبل أن
تكون جولة انحراف الشباب هي جولة مع الأيادي العديدة التي تمتد إلى الشباب فتُضيع
منه إما بضاعة غالية ثمينة أو بضاعة رخيصة.
وما يهمني في
ذلك كله سوى أنني الآن أمام أخطر يد تُمَد إلى الشباب ألا وهي المرأة، المرأة إما
أختًا وزوجة، فما نحن كمؤسسات ترعى الشباب سوى مؤسسات تكميلية في أغلب الأحيان
تقوم بدور الترميم وليس البناء؛ إن دورنا تتمة لدور أصيل يخرج من البيت. البيت
يُلقي بالأسباب على المدرسة والمدرسة على الإعلام والإعلام على الرفقة والصحبة
والرفقة على الأسرة وأنا أقول المرأة.
ولا أقصد في
كلامي هذا أن أعفي الجمعيات النسائية أو النفع العام من الدور الملقى عليها، ولكن
أوضح المدى الذي تستطيع هذه الجمعيات أن تتحرك من خلاله، فما نحن سوى حلقة ضمن
دائرة، وما نحن سوى جزء ضمن كل.
وعندما أتحدث عن
جمعية بيادر السلام على وجه الخصوص أقول: إننا جمعية نتعامل مع فئة الشباب؛ ماذا
قدمنا؟ وماذا يجب أن نقدم؟
إن شبابنا اليوم
لا يطالبون بمشاريع موسمية أو أنشطة سنوية؛ إن هذا لا يحقق المطلوب لذا سعت
الجمعية أن تمنح لمن يرتادها جوًّا تربويًّا ثقافيًّا هادفًا كان هو بمثابة الجو
البديل لجو خاطئ يعيشه شبابنا. لا نريد أن نقف أمام مشكلة دون إيجاد الحل، والحل
على وجه العموم هو أننا لا نستطيع أن نواجه شبابنا بكلمات قاسية: أنت منحرف وأنت
شاذ وأنت ضائع دون أن نوجد الأجواء البديلة الخيرة كي يعيش في مناخ صحي نظيف
يُعينه على العمل وعلى العطاء.
إننا نطالب
الشاب بترك كل ما هو خطأ في حياته، ولكن أين البدائل المشوقة التي لا تأتي به
مجتمع نظيف ولكنه جاف ممل؟ إننا اليوم أحوج ما نكون إلى استمالة الشاب إلى الحق
والاستقامة والعمل الجاد من أجل خدمة أرضه ووطنه، ولكن لا نريد أن نعطيه حلولًا
تزيده حيرة وقلقًا، حلولًا نظرية تطير في الهواء. إن الرذيلة اليوم جميلة،
استخدموا لها كل أساليب الإغراء والإغواء، ولكن لا زال هذا الجو النظيف الذي ندعو
إليه الشباب جوًّا كان فيه الحق كل الحق إلا أنه مجتمع ممل جاف يفتقد التشويق
والجذب.
وأيضًا لا ننسى
أننا أمام نفس بشرية تتنازعها قوى الخير والشر؛ لا نريد أن نقسو عليه فيكون قيادها
صعبًا ولا نريد اللين والتسيب الذي يضيع فلذات أكبادنا من بين أيدينا دون أن نشعر.
إلى جانب أننا
نسعى إلى حلول واقعية كأن لا أطالب بتغيير الإعلام، ولكن فلأطالب الأم أن تراقب
الحركة الإعلامية في بيتها من تلفزيون وفيديو وصحف إلخ؛ فكان ذلك الحل الأكثر
واقعية والأكثر جدوى.
نسعى إلى حلول
واقعية وإنسانية في آن واحد. من هنا حرصنا بدورنا على توعية المرأة وهذا هو
مجالنا، المجال الوحيد لتجوالنا هو المرأة فأحوج ما تحتاجه المرأة في بلدنا هو
التوعية النوعية أيًّا كانت صورتها - تربوية ثقافية اجتماعية صحية دينية. لذا فكان
نشاطنا يشمل لقاءات أسبوعية في أربعة منتديات لفئات عمرية مختلفة: للطفل بخلق جو
ترفيهي مسل تربوي، وللمرأة الأم وربة البيت والعاملة، وللفتاة ففُتح المجال أمام
المرأة كي تحقق ذاتها من خلال عمل اجتماعي تشعر فيه بأنها عضوة منتجة تحمل بين
يديها أمانة هي سلامة هذا المجتمع وحفظ كل من فيه من الزيغ والشرود والضلال.
هذا إلى جانب
فتح مجال العمل الخيري الذي تترجم المرأة من خلاله أهدافها وآمالها وطموحاتها،
وحرصًا من الجمعية على فتح مجال لعمل المرأة التطوعي فقد أُنشئت لجنة للزكاة ترعى
شؤون الفقير والمحتاج؛ ليس فقط ماديًّا وإنما معنويًّا، هذا بالإضافة إلى مشاركة
الجمعية في جميع المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية تحقق من خلالها نفعًا
وثمارًا طيبة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل