العنوان في ذمة الله الأستاذ عبد البديع صقر رحمه الله
الكاتب الشيخ معوض عوض إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1987
مشاهدات 51
نشر في العدد 826
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 21-يوليو-1987
قضاء الله ولا راد لقضائه أن يلحق بركب الشهداء الأستاذ عبد البديع صقر، وهو في الطريق إلى بيته بعد محاضرة أدى فيها واجب الدعوة التي كانت أحب الأعمال إليه، وكل أعماله وأقواله -رحمه الله- كانت تتسم بالطهر وشرف المقصد، ونبل الغاية، والحرص على أن تجد أقواله وأعماله مقنعًا في نفس الذين يلقاهم داعيًا إلى الله أو متعاونًا وإياهم على البر والتقوى.
والفقيد الكريم عاش لدينه، وفيًا أصدق الوفاء للدعوة التي خالطت بشاشة قلبه، ومنحها كل نشاطه في مجال التربية والتعليم، وفي مجالات التعريف بالإسلام والدعوة إليه، حتى اضطرته الظروف أن يهاجر كمن هاجر من إخوانه إلى مواقع أملًا أن يؤدوا فيها الواجب، ويكسبوا فيها للحق أنصارًا أبرارًا وإخوانًا أعوانًا، ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، ووجد الأستاذ عبد البديع -رحمه الله- في دولة قطر مناخًا صالحًا، وترددت أصداء جهوده وجهاده في دول الخليج، ولم يتم بيننا لقاء مباشر، وإن كان تناجي الأرواح، وتلاقي القلوب أدل في معناها من كل لقاء ورحم الله الذي قال:
ما القرب والبعد إلا ما كان بين القلوب
ولا زلت أذكر يومًا من أيام بعثتي في لبنان 1956-1962 لقيني فيه الأستاذ عبد الله المشنوق صاحب جريدة «بيروت المساء» والأديب الكبير والصحفي المتميز، لقد قال لي: إن الأستاذ عبد البديع يصطاف في لبنان، وهو بمنزله في بيروت يسجل القرآن المرتل، وتلك فيما أعتقد أولى محاولات فكرة هذا الضرب من تسجيل القرآن الكريم، وهكذا الأبرار وهم في فرص الاستجمام والترويح يولون دينهم وعقيدتهم كل اعتبار واهتمام، وأين من أين ما يفعله في أسفارهم أقوام؟ ومرت أعوام عدت بعدها من لبنان إلى مصر، وشاء الله أن أكتب من خلال بعثتي في الأردن ١٩٦٥-١٩٦٩ إلى الأستاذ عبد البديع، وكان ما يزال في قطر يرعى العلم والدعوة، ومهمته مع أمير الدولة الشيخ علي آل ثاني -رحمه الله- ومن بعده قبل تحوله بنشاطه الميمون إلى موقع آخر، وكتب إليَّ ذاكرًا نهاية الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- وكانت كلماته تقطر أسى ولوعة على الفقيد الكبير، وكتبت إلى الأخ الأستاذ عبد البديع ومعذرة فأنا أروي من الذاكرة ما قد تراخى به العهد، إن الفقيد سيد قطب قد اختار الله له هذه النهاية، وأية نهاية تعدل درجة الشهادة؟ وأي شرف يمكن أن يوضع في كفة ميزان أمام شرف الاستشهاد في سبيل الله؟ وذكرت له أن أبا حفص عمر أمير المؤمنين أدركه ألم شديد بعد استشهاد أخيه زيد في حروب الردة مجاهدًا، وقال لمتمم بن نويرة -رضي الله عنه- بعد أن سمعه يرثي ببعض الشعر أخاه مالك بن نويرة، يا متمم لو كنت شاعرًا لرثيت أخي زيدًا بمثل ما رثيت به أخاك، فقال متمم: والله يا عمر لو مات أخي مثل ما مات عليه أخوك الشهادة ما رثيته.
ولا أحسب هذا الأمر مما يخفى على الأستاذ عبد البديع، فقد كان طويل الباع في دراسات اللغة والأدب، وعلوم الدين والدعوة بخاصة، وأساليب التربية والتعليم التي استطاع حتى آخر مراحل حياته أن يجعلها من وسائل الدعوة إلى الله، وكأنه بذلك يذكر بالإمام الشيخ حسن البنا الذي استطاع من خلال عمله المدرسي أن يضع أساس دعوة ما زالت مرجاة مؤملة لإعلاء دين الله وتحكيم شرعه في دنيا الناس، وهي في موازين إحسانه عند الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
رحمه الله بقدر ما عمل لربه، وأخلص لدينه، وابتغى للناس من خير، وأعلى الله عنده درجات الشهداء الذين لحق بقافلتهم الأستاذ عبد البديع صقر، وإنا لله وإنا إليه راجعون.