; في خطى المسيح عليه السلام | مجلة المجتمع

العنوان في خطى المسيح عليه السلام

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 02-يناير-2010

مشاهدات 72

نشر في العدد 1883

نشر في الصفحة 66

السبت 02-يناير-2010

الأخيرة

لدى قراءتي في كتاب الباحث اللبناني المسيحي «نصري سلهب» «لقاء المسيحية والإسلام»، اطلعت على درر متألقة صدرت عن المسيح -عليه السلام- وبخاصة في الفصل المعنون بـ «في خطى المسيح».. كنوز من الحكمة والرؤية النبوية الثاقبة، تبدو بالنسبة للمسلم بالذات أمرًا طبيعيًا تمامًا، وهو ينظر باحترام وتقدير وتقديس وإعجاب إلى الأنبياء جميعًا -عليهم السلام- ويرى في كلماتهم المتوهجة نبض الخطاب الإلهي للإنسان.

الخطاب الذي يخرجه من الطرق المعوجة إلى الصراط، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.. الخطاب الذي يريد أن يضع الإنسان والبشرية في دائرة الأمن والاطمئنان والتوحد والسعادة واليقين.. الخطاب الذي يرفع الشعار الواحد الذي حرر الإنسان من سائر صيغ الصنمية والشرك والوثنية والطاغوتية والاستلاب. معطيات الأنبياء -عليهم السلام- في منظور المسلم تستمد من منبع واحد، وتؤول إلى الهدف الواحد: «شهادة أن لا إله إلا الله»، واعتماد منهجه أو كلماته لإعادة صياغة العالم بما يليق بالإنسان.

لم يخطر على بال المسلم يومًا أن يفرق بين أحد من رسل الله ﴿آمَنَ الرَّسُولَ بما أنزلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلَّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائكته وكتبه وَرُسُلِهِ لا نُفَرَقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِه وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ (البقرة: 285)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرَقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونكفر ببعض وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلك سبيلا (150) أَوْلَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا للكافرينَ عَذَابًا مُهينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مَنْهُمْ أَوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ الله غفورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ (النساء: 150-152).

كل الأنبياء -عليهم السلام- في منظور المسلم سواء.. إخوة كادحون على الدرب الواحد الواصل إلى الله.. بناؤون يواصلون رفع الجدران، وإقامة الأعمدة، بانتظار اليوم الذي سيجيء فيه الرسول الخاتم  لكي يتم البناء.

عيسى -عليه السلام- تحديدًا، وباعتباره النبي الذي سبق محمدًا ، طالما أكد هذا المعنى، وبشر بالرسول القادم من رحم الغيب، نقرأ هذا في إنجيل لوقا «ويوحنا»، و«متى»، و«بولس»، كما نقرؤه في إنجيل «برنابا» الذي أصدرت عليه الكنيسة حكمًا بالإعدام منذ قرون بعيدة؛ لأنه صرح بنبوة محمد ﷺ بأكثر مما يجب.

ورغم ما طرأ على مقولات الأنبياء وكتبهم وصحفهم من تحريف كاد يأتي على الكثير من آياتها البينات.. ظلت ثمة معطيات تكاد تتخفى تحت ركام الأباطيل، ويمكن أن يرى الإنسان فيها أنبياء الله على حقيقتهم، ويسمع صوتهم الأصيل.

من هذا القليل المتبقي يعثر الإنسان على كنوز الحكمة التي صدرت عن السيد المسيح -عليه السلام- والتي ينقل لنا جانبًا منها «نصري سلهب» في كتابه ذاك..

ومن هذا القليل المتبقي نلمح تطابقًا يثير الإعجاب بين ما قالته الكتب الدينية السابقة قبل تحريفها، وما يقوله القرآن الكريم.

ولقد أعلنها القرآن صريحة واضحة.. أنه جاء ﴿..مُصَدِّقًا لما بين يديه من الكتاب وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة: ٤٨)، أي مؤكدًا بقايا الصواب في الكتب الدينية السابقة، ونافيًا خبثها وزبدها وتحريفاتها التي حقنها بها الكهنة والوضاعون.

المنبع واحد.. والنبض واحد.. والهدف واحد.. ورغم تحريف المحرفين يظل في الكتب المنزلة على الأنبياء السابقين، وصحفهم مساحات من الصدق الباهر.. من الحكة الإلهية التي أغدقها الله سبحانه على أنبيائه الكرام.. من التعاليم المدهشة التي تقود إلى الصراط.. من قيم السلوك التي تستهدف حياة مترعة بالنبل والطهر والاستقامة والوضاءة.

إنها النبوة الواحدة، والدرب الواحد، أخوة العقيدة التي جعلت الأنبياء كافة يقفون في المسجد الأقصى صفا وراء محمد يصلون لله سبحانه قبيل العروج برسوله إلى السماء.

ولا يملك الإنسان نفسه من الحزن وهو يرى كيف تفرقت السبل بهذه الوحدة الدينية، وكيف دس المدسوسون أنوفهم لكي يفرقوا بين الله ورسله عليهم السلام.

أترى متى سيجيء ذلك اليوم الذي يعود فيه الجميع إلى وحدتهم التي أرادها لهم الله سبحانه يوم أن بعث رسله تتري على البشرية حينا بعد حين؟

الرابط المختصر :