; في دراسة لمؤتمر «النزاهة والفساد في العالم الثالث» | مجلة المجتمع

العنوان في دراسة لمؤتمر «النزاهة والفساد في العالم الثالث»

الكاتب خدمة قدس برس

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1306

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 30-يونيو-1998

باحث مصري: خلل في نظم المساءلة والرقابة وراء انتشار الفساد الإداري

البيروقراطية تضعف دور منظمات المجتمع المدني.. و80% من المصريين يعزفون عن الجمعيات الأهلية.. و88% يقاطعون المشاركة في الأحزاب السياسية.

يُعد الفساد من أخطر الأمراض السياسية التي تواجه دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء، لما يمثله من عقبة رئيسة وحاجز أساسي أمام التنمية المستديمة العادلة التي تسعى إليها المجتمعات وتحشد الدول لتحقيقها مواردها، وحول الفساد والنزاهة في العالم الثالث عقد مركز ابن خلدون للتنمية الذي يتخذ من العاصمة المصرية -القاهرة- مركزًا له، مؤتمرًا في العاصمة الأردنية -عمان- مؤخرًا، طرحت فيه أبحاث حول هذه المسالة من قبل عدد من المختصين، وقدم الباحث المصري سامح فوزي في المؤتمر دراسة حول ظاهرة الفساد في مصر اشتملت على قراءة لأبرز قضايا الفساد التي عانى منها المجتمع المصري.

ويؤكد الباحث فوزي أن النظر في قضايا الفساد يساهم في كشف آليات التعامل الرسمي مع الفساد العام، ومظاهر القوة والضعف في نظام المسالة والشفافية، ما يمكن من رؤية ظاهرة الفساد في المجتمع على نحو أفضل، ويعتقد الباحثون أن منشأ الفساد هو «سوء استخدام الوظيفة العامة بغية تحقيق منفعة شخصية»، ويتناول سامح فوزي في دراسته ثلاث قضايا رئيسة اهتم بها الشارع المصري وهي قضية «الحباك»، وقضية «الليثي»، وقضية «وزير الداخلية السابق اللواء حسن الألفي» ويستنتج في النهاية ملاحظات حول نظام الرقابة ضد الفساد.

  1. قضية «الحباك»

المهندس عبد الوهاب الحباك -الرئيس السابق لشركة النصر للأجهزة الكهربائية والإلكترونية «فيليبس»، والشركة القابضة للصناعات الهندسية- وجهت له النيابة تهمة الإثراء والكسب غير المشروع بعدما كشفت التحقيقات التي أجراها جهاز الرقابة الإدارية تضخم ثروته إلى نحو ۱۰۰ مليون دولار بما لا يتفق مع منصبه الوظيفي، ولاسيما أن إقرار الذمة المالية الخاص به عند انتهاء خدماته في ٢٣ مايو ١٩٩٦م كشف عن امتلاكه وديعة في بنك مصر قدرها 300 ألف جنيه فقط، في حين اعترف هو بحيازة ٢٠ مليون دولار في أحد المصارف السويسرية، وأعلن الحباك عن رغبته في رد هذا المبلغ لخزانة الدولة مقابل إغلاق ملف القضية، كما اعترف الحباك بأن له حسابات وودائع في مصارف عالمية، ويقال إنه استخدم الهاتف المحمول أثناء محاكمته في تحويل مبلغ ۱۰۰ مليون دولار إلى ابنه في الولايات المتحدة الأمريكية، وحكمت محكمة أمن الدولة العليا في ۲۸ يوليو ۱۹۹۷م بسجنه عشرة أعوام، مع تغريمه مبلغ ۱۸۲ مليون جنيه مصري «الدولار يعادل ٣,٤ جنيه» كعقوبة له لاستغلاله للوظيفة العامة في الكسب غير المشروع. 

وأشارت تقارير صحفية آنذاك إلى أن البطل الحقيقي في هذه القضية هو اللواء أحمد عبد الرحمن -مدير جهاز الرقابة الإدارية السابق- الذي فجر القضية، وأثار بذلك حفيظة قوى عديدة حالت دون تجديد رئاسته للجهاز الرقابي، وأدت لاتخاذ قرارات بعزله من قِبَل المسؤولين معللين ذلك بحصول الصحافة على معلومات واسعة حول تفاصيل القضية، وحملت مسؤولية تسرب هذه المعلومات للواء عبد الرحمن مدير الجهاز.

  1. قضية «الليثي»

ممدوح الليثي -مستشار وزير الإعلام، ورئيس قطاع الإنتاج في التليفزيون، ونائب رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون سابقًا- وتصدت الصحافة لقيادة معركة هذه القضية حتى تم الفصل فيها. 

وأدانت المحكمة الليثي بـ ٢٣ اتهامًا من بين ٢٦ وجهتها إليه النيابة الإدارية.

وأشار نص الحكم إلى انحرافات مالية خطيرة ارتكبها الليثي، كما أشار إلى محاولة الجهة الإدارية التي يعمل بها حجب المستندات عن اللجنة المشكلة من الجهاز المركزي للمحاسبة بناء على طلب جهات التحقيق، وتهديدها رئيس وأعضاء اللجنة بالطرد بهدف التأثير على العدالة.

ويشير الباحث سامح فوزي إلى أن هاتين القضيتين تتشابهان في عدة وجوه هي:

  1. كل منهما تخص أو تمس مسؤولًا في قمة الجهاز الإداري للدولة.
  2. أسدل الستار على القضيتين بصدور حكم قضائي يدين المتهمين. 

ج- الصحافة لعبت دورًا مهمًا في القضيتين، ولاسيما الثانية التي بدأت فيها الصحافة المعركة، ثم تبعتها أجهزة الدولة الرسمية، على عكس الأولى التي بدأت من خلال تقارير وتحقيقات جهاز الرقابة الإدارية ثم ذاع خبرها من خلال الصحافة.

  1. قضية «حسن الألفي»

وتُعد قضية وزير الداخلية السابق حسن الألفي قضية الصحافة الحزبية الأولى خلال عام ۱۹۹۷م، حيث دارت رحى المعركة بين صحيفة «الشعب» لسان حزب العمل ذي التوجه القريب من الإسلاميين، ووزارة الداخلية ممثلة في وزيرها وكبار معاونيه.

وقد خصصت الصحيفة ملحقًا يصدر مع كل عدد لها يختص بنشر انحرافات وتجاوزات وزير الداخلية ومعاونيه تحت اسم «صحيفة الحالة الجنائية للواء حسن الألفي» ويمكن تلخيص الاتهامات التي وردت في حق وزير الداخلية بالصحيفة على أنها تدور حول امتلاكه العديد من الفلل والمنازل والعقارات والشقق والأراضي على نحو يثير شبهة استغلال المنصب العام في التربح والكسب والتملك غير المشروع، وحصوله وعائلته على امتيازات في ملكية أراض وحصول نجله على صفقات مريحة دون دفع ثمنها، وامتلاك نجله الدبلوماسي الشاب محلًا تجاريًا يقدر ثمنه بنحو مليوني جنيه، وبيعه فيلا للمهندس عبد الوهاب الحباك بمبلغ ٦٠٠ ألف جنيه، رغم علم الوزير بالشبهات التي تدور حول الحباك، وتسهيل الاستيلاء على المال العام الآخرين، وتأسيس أفراد عائلة وزير الداخلية شركة تتمتع بتسهيلات مصرفية فريدة، وإهدار المال العام.

وكما هو معروف فقد أقيل وزير الداخلية حسن الألفي في أعقاب حادث الأقصر الشهير الذي وقع في نوفمبر ١٧ ۱۹۹۷م، وساد شعور وقتئذ أن حملة صحيفة «الشعب» على وزير الداخلية مهدت الساحة لعزله، وإن كان ليس من طابع القيادة السياسية عزل مسؤول المجرد توجيه اتهامات ضده، إلا أن الحادث الإرهابي البشع أعطى لها المبرر الكافي لإقالة وزير الداخلية، وصدر حكم المحكمة بحبس رئيس تحرير «الشعب» مجدي حسين لمدة عام وتغريمه مبلغ خمسة آلاف جنيه، بالإضافة لحبس صحفي آخر في الصحيفة، وهكذا أسدل الستار على قضية حسن الألفي، بتحويلها من قضية فساد مدعمة بوثائق ومستندات إلى قضية «سب وقذف» في حق مسؤول رسمي – على حد تعبير سامح فوزي. 

وبعد استعراض ما تمخض عن الكشف عن هذه القضايا يعدد فوزي مجموعة من الاستنتاجات، حيث يقول إن هذه القضايا أوضحت وجود خلل في نظام ة في مصر، وأن هذا النظام قد تعمل أجزاء فيه بكفاءة في فترة معينة، إلا أن عدم تكامله يضعف المسالمة من مقدرته الكلية.

ويقول إن أجهزة الدولة تكيل بمكيالين في قضايا الفساد، وليس هناك ضمان لاتباع طريقة معينة تفضي إلى ذات النتائج كل مرة، ويقول فوزي إن ثمة اتجاهات للتفرقة بين الفساد الإداري والسياسي، وهو ما يؤدي إلى التضحية بصغار الموظفين أو كبارهم دون الاقتراب من المسؤولين الذين هم بحكم التقاليد والأعراف البرلمانية أحق بالمسالمة والمحاسبة، ويشير إلى أن أجهزة الرقابة عندما تلقى تأييدًا من جانب الصحافة قد تحقق نتائج إيجابية في تعقب ظاهرة الفساد. 

ويقول الباحث فوزي في دراسته: إن نظام المسالة السائد في مصر بحاجة إلى تفعيل، فهو متخم بقوانين ولوائح وأعراف غير مقنعة تكبل حركته وتعوقها وتحوله إلى جهاز «معطل» أو على أحسن تقدير «ضعيف الفعالية» ويعدد لذلك جملة من الأسباب، مثل قصور الأجهزة الرقابية التي رغم كثرة عددها في مصر- وهي نحو ١٣ جهازًا- تتعارض اختصاصاتها في كثير من الأحيان، إلا إنها تعاني بدرجات متفاوتة من نصور بنيوي في أداء دورها، إما بفعل القيود المتضمنة في القوانين المنظمة أو بفعل الممارسات العرفية غير المقننة.

ومن الأسباب أيضًا قصور المساءلة البرلمانية بسبب القيود التي تتضمنها لائحة مجلس الشعب وبالتالي تفرغ المساءلة من محتواها، وهناك أيضًا ما يدعوه فوزي أزمة البيروقراطية المنحازة، حيث أشارت الدراسات إلى أن الموظفين المصريين غالبًا ما يحاولون تركيز السلطة في أيديهم، وأدى التركيز المتزايد للسلطة إلى تفشي ظاهرة غير صحية تتمثل في سعي الجمهور العادي إلى التعامل المباشر مع الرؤساء، متجاوزين بذلك صغار الموظفين الذين ينظر إليهم عادة باعتبارهم غير فاعلين، وتؤدي مركزية السلطة إلى شيوع ظاهرة «الواسطة».

ويتحدث فوزي كذلك عن إشكالية مشاركة المواطن في أعمال الإدارة التي لا تتمثل في مصر بوضوح، وعن الدور الغائب للمجتمع المدني نتيجة هيمنة البيروقراطية وضعف منظمات المجتمع المدني من الأساس، فقد تقلص دور المؤسسات غير الحكومية في أداء دورها في مسالمة الإدارة، ضمن بقية الأدوار الأخرى، وهذا عائد في حد ذاته إلى الأنظمة المعمول بها وضعف الهياكل المؤسسية، وغياب المنظمات على المستوى الجماهيري.

ويؤكد فوزي في دراسته أن من أبرز مظاهر ضعف المؤسسات غير الحكومية المختلفة ضعف الجذور والقواعد الشعبية لها، ويشير إلى دراسة حديثة أوضحت أن جملة أعضاء الجمعيات الأهلية في مصر يبلغ نحو 3 ملايين شخص، وأن من يدفعون التزاماتهم المالية المقررة لا تزيد نسبتهم على 56% من جملة عدد الأعضاء، وأشارت الدراسة إلى أن 49% من الجمعيات الأهلية فقط تعقد جمعيات عمومية منتظمة، وأن نسبة حضور هذه الاجتماعات لا تتعدى 35% من جملة الأعضاء المسجلين، وكشفت الدراسة أن 80% من السكان البالغين في مصر يعزفون عن المشاركة في مثل هذه الجمعيات الأسباب مختلفة. 

أما عن الأحزاب السياسية فيقول فوزي: إن دراسة أجريت مؤخرًا على سبع مناطق مثلث أقاليم مصر الرئيسة «الدلتا- القاهرة الكبرى- الصعيد» أوضحت أن 12% فقط من المستجوبين أعلنوا انتماءهم الحزبي، في حين أكد 88% أنهم لا ينتمون لأحزاب، ومن بين هؤلاء وجد أن 66.69% من غير المنتمين لأحزاب أعلنوا رفضهم الانخراط في عضوية هذه المؤسسات لكراهيتهم للسياسة، في حين أعرب 6.63% عن عدم اهتمامهم بالسياسة، وذكر 5.08% أنهم لا يثقون في الأحزاب، و 2.36% أن الأحزاب لا تقدم شيئًا مفيدًا، وعندما سئل المستجوبون عن مدى معرفتهم بعدد الأحزاب المعلنة في مصر وجد أن 73.9% من إجمالي العينة لا يعرف عدد الأحزاب السياسية في مصر، وأن 26.1% يعرف بالكاد أسماء خمسة أو ستة أحزاب على الأكثر․

ومن أسباب ضعف نظام المساءلة -حسب فوزي- دور ووسائل الإعلام التي تعبر عن الرأي العام وتصنعه، حيث يفترض في هذه الوسائل مسالة الإدارة العامة حول كم الخدمات التي تقدمها ونوعها، ويشير إلى أن كثيرًا من قضايا التلاعب بالمال العام كشفتها في بداية الأمر أجهزة الإعلام، وعلى إثرها تحركت أجهزة الدولة المسالمة المنحرفين والمتلاعبين.

واستعرض الباحث سامح فوزي في هذا السياق أمثلة عن الكيفية التي عالجت بها الصحافة المصرية قضايا الفساد في الفترة من ۱۹۹۱- ١٩٩٥م موضحًا أن الصحف الحزبية والقومية على السواء تصدت بالنشر والمتابعة لهذه القضايا، فمثلًا في عام ۱۹۹۲م تصدت صحيفة «الشعب» لنشر مقالات حول وقائع الفساد في قضايا البترول فيما عرف بقضية الوزير «عبد الهادي قنديل»، ورغم أن رد الفعل الرسمي جاء على لسان رئيس الوزراء وقتئذ الدكتور عاطف صدقي بإعلان براءة الوزير المذكور في الوقت الذي كانت النيابة تباشر فيه تحقيقاتها فإن الصحف الحزبية والقومية على السواء واصلت حملاتها الصحفية في هذا الاتجاه.

ومن القضايا الأخرى التي تناولتها الصحافة المصرية بشقيها الحزبي والقومي ما عرف باسم «فساد الحيتان» وهو الاسم الذي أطلق على القضية الخاصة بمجموعة من المفسدين الذين استطاعوا من خلال شبكة من العلاقات غير المشروعة مع عناصر من الشريحة البيروقراطية تحقيق ثروات طائلة.

واختتم الباحث سامح فوزي دراسته بالتأكيد على أنه بالإمكان الحد من ظاهرة الفساد في مصر بإعادة إحياء الهياكل الرقابية القائمة، وتنشيط دورها وعملها في سياق مجتمعي نشط قائم على علاقة أفضل بين الدولة والمجتمع المدني، بحيث تتلاقي مختلف مكونات نظام المساءلة الحكومية وغير الحكومية على تحقيق أقصى قدر ممكن من النزاهة والطهارة واستغلال أفضل للموارد المتاحة.

الرابط المختصر :