العنوان في ذكرى المولد النبوي حاجة الأمة للمبدأ الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
مشاهدات 72
نشر في العدد 694
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
ذكرى مولد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم مليئة بالعظة والعبرة للمسلمين -حاكمين ومحكومين- على اختلاف ميولهم، واتجاهاتهم، وطبقاتهم، ومبادئهم.. إنها ذكرى تشمل كل ذلك البعث الإلهي الذي غير وجه البشرية وأعاد إليها إنسانيتها وكرامتها وأعتقها من العبوديات الأرضية وربطها بعبودية البارئ الواحد الأحد.. خالقها جل جلاله.. وهي ذكرى تشمل معها سيرة ذلك المولود.. سيرة المصطفى التي يجب أن يستمد المجتمع المسلم منهاجه منها.. سيرة الوحي الذي تجلى في حياة هذا النبي الأمي الذي ما كان يصدر في كل توجهاته إلا عن وحي إلهي: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 3، 4).
إن العبرة تشمل زمن الرسالة كله، ذلك الزمن الذي قام على نهج قيم من هذا الدين الحنيف، حيث أرسل الله سبحانه نبيه محمدًا عليه الصلاة والسلام داعيًا إلى الحق لينقذ البشرية من ظلام الكفر إلى نور الإيمان.. وليكن هو القدوة الهادية المنيرة للناس أجمعين.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 45- 47).
لقد كانت ولادة محمد صلى الله عليه وسلم ميلاد أمة كلفها الله سبحانه بحمل رسالة الإسلام العظيم.. فلقد أرسل الله سبحانه محمدًا عليه السلام، ومعه منهاج إلهي للحياة الدنيا. وذلك من أجل أن تستقيم به أمور المسلمين جميعها.. المناسك والعبادات والتربية، والعلاقات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.. لقد أنزل الله سبحانه منهاجه الخالد في كتابه المبين على نبي هذه الأمة من أجل إنقاذ البشرية جمعاء من ضلال قوانين العباد إلى نور هذا الدين العظيم.
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (إبراهيم: 1).
ولقد حمل رسولنا العظيم الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وبنى الدولة.. ووضع كل أسسها كاملة غير منقوصة.. ومن ثم أوجد مجتمع الفاتحين الأشاوس الأبطال.. ثم أوجد المجتمع المسلم السعيد، وقامت دولة الإسلام العظمى على الأرض وأصبحت أكبر دولة وأقواها في ذلك العالم.. كل هذا كان بالإسلام.. فهل لنا أن نقرأ ونحن بين يدي ذكرى ولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم بعض المعالم والأسس التي أحدثت تلك النقلة الحضارية العظيمة في حياة المسلمين؟
لعل أول أسس تلك النقلة الحضارية كان المبدأ الواحد الذي جمع شتات مجتمع الجزيرة على اختلاف قبائله وأنسابه وأعراقه وسياساته، فعندما التف الناس حول الإسلام أسقطوا بادئ ذي بدء كل اجتهاد لا يتناسق مع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فتوحد الصف على رسالة واحدة؛ هي رسالة دين الإسلام. وتوحدت الرؤية تجاه قضايا المجتمع وسياسته، وتأهل تابعو هذا الدين لمواجهة كل قضايا الحياة بمبدأ واحد وشريعة واحدة، مما وفر السكينة والطمأنينة وأظهر الصف المسلم في موقف متناسق واحد.. وعلى كلمة واحدة لا تتنازعها الاتجاهات المختلفة والأهواء المتصارعة.. وهكذا بدأت النقلة من حياة كانت مليئة بالاضطراب والضياع إلى حياة حضارية إسلامية مشرقة.
بعد ذلك لم يكن من الصعب على رسولنا العظيم أن يعلن عن تلك الحضارة الجديدة عندما أعلن دولة الإسلام في المدينة.. تلك التي أقامها على التشريع الإلهي؛ حيث أبطل قانون الغاب الذي كان يحكم الجزيرة، وألغى معه كل الاجتهادات المتعارضة مع التشريع الإلهي.. فقامت الدولة الإسلامية منسقة متكاملة لا تشوب صفاءها شائبة ولا يصدع قوتها عدو. ثم انطلق النور ليعم الجزيرة بأسرها؛ حيث تمكن المبدأ من سائر الأفراد فاكتملت للمجتمع وحدته واشتدت صلابته وزادت قوته.. فكانت -من ثم- الانطلاقة العظيمة حيث توطدت أركان الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء في الشام وفارس ومصر.. وغيرها من بلدان ذلك العالم الذي دان لدولة الإسلام.
هكذا انتقل المجتمع الجاهلي الكافر إلى نعيم الإسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الرحمة الإلهية المهداة للبشرية: «إنما أنا رحمة مهداة». وكانت رسالته هي المنهج الذي نقل المجتمع القديم إلى حضارة النور الإسلامية.. حضارة الرحمة للعالمين أجمعين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).
إننا إذ نعيش اليوم في ذكرى ولادة رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم فحري بنا أن نستلهم الأسس والمبادئ التي أقام عليها مجتمع الحضارة الإسلامية.. وللمسلمين اليوم -وهم يعيشون بعثهم الإسلامي- بوارق من النور تجذبهم إلى تحكيم شريعة الله التي تقصر عنها كل الشرائع الأرضية في كل شئون الحياة.. وإذا كانت فطرة شعوبنا الصافية ما زالت متعطشة إلى تحكيم الشريعة.. فهل يلبي حكام العالم الإسلامي حاجة شعوبهم إلى تحكيم شرع الله في الأرض؟
على أن شعب هذه المنطقة يأمل من حاكميه أن يستلهموا تشريع الإسلام كلًّا لا جزءًا في سائر قضايا هذه الحياة.. كيف لا وقد نزل القرآن بأهل الجزيرة المسلمين: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾ (آل عمران: 110) ولنا كبير الأمل أن تكون قضية تحكيم الشريعة الإسلامية على رأس جدول أعمال مؤتمر القمة الخليجي الذي سيعقد العام القادم في مسقط.. وذلك من أجل أن تتحقق لنا نقلة حضارية جديدة على أساس من هدي الإسلام كما حدث في الجزيرة أيام الدعوة الأولى.. ومن ثم تكون المنطقة مهدًا للانطلاقة الحضارية الإسلامية الشاملة في أرجاء العالم من جديد.. وما ذلك على الله بعزيز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل