; في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان في رمضان

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2012

مشاهدات 45

نشر في العدد 2013

نشر في الصفحة 12

السبت 28-يوليو-2012

ما أروع أن يقف الإنسان مع نفسه في محطات خاصة متميزة في العمر والحياة كن قناصًا للفرص الثمينة لا مضيعاً لها وشهر رمضان من هذه الفرص الثمينة فإنها لا تعود في العام مرتين، وأنت لا تدري هل سيطول الأجل بك إلى أن تدرك رمضان القادم أم لا؟ ربما يطول أملك، ولكن لا يطول أجلك، فالموت يأتي للإنسان دون سابق إنذار، بل ربما يأتي والإنسان في غمرة الفرحة والسرور بلقاء أهله وأحبابه.. أعرف صديقًا وزميلًا - يرحمه الله تعالى - قضى مسافرًا طوال حياته إلى أن تقاعد، فعاد إلى وطنه ليسكن القصر الذي بناه، ويتمتع به وسط أهله وأولاده وأحبابه ولكن قدر الله تعالى كان أسرع، فمات ولم يستمتع بثمرة تعبه وسفره سوى سويعات قليلات. 

ومنذ أيام حزنت وتألمت كثيراً عندما سمعت خبراً مفجعاً مؤلماً أتاني فجأة، إنه خبر ذلك الشاب الذي بلغ من العمر تسعة عشر عاماً - وهو ابن زميل لي وأخ عزيز - كان قد عاد من دراسته بالخارج، ليقضي شهر رمضان وعيد الفطر مع أهله وخلانه، وخرج للإعداد لنزهة هو وأهله، وبينما هو يقود السيارة إذا بمخمور غاب عقله يصدم سيارة الشاب، ففارق الحياة، ولم يبلغ رمضان، ولم يشهد عيد الفطر!! 

هذه الأحداث وغيرها كثير وكثير خير واعظ لأن نغتنم رمضان، وفيه يمكن أن يستثمر فرصه الثمينة.

في رمضان.. أعد ترتيب ذاتك، لملم بقاياك المبعثرة.. احلم بالجنة ذلك الحلم العظيم وحاول أن تقترب من هذا الحلم بتحقيقك الأحلام الصغيرة التي تسبق هذا الحلم الكبير وتبلغنا إياه.

وفي رمضان تذكر هؤلاء الذين صاموا معك العام الماضي، وصلوا معك، وكانوا يملؤون عالمك تروح معهم وتغدو، وتلعب وتعمل وتحدث وتستمتع، ثم غيبهم الموت، وتركوك وحدك من دونهم.

في رمضان.. أفتح قلبك المغلق بمفاتيح التسامح، واطرق الأبواب الموصدة بينك وبينهم واحرص على صفاء قلبك تجاههم، واحرص على أن يكون طريقك المؤدي إليهم مليئاً بالنور والزهور والحب والخير والتسامح، وحدث نفسك دائماً بأجر المتحابين المتسامحين: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مَن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعدت للمتقين (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ والْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾ (آل عمران).

وفي رمضان.. اطلب الرحمة في أوله، واعلم أن الذي لا يرحم العباد لن يرحمه رب العباد فاطرق أبواب رحمتك وانشرها بين العباد، ارحم القريب والبعيد وتراحم مع الجميع، وصل رحمك يرحمك الله تعالى، وأحب الخير للجميع، واغلق منافذ أحقادك، وتخلص من كل ما هو أسود داخلك، واغسل قلبك بالإيمان والحب واجعل فيه مساحات بيضاء، والأحاسيس النبيلة، اجعله قلباً سليماً، فهو الذي ينفعك يوم القيامة ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾(الشعراء: 89). 

وفي رمضان.. أصطلح مع ربك، وأصطلح مع نفسك، وتخلص من همومك بحسن توكلك على ربك وحده، مفرج الهم، وكاشف الغم، فما خاب من توكل عليه ولا خسر فك قيدك، وأفرج عن نفسك، وأخرجها من سجن الآلام والأحزان واستعذ بالله من ذلك كله، مقتديا بحبيبك في الدعاء المأثور: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».

وفي رمضان.. احذر الإساءة لأولئك الذين أساؤوا إليك، واحذر أن يصدوك عن الإحسان بل احرص أنت على أن تعلمهم الخير بإحسانك إليهم، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم﴾ (فصلت: 34)، وإياك أن تظلم أحداً منهم أو من غيرهم، في الظلم ظلمات يوم القيامة.

وفي رمضان.. تجنب الغيبة فقد صارت في أيامنا هذه فاكهة المجالس، لا يطرب الناس ولا يأنسون في مجالسهم إلا باقترافها، واعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيم﴾ (الحجرات:12) 

تجنب الغيبة فلا يليق أن تصوم عما أحله الله لك، وتفطر على ما حرمه عليك. 

وفي رمضان.. احرص على أن تحظى بمسامحة الناس إياك، فذلك خير لك من أن يقتصوا منك يوم القيامة، فبادر بطلب العفو منهم، بعد أن تكتب لهم اعتذاراً، وترسله إليهم، أو أن تسمعهم اعتذارك شفاهة، فاعترافك بخطئك فضل عظيم، يطيب نفوسهم، ويجعلك في أعينهم كبيراً شجاعاً منصفا، فبادر بالاعتذار إليهم، وخاصة هؤلاء الذين يقلقون نومك، ويقضون مضجعك، ويؤرقون عليك ليلك ويؤلمون ضميرك.

في رمضان.. لا تشغل نفسك بفشلك في الماضي، حاول أن تفقد ذاكرة أحزانك وأحل محلها التطلع إلى النجاح، واملأ نفسك أملاً ولا تيأس ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون﴾ (يوسف:87).

ولا تتحسس طعنات الغدر التي كانت سببًا في إيلامك قبل ذلك، ولا تسجن نفسك في زنزانة الألم، ولا تجلد ذاتك بسياط الحسرة والندم واغفر للذين خذلوك، والذين  شوهوك، والذين ضيعوك والذين اغتابوك، وادع لهم بالهداية فإن لم يهتدوا فاعلم أن الله الحاكم العدل هو الذي  سيحاسبهم.

وفي رمضان.. أقصر عن الشر، وأكثر من الخير حتى تكون من المفلحين واعرض نفسك كل يوم على آيتين في القرآن الكريم جمعتا خصال الخير كله، وفيهما يقول المولى عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير(78)﴾ (الحج).

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2060

69

السبت 06-يوليو-2013

المجتمع الصحي ( 2060 )