العنوان في رثاء شهيد الصلح
الكاتب محمد صديق عبدالشكور
تاريخ النشر السبت 05-نوفمبر-2011
مشاهدات 78
نشر في العدد 1976
نشر في الصفحة 38
السبت 05-نوفمبر-2011
أفغانستان
- انتهاجه نهج الوسطية والاعتدال في مختلف الظروف والمواقف وحلمه وتواضعه جعلت منه شخصية لها مكانة خاصة في قلوب أطياف الشعب الأفغاني
- لم يهدأ لأعداء المصالحة ودعاة التفرق بال حتى اغتالوه غدراً حتى يتواصل الصراع!
- مضى أكثر من 50 عاماً في طريق الدعوة إلى الحياة في ظل الشريعة الإسلامية الغراء وتحمل العنت والمشقات في سبيل ذلك
لقد فُجع العالم الإسلامي كافة، والشعب الأفغاني المسلم المجاهد خاصة، بنبأ استشهاد علم شامخ من أعلام النهضة والدعوة، ورمز بارز من رموز التربية والإصلاح، وأستاذ بارع من أساتذة الفكر والعلم، وزعيم كبير من زعماء الجهاد والكفاح، إنه الأستاذ البروفيسور الشهيد بإذن الله تعالى الأستاذ «برهان الدين رباني .
أحد المؤسسين الكبار للنهضة الإسلامية في أفغانستان، وأمير الجمعية الإسلامية الأفغانية، وزعيم الجهاد الأفغاني، والرئيس السابق لدولة أفغانستان الإسلامية، ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة في أفغانستان، الذي طالت إليه يد الغدر والخيانة، عصر يوم الثلاثاء الموافق 20 / 9/ 2011م في منزله بكابول، لتسقطه شهيداً بعد أن مد يده للصلح، والاستقرار، بعد حياة حافلة بالتربية، والدعوة، والجهاد، والإصلاح.
لقد كان الأستاذ رباني - يرحمه الله- نموذجاً فريداً، وقائداً متميزاً، فقد برع وتفوق في جميع الميادين التي خاض غمارها، ففي ميدان العلم، كان طالباً متفوقاً، ومن ثم أستاذاً جامعياً بارعاً، وفي ميدان الدعوة والجهاد، كان مربياً مصلحاً وقائداً حكيماً، وفي ميدان المصالحة كان زعيماً موجهاً.
ولد الأستاذ الفقيد عام 1940 م في ولاية «بدخشان» بأفغانستان في أسرة متدينة، محبة للعلم، وبعد أن أنهى دراسته في مدرسة «أبي حذيفة الشرعية »، ومن ثمَّ في كلية الشريعة بجامعة كابول، سافر إلى جمهورية مصر العربية لإكمال الدراسات العليا، فالتحق بجامعة الأزهر الشريف، وبعد حصوله على الماجستير من تلك الجامعة العربية، عاد إلى أفغانستان عام 1967م، وعين أستاذاً بكلية الشريعة بجامعة كابول، وكان من الأساتذة المتميزين الذين يُشار إليهم بالبنان.
ولأنه كان رجل الدعوة والتربية، فقد بدأ الأستاذ رباني - إلى جانب كونه أستاذاً في الجامعة - بالدعوة في أوساط الشباب الأفغاني، مستلهماً نهجه وفكره من مدرسة «الإمام الشهيد حسن البنا » - يرحمه الله - التي آمن بفكرتها، وتأثر بها أيام إقامته في مصر، فتأثر بفكره ونهجه كثير من الشباب الغيور على دينه.
أحيا سنة الهجرة
وعندما ضاقت به السبل، ورأى أن البلاد تتجه إلى الشيوعية أكثر فأكثر، أحيا الأستاذ رباني سنة الهجرة، فهاجر إلى باكستان، ومن هناك أعلن الجهاد ضد النظام الشيوعي العميل في أفغانستان، وتولى قيادة المجاهدين بإيمان راسخ، وعزم متين على الانتصار، فخاض المجاهدون تحت قيادته معارك شرسة، وحروباً طاحنة ضد الروس والنظام الشيوعي دفاعاً عن العقيدة والإيمان في أيام مريرة، وسنوات أليمة، حتى أُجبر الروس على الانسحاب، ومن ثمَّ سقطت الحكومة الشيوعية العميلة في أفغانستان، وانتصر المجاهدون.
وبعد انتصار الجهاد سنة 1992 م، انتُخب الأستاذ برهان الدين رباني رئيساً لدولة أفغانستان الإسلامية، بعد انتهاء المرحلة الانتقالية للبروفيسور صبغة الله مجددي، والتي استمرت شهرين.
وبعد استيلاء «طالبان » على الحكم في كابول سنة 1996 م، نقل الأستاذ رباني مقره إلى شمال أفغانستان، ولم يدخل في مواجهة عسكرية لا مُحتد عقباها مع «طالبان».
وفي سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ المعاصر لأفغانستان، سلّم الأستاذ رباني عام 2001 م السلطة إلى إدارة مؤقتة تتولى شؤون البلاد، بقيادة الرئيس الحالي «حامد كرزاي » بعد سقوط «طالبان »، للخروج بالبلاد من حالة التمزق السياسي إلى الصلح والاستقرار، مؤكداً بعمله هذا - للشعب وللعالم أجمع - أنه رجل الصلح والسلام، وأن المصلحة العامة، ومصلحة الوطن لديه فوق المصلحة الشخصية والحزبية وغيرها من المصالح الضيقة.
سياسة الأستاذ رباني المتوازنة، وانتهاجه نهج الوسطية والاعتدال، في مختلف الظروف والمواقف، وحلمه وأناته، وبساطته وتواضعه، جعلت منه شخصية لها مكانة خاصة في قلوب جميع أطياف الشعب الأفغاني، فنال بذلك ثقتهم، ومحبتهم، وتقديرهم، واحترامهم، مما أدى إلى اعتباره شخصية وطنية كبيرة، لها دورها البارز والمؤثر في خدمة الوطن.
لذا، فإن الأستاذ رباني لم يبتعد عن الساحة بعد تسليمه السلطة إلى الإدارة المؤقتة، بل ظل مجاهداً من أجل مبادئه الإسلامية التي آمن بها، وعاش لها، من خلال عضوية أول مجلس منتخب للشورى الأفغاني، فكان رمز الجهاد، ورجل الدعوة، وصوت الحق في ذلك المجلس.
ونظراً لما أشرت إليه من قبل من مكانة الأستاذ - يرحمه الله - الخاصة في قلوب جميع أطياف الشعب، ولما كان يتمتع به سياسة متوازنة قائمة على الوسطية، فقد تم اختياره في العام الماضي 2010 م لرئاسة المجلس الأعلى للمصالحة بين الحكومة و «طالبان» ليساهم - بعد توفيق الله عز وجل - بحكمته المشهودة، وخبرته العريقة، وسياسته المعتدلة،
في لمِّ شمل البيت الأفغاني في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أفغانستان، ليحل السلام، والعمار، محل الحرب والدمار، وليساهم الجميع في بناء ونهضة البلاد، وتخليصها من ورطة التفكك والضعف، وعدم الاستقرار. فنهض أستاذنا الراحل لهذه المهمة، وعمل بجد واجتهاد، وبذل مساعي كبيرة، وجهوداً مضنية، بلا كلل أو ملل - على الرغم من كبر سنه واعتلال صحته - لإنجاح هذا المشروع الكبير بين الأفغان، ليسود الأمن، والأمان، وترفرف أعلام الصلح والاستقرار، في ربوع أفغانستان، فكان بحق فارس الصلح، ورجل السلام حتى آخر لحظة من حياته، حيث قدّم روحه شهيداً في سبيل الصلح والاستقرار في بلده.
أعداء المصالحة
إلا أن أعداء المصالحة، ودعاة التفرق، لم يهدأ لهم بال، ولم يقر لهم قرار، فاغتالوه غدراً وخيانة، ليستمر الصراع، ويعيش المجتمع في جوٍ من عدم الاستقرار. لقد أمضى الأستاذ رباني - يرحمه الله - أكثر من خمسين عاماً من عمره في طريق الدعوة إلى الحياة، في ظل الشريعة الإسلامية الغراء، وبذل الكثير الكثير من أجل هذه الدعوة، وتحمل العنت والمشقات في سبيلها، لقد كان - يرحمه الله - مؤمناً بأنه لا عز ولا سعادة ولا استقرار للشعب الأفغاني إلا في ظل تعاليم الدين الحنيف.
كان يؤكد ويصر على أن الهزيمة والتقهقر والرجوع إلى الوراء كلمات لا محل لها في قاموس الإسلام، وأنه لا بد من السعي والعمل، وبذل الجهود المخلصة من أجل الوصول إلى الأهداف.
قاوم - يرحمه الله - التدخلات الخارجية في شؤون أفغانستان الداخلية، ولم يسمح لأحد بمثل هذه التدخلات، ولم يتوان جهداً، ولم يدخر وسعاً في طريق المصالحة في أفغانستان، ودعم الاستقرار في المنطقة، في ضوء تعاليم الإسلام الحنيف.
واليوم لئن كان الأستاذ رباني غائباً عنّا، فإن مدرسته الدعوية تظل حية في قلوب الأجيال التي تشربت مبادئها، وعاشت على أفكارها، ولواء الصلح الذي شمّر عن سواعد الجد تحته يظل شامخاً وسط أتباعه ومحبيه.
وعهد من هؤلاء مع الله عز وجل على المضي قدماً في طريق المصالحة في أفغانستان، ودعم الاستقرار في المنطقة، حتى آخر قطرة من دمائهم، مع قدر المحبة والتعاون من أجل السلام مع جميع محبي الصلح والاستقرار في داخل وخارج البلاد.
رحم الله شهيد الصلح الأستاذ رباني، وتقبّل الله شهادته، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.